سياسة جريدة الجمهورية

رجال ومواقف..!!

قال الله تعالى: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ»، وقال الأديب الفرنسى فيكتور هوجو: «كل النساء يلدن الذكور، أما الرجال فتلدهم المواقف». ولعل الحياة كلها ليست سوى سلسلة من المواقف؛ بعضها يمر عابرًا كالسحاب، وبعضها يترك فى الروح أثرًا لا يمحوه الزمن. ومن حسن حظى أنن...

رجال ومواقف..!!
14 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

قال الله تعالى: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ»، وقال الأديب الفرنسى فيكتور هوجو: «كل النساء يلدن الذكور، أما الرجال فتلدهم المواقف». ولعل الحياة كلها ليست سوى سلسلة من المواقف؛ بعضها يمر عابرًا كالسحاب، وبعضها يترك فى الروح أثرًا لا يمحوه الزمن. ومن حسن حظى أننى عرفت فى رحلتى رجالًا لم يكونوا مجرد أسماء لامعة فى عالم الصحافة، بل كانوا مدارس قائمة بذاتها، تعلمت منها ما لم أتعلمه فى الكتب والجامعات.

كان أول هؤلاء الرجال الأستاذ الكبير جلال الدين الحمامصي؛ ذلك العقل الهندسى الذى دخل الصحافة فغيّر كثيرًا من أدواتها وأساليبها. لم ينظر إلى الجريدة باعتبارها أوراقًا مطبوعة فحسب، بل تعامل معها كما يتعامل المهندس مع مشروعه؛ دقة فى البناء، وانضباط فى التكوين، وحسن توزيع للمساحات. ويُحسب له أنه طوّر شكل الصفحة الصحفية المصرية وجعلها ثمانية أعمدة بدلًا من سبعة، فى خطوة سبقت كثيرًا من التقاليد المهنية السائدة آنذاك. كنت ما أزال طالبًا فى كلية الإعلام بجامعة القاهرة حين جلست إلى هذا الأستاذ الفذ، فتعلمت منه أن الصحافة ليست مهنة للكسب، بل رسالة للبحث عن الحقيقة. كان يؤمن باستقلال الرأي، ويحترم عقل القارئ، ويرى أن الصحفى الحقيقى لا يسير فى ظل أحد، بل يسير فى ضوء ضميره. ومن مدرسته تخرجت أجيال ما زالت حتى اليوم تشغل مواقع مؤثرة فى الصحافة والإعلام داخل مصر وخارجها.

ثم جاء الأستاذ محسن محمد، الرجل الذى فتح لى باب جريدة الجمهورية بعد تخرجى عام 1976، دون توصية أو وساطة. كان يرفض الواسطة كما يرفض الخطأ المهني، ويؤمن أن الكفاءة وحدها هى جواز المرور الحقيقي. تعلمت منه أن العاطفة قد تكون جميلة فى العلاقات الإنسانية، لكنها لا ينبغى أن تحكم العمل. وكان نموذجًا لرئيس التحرير القادر على تحويل الأفكار إلى إنجازات. تسلم جريدة محدودة الانتشار، ثم أطلق فيها ثورة مهنية حقيقية؛ وسّع دائرة الاهتمام بقضايا الاقتصاد والخدمات، واقترب من المواطن البسيط، فارتفع التوزيع حتى اقترب من المليون نسخة. كان يرى نبض الشارع قبل أن تلتقطه استطلاعات الرأي، ولذلك سبق عصره فى كثير من الأفكار.

وعندما تولى الأستاذ محفوظ الأنصارى قيادة الجمهورية، حافظ على ما تحقق من نجاحات، وأضاف إليها هدوءًا ورصانةً واستقرارًا. كان واسع الاهتمام بالشأنين السياسى المحلى والدولي، صاحب رؤية متزنة وقراءة عميقة للأحداث. وفى عهده تدرجت فى المواقع المهنية؛ من رئيس لقسم الأخبار إلى نائب لرئيس التحرير. ثم شاءت الأقدار- بعد أن ترك محفوظ الأنصارى وسمير رجب منصبيهما- أن أُكلَّف من مجلس الشورى لرئاسة تحرير كتاب الجمهورية، فخضت تجربة صعبة استطعت خلالها تحويل الخسارة إلى ربح، ورفع التوزيع إلى أكثر من خمسة آلاف نسخة للعدد الواحد، قبل أن أنتقل إلى رئاسة مجلس إدارة مؤسسة دار التحرير للطبع والنشر«الجمهورية».

