على احد القنوات المغمورة، أستعدت رؤية فيلم وثائقى بعنوان «الطير الأخضر» كنت قد رأيته منذ سنوات فى احد المهرجانات السينمائية المصرية، ولم استغرب عرضه الآن وهو من إنتاج عام 2002، فالموضوع هو هو، وما سجلته كاتبته ومخرجته «ليانا بدر» وقتها يعاد الآن فى الواقع بحذافيره كما نقرأ ونسمع يوميا عن جرائم المستوطنين فى حق أبناء البلد فى الضفة الغربية بفلسطين، وكيف وصلت الأمور إلى حظر أى شيء يقوم به رجل أو امرأة أو حتى طفل فلسطينى فى بيته وحوله لأن الغزاة او السارقون، يريدون الاستيلاء على كل ما تبقى من الأرض «الفلسطينية»، وأعلنوا هذا صراحة فى بيان للحكومة الإسرائيلية بإنشاء عدد ضخم من المستعمرات الجديدة على الأراضى التى يقيم بها أصحابها الأصليون، وهو ما تسبب فى حملة هجوم ورفض واسعة من دول كثيرة فى العالم ومن الاتحاد الأوروبي، التاريخ إذن يعيد نفسه، وما حدث فى عدوان 2001، يعاد الان فى 2026، وبنفس الطريقة، ليأتى هذا الفيلم ويقدم لنا ما يحدث من خلال أصوات الأطفال، التى تضيع عادة وسط اصوات الكبار، ولكن المخرجة والكاتبة ليانا بدر التى تعرف الكثير عن بلدها أدركت تماما ان توثيق ما حدث وقتها مهم، وربما اعتقدت انه توثيق للتاريخ ولم تتصور انها سجلت ووثقت ما سيتكرر بعد سنوات، وبعد ربع قرن سيتحول العدوان إلى رغبة فى تطهير كل الأراضى الفلسطينية من أبنائها الأصليين فى واحدة من أكثر قصص العدوان شراسة فى التاريخ.
جبل الطويلة.. أصبح بيساجور
يتحدثون كالكبار برغم طفولتهم، ويصفون أوضاعهم بفصاحة، وبدقة، وبلاغة يفتقدها الكبار، انهم الطيور الخضراء الفلسطينية أبناء وبنات مدينة رام الله وما حولها من مناطق ذهبت اليها كاميرات المخرجة وفريقها، وتركتهم يتحدثون فإذا بهم يرصدون ما لا يحصى ولا يقدر عليه غيرهم من تفاصيل وحكايات تصنع لنا لوحة لأرض الواقع الذى يعيشونه ليصل إلينا ما لا نعرفه عن «الطريقة الإسرائيلية» فى إفزاع البشر وحصارهم شيئاً فشيئاً، ولأنهم لم يفزعوا، ولم يعودوا يخافون من جنود الاحتلال ودباباتهم، ولم يفروا من مدينتهم، أعلنت إسرائيل الحرب عليهم، وقررت طردهم، وهو ما سجلته الكاميرا تحت القصف، ووسط القذائف، مع مجموعة الصغار «الذين لم يعودوا صغارا من خلال كلماتهم هنا» كما أدركت، وأدرك غيرى من المشاهدين وأنا أسمع كلمات هلا، وماريان، وجمال، ومأمون، وتامر، وحلا، وعائشة وشادى وغيرهم أبطال هذا الفيلم الذين لابد ان نلاحظ كم كبروا وهم يحكون عن أحلامهم التى حرمهم منها الإسرائيليون، بعد ان نزعوا اسم منطقتهم «جبل الطويلة» واسموها مستعمرة «بيساجور» وحولوها مقراً لأشتات اليهود، الذين أصبحوا جيرانهم الجدد الكارهين لهم، والساعين إلى تطفيشهم تماماً، وباستخدام كل الوسائل، يحكى الطفل جمال عن ملعب كرة القدم الذين حرموا من اللعب فيه بعد ان طالتهم القذائف النارية ذات يوم، فانبطحوا على الأرض وبعد نصف ساعة قاموا من جديد للعب الكرة فعادت القدائف من الجيران الجدد، وطالت زميلا لهم، ومات، ولم يعودوا للملعب الذى هدم، واصبحوا يلعبون بالرمل والزلط وأى شيء فى أرض صعبة وشوارع مهدمة أصبحت بمثابة علقة يومية لهم من جنود الاحتلال الذين يتحرشون بالناس، ويطلبون أوراقهم للسماح لهم بعبور هذا الشارع أو هذه الناصية كما تقول الصغيرة هلا «صرنا نمر كل يوم بين حواجز جديدة».
