ثمة سؤال يبدو بسيطًا، لكنه كلما تأملناه اكتشفنا أنه يفتح بابًا على تاريخ طويل من الأفكار التي نمارسها أكثر مما نفكر فيها، لماذا تستطيع امرأة واحدة، في المخيلة الاجتماعية، أن "تشرف" عائلة كاملة أو "تسيء إلى سمعتها" كاملة؟ ولماذا لا يُطلب من الرجل بالدرجة نفسها أن يحمل على كتفيه هذا العبء الجماعي؟ نحن لا نتحدث هنا عن الأخلاق، فالأخلاق مسؤولية الرجل والمرأة معًا، ولا عن حق الأسرة في النصح والقلق على أبنائها وبناتها، وإنما عن شيء أدق، ذلك الخيط الخفي الذي يجعل سلوك المرأة، وأحيانًا مجرد الكلام عنها، شأنًا عائليًا عامًا، بينما يظل كثير من سلوك الرجل محسوبًا عليه وحده.
وربما لهذا نقول كثيرًا إننا "نحترم المرأة"، بينما السؤال الأصعب هو، أي امرأة نحترم؟ هل نحترمها لأنها إنسان كامل الكرامة، أم نحترم النسخة التي توافق شروطنا عنها؟ البنت الهادئة، الزوجة التي تحتمل، الأم التي تضحي، الموظفة الناجحة بشرط ألا تبدو "أقوى من اللازم"، والمطلقة بشرط ألا تبدأ حياتها سريعًا، والفتاة التي تستطيع أن تكون حرة ولكن في الحدود التي نرسمها نحن للحرية، هنا يصبح الاحترام عقدًا مليئًا بالبنود الصغيرة، وحين تخالف المرأة أحدها لا نقول فقط إنها أخطأت؛ بل قد نتصرف وكأنها فقدت شيئًا من استحقاقها للاحترام نفسه.
وتظهر المفارقة بوضوح في المعايير المزدوجة، تصرف واحد قد نصف صاحبه من الرجال بأنه جريء، ونصف صاحبته بأنها مستهترة، الحزم قد يصبح عند الرجل "شخصية قوية"، وعند المرأة "حدة"، الاستقلال قد يُحسب له نضجًا، ويُسأل عندها إن كان قد جعلها "صعبة"، حتى الخطأ لا نوزعه بالتساوي، خطأ الابن قد يكون "طيش شباب"، أما خطأ البنت فقد يتحول إلى اجتماع عائلي طارئ يناقش "كلام الناس"، ومن هنا تبدأ التربية مبكرًا جدًا؛ لا تحتاج طفلة إلى قراءة كتاب في علم الاجتماع لتعرف أن هناك شيئًا مختلفًا مطلوبًا منها، يكفي أن تسمع عشرات المرات: "أنتِ بنت"، لا بوصفها حقيقة بيولوجية وإنما بوصفها لائحة تعليمات.
هذه الفكرة ليست جديدة، ولا هي حكر على بيت أو طبقة أو بلد، دراسات أنثروبولوجية واجتماعية عن مجتمعات عربية ومتوسطية ناقشت منذ عقود الصلة بين مفهوم "شرف الأسرة" وبين سمعة النساء وسلوكهن، بل لاحظت كيف أصبحت رقابة الجسد الأنثوي في بعض البنى الاجتماعية وسيلة لحفظ المكانة الجماعية، وفي دراستها التاريخية عن النساء والشرف والدولة في مصر، تتتبع المؤرخة بيث بارون كيف تداخل مفهوم شرف الأسرة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين مع بناء الدولة والخطاب الوطني، حتى أصبح جسد المرأة وسلوكها جزءًا من لغة أوسع عن العائلة والهوية والمجتمع، وهي مفارقة تاريخية لافتة؛ فالمرأة يمكن أن تصبح رمزًا للأمة والأسرة، بينما تظل حريتها الشخصية أضيق من الرمزية الهائلة التي وُضعت فوق كتفيها.
لكن أكثر ما يستحق التأمل أن الخلط بين الدين والعرف في هذه المسألة قد ينتج نتيجة معاكسة تمامًا لما تقوله النصوص الدينية نفسها، حادثة الإفك، وهي من أشهر الوقائع في التاريخ الإسلامي، لم تجعل الاتهام حقيقة لمجرد أن الناس تداولوه، القرآن نقل مركز المسؤولية من موضوع الشائعة إلى مروجيها، وطالب بالدليل، وقال عن ناقلي الكلام: "وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم"، بل جعل الأصل عند سماع الاتهام حسن الظن، وفرض معيارًا صارمًا للإثبات في القذف، وفي تفسير الآية الثالثة عشرة من سورة النور يوضح الطبري أن الذين رموا السيدة عائشة رضي الله عنها كان عليهم الإتيان بأربعة شهداء، وإلا كانوا هم الكاذبين، ودار الإفتاء المصرية تستند إلى الحادثة نفسها في التحذير من تلقي الشائعة وتناقلها والخوض فيما لا دليل عليه.