أما الكاتب الصحفى الكبير الأستاذ سمير رجب فكان حالة خاصة. امتلك قدرة نادرة على اكتشاف الطاقات الشابة ومنحها الفرصة. ورغم حداثة سنى آنذاك، أتاح لى الجلوس إلى رؤساء الوزراء والوزراء، لأتعلم من قلب الحدث لا من هامشه. ويكفيه فخرًا أنه قاد جريدة المساء إلى مكانة غير مسبوقة، حتى أصبحت أكثر الصحف المسائية انتشارًا فى الشرق الأوسط. كما ارتبط اسمه بإنشاء المبنى الجديد لدار التحرير، ذلك المبنى الذى صُمم على هيئة كتاب مفتوح، وكأنه رسالة معمارية تؤكد أن الثقافة والمعرفة هما جوهر الصحافة ورسالتها الكبرى.

وفى أروقة دار التحرير كنت أستحضر دائمًا اسم الرئيس الراحل أنور السادات، الذى كان أول مدير عام ورئيس مجلس إدارة لمؤسسة دار التحرير قبل أن يصبح رئيسًا للجمهورية والذى جلست على مكتبه بعد أن اكتشفت أنه ملقى بين كراكيب مهملة بالمخازن. ومن الوقائع اللافتة فى تاريخ الصحافة المصرية أنه قدم عام 1953 ضمانة شخصية قدرها ثلاثمائة جنيه حتى تحصل جريدة الجمهورية على ترخيص الصدور، فى موقف يكشف حجم الإيمان الذى كان يحمله بمشروعها الوطنى والإعلامى.

ولا يمكن أن أنسى الأستاذ كامل زهيرى، شيخ الصحفيين ونقيب النقباء. كان قلمه يجمع بين الرصانة والجرأة، وبين الحكمة والبساطة. يكتب العمود الصحفى كما يكتب المعلم وصيته لتلاميذه. لم يكن مجرد صحفى بارز، بل كان ضميرًا مهنيًا حاضرًا فى كل معركة تخص حرية الصحافة وكرامة الصحفيين.

ويبقى الأستاذ إبراهيم نافع واحدًا من أبرز الرجال الذين عرفتهم عن قرب. وقد شغل منصب نقيب الصحفيين أكثر من دورة، وعملت معه أمينًا عامًا لنقابة الصحفيين، وشهدت كيف خاض معارك قاسية ودافع باستماتة عن حرية الصحافة والرأى والتعبير. وللتاريخ أقول إنه كان من أبرز الذين تصدوا للقانون رقم 93 لسنة 1995، الذى عرف بين الصحفيين بقانون اغتيال الصحافة، حتى نجح هو والمجلس 39 فى إسقاط هذا القانون المشبوه واستُبدل بتشريع آخر بعد معركة نقابية طويلة. لم يكن ذلك موقفًا سهلًا، فقد كاد يدفع ثمنه من موقعه المهنى الرفيع فى مؤسسة الأهرام، لكنه اختار الانحياز للمهنة رغم أن معظم رؤساء تحرير الصحف القومية وقتها كانوا مع القانون المشئوم. وحين توليت رئاسة مجلس إدارة دار التحرير، كان من أوائل الذين حرصت على تكريمهم، وفاءً لدورهم وإيمانًا بحق الأجيال الجديدة فى معرفة أقدار الرجال الذين دافعوا عن حريتها.

كما شرفت بتكريم الأستاذ مكرم محمد أحمد، النقيب المقاتل، وصاحب الشخصية الواضحة التى لا تعرف الأقنعة ولم يكن بوجهين، تقديرا لجهوده المثمرة والدءوبة فى الدفاع عن حرية الصحافة وتحسين أحوال الصحفيين، وقد عملنا معًا سنوات طويلة، فرأيته حريصًا على أن تبقى نقابة الصحفيين بيتًا جامعًا لكل أبنائها. كان يكره النفاق، ويقول ما يؤمن به دون مواربة، ولا يخشى فى الحق لومة لائم. دافع عن حقوق الصحفيين المهنية والمادية، وتمسك باستقلال النقابة، وظل حتى آخر أيامه حاضرًا فى كل قضية تخص المهنة وأهلها، وإن كنت آخذ عليه تفريطه فى ضم النادى النهرى للصحفيين إلى النقابة.

هؤلاء وغيرهم كثيرون مروا فى حياتي، فتركوا فيها بصمات لا تمحوها السنوات. بعضهم رحل إلى جوار ربه، وبعضهم ما زال أثره حيًا فى تلاميذه وأعماله ومواقفه. وقد تعلمت من تجربتى أن المناصب تزول، والألقاب تتغير، أما المواقف فتبقي؛ لأنها العملة الوحيدة التى لا تفقد قيمتها مع الزمن. فالرجال لا يُقاسون بما جلسوا عليه من مقاعد، بل بما تركوه من أثر، وما قدموه من قدوة، وما ثبتوا عليه من مبادئ عندما اشتدت الرياح واختلطت الأصوات.

رحم الله من رحل منهم، وبارك فى أعمار من بقي، وجزاهم عن المهنة وأهلها خير الجزاء، فقد كانوا رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وصدقوا كذلك ما عاهدوا عليه ضمائرهم وأوطانهم.

مقالات ذات صلة