في عالم الموضة، لا شيء يحدث بالمصادفة تماماً. وحتى أكثر الشراكات التي تبدأ بعفوية، قد تتحول مع مرور الوقت إلى قرارات استراتيجية تُغيِر مسار الكثير من الأشياء. وهذا تماماً ما حدث بين «شانيل» و«شارفيه» بعد تعاون أسفر على ثلاثة قمصان مُفصلة من قبل «شارفيه» ومطرزة بتوقيع «شانيل» في أول عرض قدمه ماثيو بلازي بعد التحاقه بدار الأزياء الفرنسية. ثم توالى بعدها ظهور القميص في تشكيلة «الكروز» لعام 2027.

ليست علاقة عابرة
يقول المصمم في أحد لقاءاته النادرة، إنه عندما اقترح التعاون مع دار «شارفيه» كان رد رئيس قسم الموضة برونو بافلوفسكي أن «شانيل» لا تتعاون مع بيوت أزياء أخرى. فقد كان لها شبكتها الواسعة من الحرفيين، و«شارفيه» ليست واحدة منها. لكنه نجح في إقناع الدار، وما كان مجرد تعاون عابر تحوّل بعد أقل من عام إلى استحواذ كامل، تنضم بموجبه «شارفيه» لسلسلة الدور المتخصصة، التابعة لـ«شانيل»، مثل «لوساج» للتطريز، و«لومارييه» للريش والزهور، و«ماسارو» لصناعة الأحذية، و«غوسان» للأقمشة الفاخرة، فضلاً عن علامة «إيريس» لملابس السباحة، وغيرها. كل هذا في إطار استراتيجية طويلة الأمد تستهدف حماية الحرف التقليدية، وتأمين سلسلة التوريد الخاصة وضمان استمرارية الـ«هوت كوتور» وكل ما يتطلب تنفيذه أنامل ناعمة.

علاقة قديمة متجددة
أهمية «شارفيه» بالنسبة لـ«شانيل» لا تكمن فقط في تاريخها العريق، ولا في أسماء عملائها البارزين عبر تاريخها، مثل شارل بودلير، وإميل زولا، وشارل ديغول، ووينستون تشرشل، وإيف سان لوران، وكارل لاغرفيلد، بل أيضاً في تلك الصلة التاريخية التي أعاد ماثيو بلازي اكتشافها، ثم كشف عنها لنا في أوّل عرض قدَمه للدار.
بعد أن نبش أرشيف الدار، عثر المصمم على صور لغابرييل ترتدي قميصاً رجالياً قطنياً، يُرجَح أنه كان لآرثر «بوي» كابيل، حب حياتها وأحد أبرز الداعمين لمسيرتها في بداياتها. وكان كابيل بحسب الرواية لا يُفصِل قمصانه إلّا لدى «شارفيه». لكن المفاجأة جاءت عندما عرض بلازي فكرة التعاون على جون كلود وأخته آن ماري كولبان، المالكين الحاليين لـ«شارفيه»، فأخبراه بأن الآنسة شانيل نفسها كانت من الزبونات الدائمات للعلامة، وكانت قمصان آرثر كابيل وتشتريها له.

كان هذا خيطاً نسج منه عناصر مهمة في أول تشكيلة قدمها لـ«شانيل» وكان من بينها ثلاثة قمصان يقدر سعر الواحد منها بنحو 4300 دولار تقريباً، أكدت تألق «شانيل» ووضعت «شارفيه» تحت الأضواء العالمية بعد أن ظلت لعقود علامة يعرفها المطلعون أكثر من الجمهور العريض.
يُعلَق برونو بافلوفسكي، على عملية الاستحواذ قائلاً إن «(شارفيه) جوهرة بكل معنى الكلمة، كما أن هناك أسباباً كثيرة تجعل العلاقة بيننا منطقية ومتجانسة؛ فـ(شانيل) علامة نسائية تستقبل عدداً متزايداً من الرجال في متاجرها، فيما أصبحت (شارفيه)، وهي علامة رجالية، تجذب عدداً متزايداً من النساء».

غير أن عراقة «شارفيه» كانت، في الوقت نفسه، أحد أسباب محدودية انتشارها. فمنذ تأسيسها في عام 1838، اكتفت بمتجرها التاريخي في ساحة فاندوم الباريسية، متمسكة بأسلوبها التقليدي في إدارة أعمالها. لذلك يبدو الاستحواذ بالنسبة للطرفين، خطوة منطقية؛ فهو يمنح «شانيل» خبرة حرفية نادرة، بينما يفتح أمام «شارفيه» آفاقاً جديدة للنمو، من دون التفريط بهويتها.