المفارقة أن بعض ممارساتنا الاجتماعية تقلب هذه القاعدة رأسًا على عقب، بدلًا من أن نقول لمن يطلق الاتهام: "هات دليلك"، قد نقول للمرأة: "أثبتي أنك لم تفعلي"، وبدلًا من مساءلة من نشر الصورة، نسأل صاحبة الصورة لماذا التقطتها، وبدلًا من إدانة المتحرش وحده، تبدأ أسئلة غريبة عن ملابس المتحرش بها، ومكان وجودها، وساعة عودتها، ومن كان معها، وهنا لا يصبح عبء السمعة مجرد فكرة محافظة، بل يتحول أحيانًا إلى نظام كامل لنقل المسؤولية من الفاعل إلى من وقع عليه الفعل.
وليس هذا مجرد انطباع أدبي؛ فهناك دراسة أكاديمية منشورة في أغسطس 2026 حللت 1,191 مادة صحفية عن العنف ضد النساء والفتيات في أربع وسائل إعلام مصرية بين عامي 2020 و2024، وخلصت إلى أن التغطيات، رغم ازديادها، ما زالت تتضمن في كثير من الأحيان أنماطًا من الإثارة ولوم الضحية، وأن بعض التقارير تستحضر ملابس المرأة أو سلوكها أو وجودها في المكان بدل التركيز فقط على مسؤولية المعتدي والسياق الأوسع للعنف، كما تشير الدراسة إلى أن الخوف على السمعة وفرص الزواج قد يدفع بعض الأسر إلى الضغط على الضحايا للصمت.
ثم جاءت التكنولوجيا لتكشف لنا هشاشة هذا البناء الاجتماعي بطريقة ربما لم نكن مستعدين لها؛ ففي يناير 2022 عرف الرأي العام المصري مأساة بسنت خالد، الفتاة المراهقة التي تعرضت، وفق ما أعلن في التحقيقات والتغطيات المنشورة آنذاك، لابتزاز بصور جرى التلاعب بها بعد رفضها أحد الشباب، وانتهت المأساة بوفاتها، ثم صدرت أحكام في القضية لاحقًا، ما يجعل تلك الواقعة أكثر من خبر جنائي هو السؤال الذي تتركه وراءها، كيف تستطيع صورة مزيفة أن تصبح أكثر قوة من شهادة إنسان حي عن نفسه؟ ولماذا يعرف المبتز مسبقًا أن أكثر الأسلحة فاعلية ضد فتاة ليست سرقة مالها، بل تهديد سمعتها؟
بعد أربع سنوات فقط أصبحت الأدوات أخطر؛ ففي مايو 2026 أعلنت السلطات المصرية كشف واقعة في المنيا تضمنت إنشاء صفحات وهمية ونشر صور خادشة مفبركة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لفتاة، بعد رفضها الارتباط بشخص، بحسب ما نقلته وسائل الإعلام عن بيان وزارة الداخلية، وفي يونيو من العام نفسه نشرت الصحف حيثيات قضية أخرى في دمنهور استخدمت فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي لفبركة محتوى يمس فتاة وابتزازها، وذهبت المحكمة في حيثياتها إلى المطالبة بتدخل تشريعي عاجل لمواجهة إساءة استخدام هذه التقنيات.
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر مفارقات عصر الذكاء الاصطناعي قسوة، لم يعد مطلوبًا من المرأة أن ترتكب الفعل الذي سيُستخدم ضدها، ولم يعد مطلوبًا أصلًا أن توجد صورة حقيقية؛ فيمكن لبرنامج أن يصنع جسدًا لم تعرضه، ومشهدًا لم تكن فيه، وفعلًا لم تفعله، ثم تبدأ هي رحلة إثبات أن ما يراه الناس بأعينهم لم يحدث.
إنها لحظة تكشف أن المشكلة ليست تقنية فقط؛ فالذكاء الاصطناعي لم يخترع نقطة الضعف؛ هو اكتشفها واستغلها، ولو لم تكن سمعة المرأة قابلة للاستخدام كسلاح اجتماعي، لفقدت كثير من هذه الصور المزيفة قيمتها في الابتزاز، ولهذا فإن الإحصاءات العالمية مخيفة ودالة في الوقت نفسه، الأمم المتحدة للمرأة تشير إلى أن ما بين 90 و95 في المئة من التزييفات العميقة المتداولة ذات الطبيعة الإباحية هي صور غير رضائية، وأن النساء يشكلن الغالبية الساحقة من المستهدفين بهذا النوع من المحتوى، كما تحذر الأمم المتحدة من أن أضرار هذه الاعتداءات لا تبقى خلف الشاشة؛ فقد تمتد إلى العلاقات والعمل والعزلة الاجتماعية والصحة النفسية وحتى السلامة الجسدية.
لكن السؤال الذي يجب أن يقلقنا أكثر من قدرة الآلة على صناعة الكذب هو: لماذا يعرف الكاذب أن المجتمع قد يساعده من دون أن يقصد؟ فالمبتز يضغط على زر، لكن الخوف الحقيقي يأتي من عيون الآخرين، من القريب الذي سيقول: "حتى لو مفبركة، لماذا هي تحديدًا؟"، ومن الشخص الذي يرسل الصورة إلى صديق "لمجرد السؤال"، ومن آخر يحتفظ بها، ومن ثالث يناقش أخلاق الضحية قبل أن يناقش أخلاق من انتهكها، وهكذا تصبح الشائعة صناعة جماعية، ويصبح كل من يمررها ترسًا صغيرًا في آلة كبيرة.
