سياسة جريدة الجمهورية

الصبر مفتاح الفرج

عندما تتحول الدعوة إلى الصبر والجلد فى مواجهة التحديات إلى تهمة، فهذا أمر يحتاج إلى انتباه، لم تكن الدعوة موجهة إلى الشعب المصرى فهذا أمر يفتقر إلى الكياسة السياسية لسبب بسيط هو أن الشعب المصرى صبور وصبره موضع احترام وتقدير من القيادة السياسية ومبعث دهشة واستغراب الكثيرين الذين لا يعرفون معدن المصري...

الصبر مفتاح الفرج
3 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر
عندما تتحول الدعوة إلى الصبر والجلد فى مواجهة التحديات إلى تهمة، فهذا أمر يحتاج إلى انتباه، لم تكن الدعوة موجهة إلى الشعب المصرى فهذا أمر يفتقر إلى الكياسة السياسية لسبب بسيط هو أن الشعب المصرى صبور وصبره موضع احترام وتقدير من القيادة السياسية ومبعث دهشة واستغراب الكثيرين الذين لا يعرفون معدن المصريين النفيس، لكن مناسبة الدعوة جاءت فى سياق حديثى عن التجربة الصينية، وقلت ما نصه «لكل دولة سر تدور حوله الأمة وجودا وعدما، فبريطانيا يكمن سرها فى الملك او الملكية واليابان يتمحور بقاؤها على «الإمبراطور» وفى خضم الحرب العالمية ونتائجها الكارثية على اليابان كان خطاب الاستسلام يركز على حتمية بقاء الإمبراطور لأنه سر بقاء الأمة اليابانية، وفى الهند يكمن السر فى «التنوع» بينما تأتى الحرية لتكون سر أمريكا الكبير، فى مصر كان النيل هو السر المقدس وفى الصين التى تعرضت لمآس تاريخيّة حيث الاستعمار البريطانى والفرنسى واليابانى الذى حاول كسر هيبة الحضارة الصينية، لكنه تحطم على صخرة «الصبر الإستراتيجي» فقد صبر الصينيون على كل صنوف الأزمات والمشاكل والتحديات، وقد تحول صبرهم إلى ما يشبه الأسطورة، قلت هذا ورددته وإذ بى أواجه بسيل من السخرية والغمز واللمز وصناعة التعليقات المولدة بالذكاء الاصطناعى والتى ترى أن حديثى عن الصبر واعتباره سر نجاح الصين هو جريمة تستحق الشنق فى ميدان عام، وكأننى تزندقت وكفرت وخرجت من الملة لأننى أدعو الأمة المصرية إلى الاقتداء بالأمة الصينية فى الصبر حتى ولو لم أفعل ذلك صراحة، فيكفى أننى لمحت وأشرت إلى ذلك بشكل غير مباشر وهذا يكفى من وجهة نظر هؤلاء السطحيين لاستباحة الهجوم الضارى على شخصي! هناك تعبير صينى شهير «تشى كُو» ومعناه الحرفي: «يأكل المرارة» أو «يتذوق المرّ»، الصينيون يسمونها أكل المرارة؛ أن تتحمل مرارة الطريق انتظارًا لحلاوة النهاية. ونحن فى ثقافتنا لا نسميها أكل المرارة، بل نسميها الصبر؛ والقرآن لم يجعل الصبر مجرد فضيلة أخلاقية، بل جعله شرطًا للمعية الإلهية، وطريقًا للقيادة: (وجعلنا منهم أئمةً يهدون بأمرنا لما صبروا) فالأمم الكبرى لا تُبنى بالنَّفَس القصير، وإنما بالصبر الطويل، وفى القرآن الكريم ( إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) وهنا الجزاء بلا حدّ ولا مقدار، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) فالصبر هنا أداة للاستعانة ومواجهة الشدائد (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) تعبير «عزم الأمور» مهم جدًا؛ فالصبر قرار الأقوياء لا حيلة الضعفاء (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) والأقوى فى موضوع بناء الأمم والقيادة: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)، لا سامح الله من شوه فضيلة الصبر ووضعها فى منابذة سياسية حقيرة.. لذلك سأصبر عليهم وما صبرى إلا بالله عليه توكلت وهو رب العرش العظيم .

مقالات ذات صلة