« لو لم تكن ثورتى 23 يوليو 1952 و30 يونيو 2013، لكانت مصر فى وضع غير مرضى على الإطلاق، ومختلف تماما عن الواقع الذى نعيشه الآن»، هذا الكلام ليس الغرض منه التهويل من قيمة الثورتين ودروهما المهم فى الحفاظ على الدولة المصرية ، ولكن المقصود من هذا الكلام هو تبيان الحقائق التى غابت عن الكثيريين فى ظل محاولات «خبيثة» للتشكيك فى أهمية هذين الحدثين وأثرهما المهم على مصر والمصريين وعلى الأمن القومى المصرى بوجه عام، وليست مبالغة فى أنه لو لم تشتعل ثورة 30 يونيو لابتلع مصر الإرهاب، وقبلها لو لم يقود الضباط الأحرار ثورة 23 يوليو 1952 ضد النظام الملكى السابق لكانت مصر قد سقطت فى أيدى عصابات دينية أو صهيونية من «مخلفات» الحرب العالمية الثانية خاصة وأن بعض هذه العصابات كانت تراقب الأحوال فى مصر بعد انتهاء الحرب عام 1945 وبعد نشأة إسرائيل عام 1948، أيضا فقد كانت الأوضاع الداخلية تنم عن فقدان الملك فاروق القدرة على إدارة الدولة سيما بعد حادث 4فبراير عام 1942 وحصار الإنجليز للقصر الملكى وإجبار الملك على تشكيل حكومة برئاسة مصطفى النحاس وما أعقبها من تشكيل حكومات ضعيفة شهدت تدخلات سافرة من السفير البريطانى فى إدارة الدولة المصرية، وأدت إلى تنامى حجم جماعة الإخوان كتنظيم دينى يبحث عن أداء دور سياسى ، كذلك وقوع حادث حريق القاهرة عام 1951، والذى لم يستدل على فاعليه فى حينه، بما أكد أن مصر فى طريقها للتفكك والضياع ، وأنه لابد من إنقاذها من قبل الجيش وضباطه وقياداته، وهو ما قد كان.
>>>
هذه التطورات لابد من معرفتها واستيعابها ، ليس دفاعا عن ثورة 23 يوليو و «الضباط الأحرار» ولكن لأنها تكشف عن وقائع كانت واضحة بل و«ساطعة فى هذا الوقت»، أيضا لأن النجاحات التى حققتها ثورة 1952 وفى المقدمة منها تولى مواطن مصرى لأول مرة حكم مصر وبناء جيش وطنى قوى، شكلت حافزا مهما للمصريين وأكسبت قادة الثورة شرعية شعبية هائلة ساهمت بعد ذلك فى البدء فى تنفيذ مشروع عبد الناصر النهضوى العملاق فى الزراعة والصناعة، والذى تربصت به إسرائيل والصهيونية العالمية وحاولت تعطيله بالعدوان الثلاثى عام 1956 ثم نالت منه واوقفته بحرب يونيو 1967، وهنا نتوقف لحظات للكشف عن حقائق مهمة أوردها الدكتور محمود رياض وزير الخارجية الأسبق فى مذكراته، بأنه كان لابد من هزيمة عبد الناصر فى العام 1967 بعد ظهوره كزعيم قومى كبير فى المنطقة العربية والعالم، وكقائد ملهم يقود بلاده نحو التنمية والتصنيع وتضييق الفجوة العلمية بينها وبين الدول الأوروبية، كل ذلك ساهم فى تآمر القوى الإستعمارية مع إسرائيل لضرب مصر، والحاق هزيمة عسكرية بها تسببت فى تعطل مشروعات التنمية و التفرغ لإعادة بناء القوات المسلحة وإعداد الدولة للحرب ثم الدخول فى حرب الإستنزاف ثم حرب أكتوبر 1973 المجيدة ، كل ذلك ورغم نجاحه فى تحقيق النصر وإستعادة الأرض المحتلة فى سيناء، إلا ان تكلفته العالية انعكست بالسلب على الاقتصاد المصرى، والذى مازال يعانى حتى الآن.
>>>
هكذا هو المشهد الذى يستخدمه بعض المشككين فى ثورة يوليو 1952 بأنها كانت سببا فى الهزيمة وكذلك التراجع الاقتصادى، ولكن القراءة المتأنية توضح أنه وفى ظل وجود الدولة اليهودية وفى ظل المشروع الصهيونى «إسرائيل الكبرى من الفرات للنيل» ، كان لابد من إستهداف مصر، حتى بعد نصر اكتوبر 1973 ثم توقيع اتفاقية السلام عام 1979 ، فقد زادت حدة العداء لمصر وتزامنت معها تعدد محاولات الإضرار بها ، وصولا إلى أحداث يناير 2011 ودعم جماعة الإخوان الإرهابية بغرض تقسيم المجتمع وفرض حالة من الفوضى والارتباك لإضعاف مصر وتنفيذ المخطط الصهيونى، وعند هذه النقطة بالتحديد تظهر أهمية ما حققته ثورة يوليو من منجزات لعل أهمها توحيد الشعب المصرى بكل فئاته وطوائفه، وبناء جيش قوى وقادر على الدفاع عن مصر وأمنها القومى، فبهذه القدرات التى حققتها ثورة يوليو 1952 نجحت مصر فى مواجهة أحداث يناير 2011 ، وبهذه الإمكانات نجح المصريون فى شن ثورة 30 يونيو 2013 الشعبية وإنهاء حكم الجماعة نهائيا وانقاذ مصر من التقسيم والإرهاب والحروب الأهلية.
>>>
تلك هى الصورة الحقيقية لمصر بثورتيها العظيمتين «يوليو 1952 – ويونيو 2013» التى تحاول بعض الجهات الأجنبية ومعها تنظيم الإخوان ، تشويهها أو إخفائها بغرض تكريس الإنقسام بين المصريين ووضع المجتمع على حافة الهاوية ، ورغم ذلك فإن ما يشعرنا بالثقة والأمل هو إدراك المصريين لما يدور حولهم من مخططات ومؤمرات صهيونية، ومن محاولات هدم الدولة المصرية ، وهى أسباب كافية للوقوف صفا واحدا خلف القيادة السياسية لمواصلة جهودها فى تطوير القوات المسلحة وجعلها قادرة على الدفاع عن مصر ومقدراتها، وكذلك فى دعم الدولة على تنفيذ مشروعها التنموى العملاق وتوفير الحياة الكريمة للمواطنين، والأهم والأكثر أهمية هو الحفاظ على هذا الكنز الثمين من الأمن والأمان والاستقرار.