ومن هنا نفهم كيف تتحول النصيحة أحيانًا إلى وصاية؛ فالخوف من "كلام الناس" يمنح نفسه صلاحيات واسعة، اختيار الملابس، والعمل، والصداقة، والسفر، ووقت العودة، وأحيانًا الزواج والطلاق، وقد يبدأ الأمر بجملة محبة تمامًا "نحن نخاف عليكِ"، لكنه يصبح إشكاليًا عندما تكون نتيجة الخوف أن تتنازل المرأة وحدها عن جزء من حياتها كي لا يسيء الآخرون تفسيرها؛ فالوقاية الحقيقية ينبغي أن تعلم الناس ألا يؤذوا، لا أن تجعل الشخص المحتمل إيذاؤه يعيش حياته كلها متجنبًا الاحتمالات.
ولا ينبغي أن يتحول نقد هذه الثقافة إلى محاكمة مقابلة للرجال؛ فالثقافة لا تسكن جنسًا واحدًا، قد يعيد إنتاجها أب وأم، أخ وأخت، رجل وامرأة، بل قد تدافع عنها نساء لأنهن تربين عليها واعتبرن احتمالها علامة على الصلاح، كما أنها تضع على الرجال أنفسهم عبئًا آخر، أن يُقاس بعضهم بمدى قدرتهم على "السيطرة" على النساء في أسرهم، وكأن رجولتهم تحتاج إلى مراقب منزلي كي تثبت نفسها، وتحرير المرأة من عبء السمعة الجماعية يحرر الرجل أيضًا من دور الحارس الذي لم يكن ينبغي أن يكون أساسًا لمكانته.
والحديث عن ذلك لا يعني الدعوة إلى مجتمع بلا قيم، كما يُقال أحيانًا كلما نوقشت هذه المسائل، على العكس، القضية هي أن تكون القيم متسقة، إن كان الكذب خطأ فهو خطأ في حق امرأة ورجل، وإن كانت الخيانة مذمومة فهي مذمومة ممن يرتكبها أيًا كان جنسه، وإن كان الستر قيمة فلا يصبح فضح المرأة تسلية جماعية، وإن كانت العفة فضيلة فهي فضيلة شخصية وليست وثيقة ملكية عائلية، أما أن نطالب المرأة بأخلاقها وأخلاق أخيها وسمعة أبيها ومكانة زوجها ومستقبل أخواتها، ثم نحاسب الرجل غالبًا على نفسه، فهذه ليست زيادة في الأخلاق بقدر ما هي سوء في توزيع المسؤولية.
لعل المشكلة في النهاية تبدأ من اللغة، نقول عن فتاة إنها "جابت العار لأهلها"، ولا نتوقف لنسأل كيف استطاع فرد واحد أن يحمل سمعة عشرات الأشخاص، ونقول "دي بنت عيلة" وكأن كرامتها تحتاج إلى شهادة منشأ، ونقول عن امرأة أخرى إنها "لا تمثل أهلها" حين نختلف معها، بينما نادرًا ما نحول خطأ رجل إلى تعريف دائم لعائلته كلها، الكلمات الصغيرة ليست بريئة دائمًا؛ فهي الخريطة التي نتعلم بها من يملك الحق في الخطأ، ومن يجب أن يعيش حياته خائفًا من الخطأ ومن مجرد الاتهام به.
ربما حان الوقت لأن نعيد السمعة إلى صاحبها، أن يكون لكل إنسان رصيده الأخلاقي الذي يبنيه أو يهدمه بأفعاله هو، لا بأفعال أخته أو ابنته أو زوجته، وأن نفهم أن كرامة المرأة لا تمنحها الأسرة حين ترضى عنها، ولا يسحبها المجتمع عندما تختلف معه، ولا تسقطها صورة حقيقية أو مزيفة، لأن الكرامة ليست مكافأة على حسن السلوك، وإنما حق يسبق حكمنا على السلوك ذاته.
وفي زمن صار فيه من الممكن أن تُصنع "فضيحة" كاملة في دقائق من صورة عادية، ربما نحتاج إلى قاعدة اجتماعية أبسط من كل الخطب، لا تجعلوا سمعة إنسان أضعف من كذبة؛ فالمشكلة لم تعد أن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يخلع عن امرأة ملابسها في صورة؛ المشكلة الأخطر أن يكون بعض الناس مستعدين، بعد ذلك، لأن يخلعوا عنها احترامهم.
وعندها يصبح السؤال الذي يستحق أن نختم به أصعب من كل الإجابات، إذا كان احترامنا لامرأة يمكن أن يسقط بصورة لم تلتقطها، أو شائعة لم تثبت، أو اختيار شخصي لم يعجبنا، فما الذي كنا نحترمه منذ البداية: المرأة نفسها، أم الصورة التي رسمناها لها؟
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

