تابعت باهتمام شديد أرقامًا وإحصاءات رسمية عن قيمة التمويل الاستهلاكى فى مصر، والتى قُدِّرت فى عام 2024 بمبلغ 61.3 مليار جنيه، وقفزت فى عام 2025 إلى مبلغ 96.3 مليار جنيه، وخلال خمسة شهور فقط من العام الجارى ارتفع الرقم إلى مبلغ 50 مليار جنيه، بمعدل نمو بلغت نسبته 74.5 ٪ عن الفترة نفسها من العام الماضي.
لكن الأهم هنا هو عدد المستفيدين من التمويل الاستهلاكي، والذى وصل إلى ما يقرب من 11 مليون مواطن مصري.
وبقراءة الأرقام التى توضح مصارف التمويل، سنجد أن السيارات والمركبات تحتل المرتبة الأولى بحصة تبلغ نحو 23.8 ٪ من إجمالى قيمة التمويل الممنوح. أما الإلكترونيات والأجهزة الذكية فتأتى فى المرتبة الثانية بحصة تتراوح بين 16 ٪ و21 ٪، وتشمل الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر المحمول «اللاب توب» والشاشات الرقمية.
أما المشتريات عبر «كارت التمويل» فتستحوذ على نحو 13 ٪ إلى 14 ٪، وتتمثل فى السلع الاستهلاكية السريعة أو المشتريات التراكمية بفاتورة واحدة من السلاسل التجارية الكبري.
وجاءت الأجهزة المنزلية والكهربائية لتشكل نحو 9 ٪ إلى 13.5 ٪، مثل الثلاجات والغسالات وأجهزة التكييف وتجهيزات المنازل للزواج.
وبلغت نسبة المستلزمات والخدمات الشخصية نحو 3.2 ٪ إلى 4 ٪، وتشمل الملابس والأحذية والساعات والنظارات.
وهناك سلع وخدمات جديدة دخلت مظلة التقسيط؛ فلم يعد التمويل الاستهلاكى مقتصرًا على السلع المعمرة فقط، بل امتد ليشمل قطاعات خدمية ويومية حيوية، تزامنًا مع توسع التطبيقات الذكية، مثل التشطيبات والتجهيزات المنزلية، كتمويل مواد البناء والدهانات والديكورات الداخلية، والخدمات التعليمية، كتقسيط المصروفات المدرسية والجامعية والدورات التدريبية، وكذلك الخدمات الطبية، كتمويل العمليات الجراحية وتكاليف العلاج ومستحضرات التجميل.
وامتد أيضًا إلى السياحة والسفر، مثل حجز تذاكر الطيران والفنادق والرحلات الترفيهية، واشتراكات الأندية، كتمويل قيمة العضويات الجديدة أو تجديد الاشتراكات السنوية فى الأندية الرياضية.
هذه قراءة سريعة لقصة التمويل الاستهلاكي، وتعكس بجلاء نزعة طفرية إلى الاستهلاك، حتى فى الأمور غير الضرورية، مثل شراء تليفون محمول أو نظارة شمس أو حجز رحلات طيران للسياحة… ألخ.
وهناك، بالطبع، بنود ضرورية جدًا، كالتعليم والعلاج وشراء سيارة مثلاً، أما سبب القلق فهو تحوُّل المجتمع إلى مجتمع استهلاكي، حتى فى البنود غير الضرورية.
وقديماً سمعنا أمثالاً معبِّرة عن الاكتفاء بما تملكه، وعدم الحاجة إلى التوسع فيما لا تملكه: «على قد لحافك مد رجليك»، و«اللى معهوش ميلزموش».
وهناك آيات قرآنية أكثر وضوحًا:
(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).
(لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ* وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ* لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا).
(وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا).
(وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا).
وفى الشعر والحكمة، من أجمل ما قيل قول الإمام الشافعي:
رأيتُ القناعةَ رأسَ الغِني
فصرتُ بأذيالِها متمسِّكْ
ومن الأبيات الشهيرة المنسوبة إليه:
إذا ما كنتَ ذا قلبٍ قنوعٍ
فأنتَ ومالكُ الدنيا سواءُ
«من أنفق فوق طاقته، عاش دون راحته»


