أقيم حفل الدورة الـ78 من جوائز الإيمي في 14 سبتمبر/أيلول 2026، في ليلة احتفت بأبرز الأعمال التلفزيونية ونجومها، وبحضور مجموعة من صناع الدراما والكوميديا والمسلسلات المحدودة والبرامج التلفزيونية. وقدمت الممثلة والمخرجة ماريسكا هارغيتاي الحفل، الذي جمع بين المنافسة على الجوائز والاحتفاء بمحطات بارزة في تاريخ الشاشة الصغيرة، مثل مرور ثلاثين عاما على مسلسل "بافي قاتلة مصاصي الدماء" (Buffy the Vampire Slayer)، وتكريم ممثلات مسلسل "ملائكة تشارلي" (Charlie’s Angels).
تُعد جوائز الإيمي، التي تمنحها أكاديمية التلفزيون وفنون وعلوم التلفزيون، واحدة من أهم الجوائز في صناعة الترفيه، وهي المعادل التلفزيوني لجوائز الأوسكار السينمائية. وتشمل فئاتها الأساسية أفضل مسلسل درامي، وأفضل مسلسل كوميدي، وأفضل مسلسل محدود أو أنثولوجيا، إلى جانب جوائز التمثيل والكتابة والإخراج وبرامج تلفزيون الواقع والمنوعات.
قصص مقترحة
وجاء حفل هذا العام في وقت تواصل فيه صناعة المسلسلات إعادة ترتيب أولوياتها، وسط تغير عادات المشاهدة، وتزايد نفوذ المنصات الرقمية، وتصاعد المنافسة بين الأعمال الجديدة والمسلسلات التي رسخت حضورها في المواسم السابقة. وحملت النتائج عددا من اللحظات اللافتة والأرقام القياسية، وقدمت اختيارات الأكاديمية مادة ثرية للتأمل في طبيعة الأعمال التي تحظى اليوم بالتقدير والاحتفاء.
خطابات متحفظة للغاية سياسيا
جاء حفل الإيمي الـ78 في لحظة لا تتمتع فيها صناعة التلفزيون الأمريكي بالاستقرار، فهوليود تواجه تقليصًا في حجم الإنتاج، وقلقًا متزايدًا من تأثير الذكاء الاصطناعي على وظائف العاملين وحقوقهم، إلى جانب اضطراب سوق المنصات والصراعات المتصلة بصفقات الاستحواذ الكبرى. ومع ذلك، بدا الحفل في معظمه مساحة منفصلة عن هذه الأزمات، ليفضل الفائزون الاحتفاء بالإنجازات الفردية واللحظات العاطفية على الدخول في مواجهة مباشرة مع أسئلة الصناعة والسياسة.
وإن لم يخلُ الحفل تمامًا من الإشارات السياسية أو الاجتماعية، فقد استعانت الممثلة ريا سيهورن، خلال خطاب فوزها عن مسلسل "بلوريبوس" (Pluribus)، باقتباس من الناشطة النسوية التي رحلت منذ أيام قليلة، "غلوريا ستاينم"، قائلة لزميلاتها إنهن مترابطات ولسن في منافسة. كما استخدمت سالي فيلد لحظة فوزها لتوجيه انتقاد سياسي للرئيس الأميركي دونالد ترامب. لكن هذه المواقف بدت استثناءات محدودة داخل ليلة غلب عليها خطاب عام عن "الأوقات الصعبة"، من دون تحديد واضح لطبيعة هذه الصعوبات أو الجهات المسؤولة عنها.
هذه اللغة العامة تمنح خطابات الفائزين قدرًا من الأمان، وتسمح بالتعبير عن القلق دون اصطدام مباشر بالمؤسسات أو الشركات أو السياسات التي تشكل واقع الصناعة، ولا تسبب أي إثارة للجدل عند اقتطاعها ووضعها على منصات التواصل الاجتماعي، كما هو متوقع في الوقت الحالي.
تكمن المفارقة في أن الإيمي احتفت بأعمال تتناول الخوف والإنهاك والأزمات المؤسسية، بينما بدت خطابات الحفل نفسها أكثر تحفظًا من الأعمال التي يتم تكريمها. فالمسلسلات تشخص أمراض عالمنا المضطرب، بينما يكتفي صناع هذه المسلسلات غالبًا بالإشارة إلى "الأوقات الصعبة" من دون تسمية الأزمات.
