نادرًا ما تكون زيارات الرؤساء مجرد فعاليات بروتوكولية تحكمها صور المصافحة وبيانات الترحيب التقليدية. فهناك زيارات عابرة تنتهي بانتهاء فعاليتها، وهناك أخرى تعيد طرح أسئلة كبرى حول موازين القوى، وتوازنات الاقتصاد، وطبيعة المصالح في عالم تتسارع تحولاته. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تستحق الزيارة الرئاسية الصينية إلى القاهرة قراءة تتجاوز جدول الأعمال المعلن إلى ما وراء السطور.
بكين لا تنظر إلى مصر بوصفها مجرد سوق استهلاكي ضخم، والقاهرة لا ترى في الصين مجرد ممول آت من الشرق. الأمر أعمق بكثير؛ إنه تقاطع مصالح بين دولتين تشغل كل منهما موقعًا جغرافيًا وسياسيًا يفرض نفسه على معادلات الإقليم والعالم.
الجغرافيا وحدها لا تكفي
حين تلتفت الصين إلى مصر، فإنها ترى خريطة متكاملة: قناة السويس، البحر الأحمر، المتوسط، والبوابة الإفريقية. بالنسبة لقوة تجارية كبرى تسعى لتأمين طرق سلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا، تصبح الجغرافيا المصرية نوعًا من رأس المال السياسي والاستراتيجي.
لكن الأهم هنا ليس حجم الاستثمارات المعززة في الاتفاقيات، بل قدرة هذه الشراكة على إعادة تعريف دور مصر في الاقتصاد الدولي. السؤال الذي يفرض نفسه بقوة ليس: ماذا ستقدم الاستثمارات الصينية لمصر؟ بل: ماذا ستبقى على الأرض بعد رحيل هذه الاستثمارات؟ هل ستولد صناعة محلية حقيقية، أم ستقتصر العلاقة على كون مصر محطة عبور ومستهلكًا للمنتج الجاهز؟
يمثل قطاع قناة السويس ورقة الرابح الأكبر في هذه المعادلة. في عالم باتت فيه طرق التجارة قضية أمن قومي، لم تعد القناة مجرد مجرى مائي لتحصيل رسوم العبور.
المطلوب إذن هو تحويل هذا الشريط المائي إلى قلب منظومة اقتصادية متكاملة تضم موانئ، ومناطق لوجستية، وصناعات تخزينية، وإعادة تصدير. إذا نجحت القاهرة في بناء هذه المنظومة، فلن تعدم الوسيلة لتتحول من دولة يمر عبرها العالم إلى دولة تستفيد من حركة التجارة وتصنع جزءًا منها.
يثير أي تقارب مصري صيني تساؤلات تقليدية حول مدى تأثيره على علاقة مصر التاريخية بالولايات المتحدة. والواقع أن قواعد اللعبة الدولية اليوم لم تعد تحتمل القسمة على اثنين. فالعالم يتجه نحو تعددية قطبية واضحة؛ الصين عملاق تجاري واقتصادي، والولايات المتحدة قوة مالية وتكنولوجية، وأوروبا كتلة لا غنى عنها، بينما تصعد قوى أخرى على المسرح الدولي.
في هذا المشهد، تمتلك الدول التي تعرف كيف تنوع شراكاتها القدر الأكبر من المناعة الاقتصادية والسياسية. مصر ليست مطالبة باختيار معسكر ضد آخر، بل بإدارة علاقاتها بمنطق المصالح البحتة. وتحقيق هذا الهدف يبدأ بوضوح الأجندة الوطنية: ما تحتاجه مصر حقًا هو التكنولوجيا، توطين الصناعة، زيادة الصادرات، ومشاريع تولد قيمة مضافة مستدامة.
خلاصة القول: التجربة الصينية نفسها قامت على عقود من الانضباط الإنتاجي والاستثمار في رأس المال البشري والبنية الأساسية، قبل أن تنتقل إلى مرحلة الابتكار. والدرس المستفاد ليس في استيراد النموذج الصيني بحذافيره، بل في استيعاب فلسفته: كيف نحول الموقع إلى قوة، والشراكة إلى إنتاج، والمفاوضات إلى استثمارات تترك أثرًا طويل المدى.
الزيارة فرصة، لكن التاريخ لا يُصنع بالفرص وحدها، بل بالقدرة على إدارتها.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع


