تواجه إسرائيل واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في علاقتها بالولايات المتحدة، وسط تصاعد غير مسبوق للانتقادات داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، في وقت تسابق فيه تل أبيب الزمن لاحتواء تراجع نفوذها السياسي والشعبي في واشنطن، عبر تحركات دبلوماسية وإعلامية وحملات ضغط واسعة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة بوليتيكو الأمريكية، فإن الدوائر المؤيدة لإسرائيل، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها، بدأت حملة مكثفة تهدف إلى ترميم صورة تل أبيب، بعدما أصبحت تواجه موجة متزايدة من الغضب الأمريكي على خلفية سياساتها في قطاع غزة والضفة الغربية، فضلًا عن تصاعد التوتر مع إيران.
الكونجرس يبعث برسالة غير مسبوقة
بلغت الأزمة ذروتها هذا الأسبوع عندما صوّت أكثر من مئة نائب ديمقراطي في مجلس النواب لصالح مشروع قانون يطالب بوقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، ورغم فشل المشروع، فإن التصويت عُدّ مؤشرًا واضحًا على التراجع المتزايد في التأييد التقليدي الذي كانت تحظى به إسرائيل داخل الكونجرس.
وفي تطور آخر زاد من حدة التوتر، اتهم نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إسرائيل بإدارة حملة إلكترونية استهدفته شخصيًا، وهي اتهامات نفتها الحكومة الإسرائيلية ووصفتها بأنها "تشهيرية".
تحركات إسرائيلية لاحتواء الأزمة
في مواجهة هذا التصعيد، كثفت إسرائيل وحلفاؤها تحركاتهم داخل واشنطن، من خلال التواصل المباشر مع أعضاء الكونجرس، وزيادة الإنفاق على الحملات الانتخابية، إلى جانب الإعداد لزيارة مرتقبة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة خلال الأسابيع المقبلة.
كما وصل وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى واشنطن لإجراء لقاءات مع مسؤولين أمريكيين، بينما واصل السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر عقد اجتماعات مع نواب من الحزبين، بالتوازي مع حملة إعلامية عبر منصات التواصل الاجتماعي للدفاع عن المواقف الإسرائيلية.
"الديمقراطيون" الدعم لم يعد مضمونًا
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية تختلف عن الخلافات التقليدية بين واشنطن وتل أبيب، إذ لم تعد تقتصر على تباينات سياسية عابرة، بل تعكس تحولًا تدريجيًا في المزاج الأمريكي تجاه إسرائيل.
وتشير استطلاعات الرأي، إلى تراجع مستويات التأييد الشعبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، خاصة بين الشباب الأمريكي، الذين أصبحوا أكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين، وهو ما بدأ ينعكس على مواقف عدد متزايد من أعضاء الكونجرس.
وفي هذا السياق، دعا الاتحاد الأرثوذكسي اليهودي أعضاءه إلى توجيه رسائل شكر للنواب الديمقراطيين الذين رفضوا وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من الحلفاء داخل الحزب الديمقراطي.
كما كثف رئيس اللجنة اليهودية الأمريكية، تيد دويتش، لقاءاته مع المشرعين الأمريكيين، في إطار جهود تهدف إلى الحد من تراجع الدعم التقليدي لإسرائيل.
تصريحات أمريكية تزيد الضغوط
ولم تتوقف الضغوط عند التصويت داخل الكونجرس، إذ اتهم النائب الديمقراطي رو خانا مستوطنين وجنودًا إسرائيليين باحتجازه فعليًا خلال زيارة إلى الضفة الغربية.
كما حذر رام إيمانويل، المرشح المحتمل للرئاسة الأمريكية، من أن استمرار العنف ضد المدنيين الفلسطينيين قد يقود إلى فرض عقوبات على إسرائيل أو تقليص التمويل العسكري الأمريكي المقدم لها.
في المقابل، رفضت السفارة الإسرائيلية تلك الاتهامات، مؤكدة أن زيارة خانا لم تكن منسقة مع السلطات الإسرائيلية.
معركة الرأي العام الأمريكي
ويرى مسؤولون إسرائيليون، أن المواجهة لم تعد تدور فقط في ساحات القتال، بل انتقلت إلى الجامعات الأمريكية، ووسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي.
وقالت المحامية الإسرائيلية نيتسانا دارشان-لايتنر، إن المعركة الحقيقية أصبحت تُخاض داخل الجامعات الأمريكية والكونجرس ومنصات "إكس" و"تيك توك"، حيث تتشكل اتجاهات الرأي العام.
وفي السياق ذاته، كشفت مجلة "تايم" عن حملة تأثير إعلامي بملايين الدولارات استهدفت قاعدة مؤيدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو ما اعتبره جيه دي فانس محاولة للتأثير على جهوده الدبلوماسية مع إيران، بينما نفت الخارجية الإسرائيلية صحة تلك الاتهامات.
كما أصدر السفير الإسرائيلي في واشنطن كتيبًا بعنوان "صناعة فرية الدم الحديثة" للدفاع عن إسرائيل والرد على الاتهامات المتعلقة بالحرب في غزة.
"ترامب" دعم مستمر ولكن بتحفظات
ورغم استمرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التأكيد على دعمه لإسرائيل، فإن تقارير أمريكية أشارت إلى أنه بات أكثر تحفظًا تجاه استمرار التصعيد العسكري مع إيران، بسبب المخاوف من انعكاساته الاقتصادية على الولايات المتحدة والعالم.
كما تحدثت التقارير عن وجود تباينات متزايدة بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن مستقبل المواجهة مع طهران.
ومن المنتظر أن تستغل إسرائيل زيارة نتنياهو المرتقبة إلى الولايات المتحدة لعقد سلسلة لقاءات سياسية، إلى جانب المشاركة في مراسم تأبين السيناتور الجمهوري الراحل ليندسي غراهام، في محاولة لإعادة تنشيط الدعم داخل الأوساط الجمهورية.
يرى مسؤولون وخبراء أمريكيون أن الأزمة الحالية لا يمكن تجاوزها عبر حملات علاقات عامة أو زيارات سياسية فقط، بل تتطلب مراجعات حقيقية للسياسات الإسرائيلية.
وقال نيد برايس، المسؤول السابق في إدارتي باراك أوباما وجو بايدن، إن الأزمة "ليست أزمة علاقات عامة يمكن حلها بالضغط السياسي، وإنما ترتبط بجوهر السلوك الإسرائيلي".
كما أكد دان شابيرو، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية، أن استعادة ثقة الحزب الديمقراطي تستلزم تغييرات فعلية في سياسات إسرائيل تجاه الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما يبدو صعب التحقيق في ظل الحكومة الحالية.
أما الباحث جون ألترمان، فرجح أن تقتصر التحركات خلال الأشهر المقبلة على إجراءات لاحتواء التدهور، دون تحقيق انفراجة حقيقية في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية قبل مطلع العام المقبل.