"ذا بيت" يفوز ويمثل أزمة الرعاية الصحية العالمية
حصل مسلسل "ذا بيت" الطبي على نصيب الأسد من الترشيحات، وفاز بعدة جوائز. وقد يبدو المسلسل للوهلة الأولى عملًا طبيًا تقليديًا، مثل "غرفة الطوارئ" (ER) أو "جرايز أناتومي" (Grey’s Anatomy)، وهما من الأعمال التي تقدم الأطباء أبطالًا يعانون في حياتهم الشخصية، ولكن لديهم القدرة على إنقاذ المرضى. إلا أن "ذا بيت" يبتعد عن هذه الصورة المريحة، ويضع شخصياته في قلب مؤسسة صحية تعاني ضغطًا مستمرًا ونقصًا في الموارد، ومن هنا تأتي أهميته السياسية، رغم أنه لا يتحدث عن السياسة بصورة مباشرة.
فاز المسلسل بجائزة أفضل مسلسل درامي هذا العام، إلى جانب فوز نوح وايلي للعام الثاني على التوالي بجائزة أفضل ممثل في دور رئيسي، ما يكشف تقدير الأكاديمية للمسلسل الذي ينتقل بسلاسة بين الاهتمام بالبطل الفرد والمنظومة التي يعمل داخلها. فالأطباء والممرضون والمرضى والإدارة ليسوا شخصيات منفصلة عن السياق.
الأزمة الصحية التي ينتقدها المسلسل ليست محصورة في الولايات المتحدة، بل تعيشها القطاعات الصحية في العديد من الدول حول العالم، حيث يتقاطع الضغط الاقتصادي مع نقص العاملين وارتفاع أعداد المرضى، وتراجع القدرة على تقديم الخدمة بالكفاءة المطلوبة. وفي عالم تتسع فيه الفجوة بين الاحتياجات الصحية والموارد المتاحة، يصبح المستشفى مساحة سياسية بامتياز.
تكمن قوة المسلسل في ابتعاده التام عن الخطب السياسية أو الشعارات، فالأحداث منغمسة تمامًا في تفاصيل العمل اليومية، خصوصًا القرارات الأخلاقية التي يتخذها العاملون تحت ضغط الوقت أو نقص الموارد. ولذلك، فإن فوز "ذا بيت" يمثل انتصارًا للدراما الطبية المختلفة، وكذلك لقدرة التلفزيون على تناول السياسة من خلال المؤسسات التي تمس حياة البشر مباشرة.
نساء يقُدن الحكايات.. من "بلوريبوس" إلى "هاكس"
تكشف جوائز الإيمي هذا العام عن حضور متزايد للمسلسلات التي تقودها شخصيات نسائية، وتضع تجارب النساء المختلفة في المركز. ويبرز هذا الاتجاه في "بلوريبوس"، الذي فازت عنه سيهورن بجائزة أفضل ممثلة رئيسية في مسلسل درامي، إلى جانب استمرار نجاح "هاكس"، الذي منح جين سمارت خامس جائزة إيمي عن دور رئيسي.
ترتبط أهمية هذا الحضور بنوعية الشخصيات التي تحتفي بها الجائزة؛ فهي ليست شخصيات نسائية نموذجية. ففي "بلوريبوس"، بطلتنا شخصية تتحرك داخل عالم مضطرب، وتواجه أسئلة تتعلق بالفردانية والاختيار والسيطرة والعلاقة بالآخرين، بالدرجة نفسها. أما في "هاكس"، فنجد بطلتنا امرأة أكبر سنًا، معقدة ومتناقضة، تملك الطموح والسلطة، ولا يختزلها الدور في عمرها أو في الصورة التقليدية للمرأة التي يُفترض منها الانسحاب من المجال العام مع التقدم في العمر.
هذا التحول لا يعني بالضرورة أن الصناعة أصبحت أكثر عدلًا تجاه النساء، فلا تزال هناك مسافة واضحة بين الاحتفاء بعدد محدود من البطلات وإتاحة أدوار متنوعة للنساء من مختلف الأعمار والخلفيات.


