الحديث عن استعادة الأخلاق المصرية المفقودة الآن، ليس حديثاً عابراً.. بل هو أهم ما يمكن أن نتحدث عنه بكل قوة لوصول الوضع الآن إلى مرحلة الخطر.. لذلك فإننا ندعو هنا من منبر جريدة «الجمهورية» إلى مبادرة قومية تتبناها أجهزة الدولة وتشارك فيها كل الوزارات والأجهزة التنفيذية ومنظمات المجتمع المدنى على اختلافها، فى محاولة لاستعادة ما فقدناه عمداً من أخلاق وقيم فى سنوات سابقة حتى وصلنا الآن لمرحلة الخطر.
تتضمن المحاور الإستراتيجية للمبادرة عدة محاور منها محور التنشئة والتعليم بإعادة صياغة الوعى القيمى من الطفولة المبكرة عبر قنوات التعليم الأساسى.. ومحور البيئة المجتمعية والشبابية عن طريق تحويل مراكز الشباب والأندية إلى حاضنات سلوكية تعادل الأخلاق الرياضية.. وهناك محور التشكيل الثقافى والفنى الذى يقدم الصورة والقدوة فى مواجهة الابتذال الفنى والإنتاجى بتقديم نماذج بديلة ترفع الذوق العام.. وهناك أيضا محور الرقابة الرقمية والتشريعية وضبط الفضاء الإلكترونى ومنصات التواصل التى تروج للسيولة الأخلاقية باسم «التريند»، وأول الجهات الحكومية المطلوب منها تفعيل المبادرة وزارة التعليم عن طريق إحياء «درجات السلوك» وتفعيلها بجدية كعنصر حاسم فى التقييم.. وإدراج مادة «الأخلاق والمواطنة» كأنشطة عملية وتفاعلية لا مجرد منهج نظرى للامتحان.. بالإضافة إلى تفعيل دور الأخصائى الاجتماعى والنفسى بالمدارس لرصد وتعديل السلوكيات العنيفة.
أما وزارة الشباب والرياضة فلها دور أكثر من مهم بوسائل كثيرة منها مثلا إطلاق دورى «أخلاقنا الرياضية» بمراكز الشباب بالمحافظات وتخصيص جوائز كبرى للفريق الأكثر التزاماً سلوكياً.. وتحويل مراكز الشباب لساحات حوار أسبوعية تلتقى فيها الرموز الفكرية بالشباب لملء الفراغ القيمى.. وتدشين معسكرات بناء الشخصية والتطوع المجتمعى لربط طاقة الشباب بالعمل النافع.
أما وزارة الثقافة، فالمنتظر منها الكثير فى هذه المبادرة عن طريق إعادة الروح إلى قصور الثقافة فى القرى والنجوع عبر ورش عمل مسرحية وفنية تناقش قضايا الأخلاق والذوق العام.. ورعاية الموهوبين وتقديم منح إنتاجية للأعمال الفنية التى ترسخ القيم الأصيلة،عن الأزهر والأوقاف، فدورهما أساسى ولا غنى عنه.. وأهم ما فيه توحيد الخطاب الدينى لترسيخ المعاملات اليومية والذوقيات الإسلامية والمسيحية عن طريق مبدأ «الدين المعاملة»، وتسيير قوافل توعية مشتركة من شباب الأئمة والقساوسة لزيادة التماسك المجتمعى ونشر قيم التسامح.
إن استعادة الأخلاق فى الشارع المصرى ليست معركة وعظ وإرشاد، بل معركة وعى وتنظيم وفرض قانون.. فعندما يتكامل المعلم فى فصله والشيخ والقس فى منبرهما ومدير مركز الشباب فى ملعبه والفنان فى عمله تحت مظلة تشريعية تحمى الذوق العام سنشهد البداية الحقيقية لجمهورية جديدة تبنى الحجر والبشر معاً.