اللعب مع الدبابات
فتحت عينى صباح أحد الأيام فوجدت جنود الجيش الإسرائيلى فى بيتنا «كلمات لهلا تكمل ما حدث فى الماضي، ويحدث الآن، ويمضى الفيلم باعترافات أبطاله، وحيث تكمل الصغيرة هذه المفاجأة الصعبة» كان الجنود يفتشون كل شيء فى البيت، وكان الزمن هو خريف العام الماضى الذى تعرضت فيه مدينة رام الله للاحتلال، بينما طلبت الشقيقة الأصغر من الام ارتداء الملابس السوداء ولما سألتها عن السبب كان رد الصغيرة هو «عشان لما ييجى علينا اليهود فى الليل ما يشوفوناش»، وبعدها سمع الاطفال والآباء والامهات صوت الدبابات تقتحم المدينة وتخبرهم فى الميكروفونات بانه؛ ممنوع التجول!، وحين يخرج بعضهم، تنطلق الرصاصات من الدبابات على من يجدونه فى الشارع «وعندما تختفى الدبابة، نعود مرة ثانية للخروج، تماما، مثل «القط والفأر». ليأخذنا الفيلم بعدها الى ملامح أخرى لحياة قاسية، وعقوبات جماعية ليس لها مثيل على أطفال وعائلاتهم لسبب واحد فقط هو إجبارهم على النزوح من بيوتهم ومدينتهم ليحل محلهم القادمون لاستعمار البلد بأكملها، ولهذا لم يعد الأطفال يذهبون لملعب المدينة الذى بنته مؤسسة فلسطينية وأصبح مقراً لمحبى كرة القدم قبل ان يهدم ويمنع الاطفال والشباب من اللعب فيه أصلا، وقصص اخرى يقدمها الفيلم اهمها رصده لنماذج مختلفة من الأولاد والبنات وإبرازه لطبيعة الشخصية القوية التى يتميز بها أطفال فلسطين من خلال ما يعايشونه من تجارب صعبة دون غيرهم من أطفال العالم، ولتتحول أى مناسبة تمر عليهم الى عقاب من سلطة الاحتلال كما حدث ذات يوم حين صنعوا طائرات ورقية للرد على احتفال الإسرائيليين بعيد الاستقلال، فكان الرد هو منع الطائرات الورقية فورا، لأنها كدرت احتفالهم بطائرات ورقية مرسوم عليها علم فلسطين! واعترافات أخرى لأطفال أصغر سنا يقدمها هذا الفيلم المهم والرائع والذى يوثق التاريخ من ناحيتان، تاريخ الانسان، وتاريخ العدوان، لينتهى بالطيور الخضراء، أبطاله، وهى تتجمع وتحيط بواحد منهم تعلم جيدا كيف يصنع الطائرات الورقية، وكيف يعلم غيره صنعها من الورق على شكل العلم الفلسطيني، ويرتفع العلم الفلسطينى الطائر وقد اضاف إليه صانعه كثيرا من الزخارف الجميلة فى إضافة فنية مدهشة، وليصبح هذا العلم المرفرف فى السماء هو الصورة الأخيرة لهذا الفيلم الوثائقى البديع، والقاسى فى نفس الوقت، والذى يحتفى بالحياة وبأطفال رائعون لن تنكسر إرادتهم برغم كل مظاهر الحرب والموت. وهو ما يدفعنى للمطالبة بعرض الفيلم وغيره من الافلام الوثائقية على قنواتنا التليفزيونية لصدقه وأهميته فى التعبير عن قضية من اهم القضايا التى دافعت عنها مصر منذ بدايتها، ولا زالت.



