عام القاهرة 24

لحظة إقليمية فارقة تجمع مصر والسعودية.. ماذا وراء زيارة محمد بن سلمان؟

لحظة إقليمية فارقة تجمع مصر والسعودية.. ماذا وراء زيارة محمد بن سلمان؟
15 مشاهدة

اقرأ من المصدر

القاهرة 24

زيارة المصدر

تأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي عهد المملكة العربية السعودية ورئيس مجلس الوزراء، إلى مصر ولقاؤه الرئيس عبد الفتاح السيسي، في توقيت بالغ الحساسية إقليميا، تفرض فيه التطورات المتسارعة في المنطقة على القاهرة والرياض مستويات أعلى من التنسيق السياسي والأمني، بالتوازي مع السعي إلى تعزيز الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية بين البلدين.

ولا تكتسب الزيارة أهميتها من كونها لقاء جديدا بين قيادتي البلدين فحسب، وإنما من طبيعة الملفات التي فرضت نفسها على أجندة المباحثات، وفي مقدمتها أمن الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية الدولية، والأزمة اليمنية، والقضية الفلسطينية، والحرب في السودان، إلى جانب مستقبل العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين القاهرة والرياض.

تنسيق مصري سعودي في مواجهة مرحلة إقليمية مضطربة

تعكس المباحثات بين الرئيس السيسي وولي العهد السعودي إدراكا مشتركا لحجم التحولات التي تشهدها المنطقة، وما تفرضه من ضرورة الحفاظ على قنوات اتصال مباشرة بين أكبر دولتين عربيتين من حيث الثقل السياسي والاستراتيجي.

وفي هذا السياق، برز تأكيد الجانبين أن العلاقات المصرية السعودية لا تقبل إلا أن تكون في أفضل مستوياتها داخل الإطار العربي، مع التشديد على أن أمن المملكة ودول الخليج يمثل جزءا من الأمن القومي المصري.

وتحمل هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل تصاعد التحديات الجيوسياسية التي تواجه المنطقة، إذ أكدت مصر رفضها وإدانتها الكاملة لأي اعتداءات أو تهديدات تمس سيادة المملكة واستقرارها وسلامة أراضيها، فضلا عن تأكيد التضامن والمساندة المصرية للمملكة في مواجهة التحديات الراهنة.

ويقول د. أحمد الشهري، الكاتب والباحث السعودي في العلاقات الدولية، إن زيارة ولي العهد إلى مصر تأتي في مرحلة تتطلب أعلى درجات التنسيق السعودي المصري، مؤكدا أن البلدين يمثلان ثقلا عربيا وإقليميا كبيرا، وأن أمنهما يرتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية واستقرار المنطقة.

ويرى الشهري في تصريحات لـ القاهرة 24، أن أهمية الزيارة تنقسم إلى مسارين متكاملين؛ الأول سياسي وأمني، عبر تعزيز التنسيق تجاه ملفات المنطقة والعمل على خفض التصعيد ومنع اتساع دائرة الصراع، والثاني اقتصادي وتنموي، من خلال البناء على الشراكة الاستراتيجية وتعزيز الاستثمارات والتبادل التجاري والمشروعات المشتركة.

البحر الأحمر وباب المندب.. أمن الممرات في صدارة الحسابات

كان أمن الملاحة البحرية أحد أبرز الملفات التي حضرت خلال المباحثات المصرية السعودية، في ظل الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر ومضيقي هرمز وباب المندب بالنسبة للتجارة الدولية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد.

وأكد الجانبان حرصهما على ضمان حرية وأمن الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، فيما شدد الرئيس السيسي على دعم مصر للإجراءات التي تتخذها المملكة لحماية أمنها واستقرارها، وكذلك دعم الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية.

وتكشف هذه النقطة عن اتساع نطاق التنسيق بين القاهرة والرياض من العلاقات الثنائية إلى الملفات المرتبطة مباشرة بالأمن الإقليمي، خصوصا أن أي اضطراب مستمر في الممرات البحرية لا تقتصر تداعياته على الدول المطلة عليها، بل يمتد تأثيره إلى حركة التجارة العالمية والطاقة وسلاسل الإمداد.

ومن ثم، فإن التنسيق المصري السعودي بشأن البحر الأحمر وباب المندب يأتي باعتباره جزءا من مقاربة أوسع تستهدف حماية أمن المنطقة ومنع انتقال الأزمات من ساحة إلى أخرى.

اليمن دعم الحل السياسي ومنع اتساع دائرة الصراع

احتلت الأزمة اليمنية مساحة مهمة في المباحثات، مع تأكيد دعم الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام.

وتتقاطع الرؤية المصرية والسعودية في هذا الملف عند أهمية الحفاظ على أمن المملكة ودول الخليج، بالتوازي مع دعم مسار سياسي يضع حدا للأزمة اليمنية ويحول دون استمرار تداعياتها على أمن المنطقة والممرات البحرية.

ومن منظور أوسع، فإن الملف اليمني يرتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما يجعل التعامل معه يتجاوز حدود الأزمة الداخلية إلى حسابات الأمن الإقليمي والدولي.

القضية الفلسطينية توافق مصري سعودي

القضية الفلسطينية حضرت كذلك باعتبارها أحد الملفات الرئيسية في التفاهمات المصرية السعودية.

حيث أكد الجانبان تطابق مواقفهما إزاء القضية الفلسطينية، والتمسك بالتوصل إلى تسوية عادلة وشاملة تقوم على حل الدولتين ومقررات الشرعية الدولية، مع التشديد على ضرورة تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي للسلام وقرار مجلس الأمن رقم 2803.

كما شددا على ضرورة إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بكميات كافية، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.

ويعكس ذلك استمرار التنسيق بين القاهرة والرياض بشأن أحد أكثر الملفات تأثيرا في استقرار المنطقة، خصوصا في ظل التداعيات السياسية والإنسانية والأمنية الممتدة للحرب في غزة.

السودان موقف مشترك بشأن الدولة ومؤسساتها

لم تغب الأزمة السودانية عن المباحثات، حيث أكد الجانبان استمرار دعمهما لأمن واستقرار السودان، مع التشديد على حصرية مؤسساته الوطنية ورفض مساواة القوات المسلحة السودانية بأي مليشيات أو كيانات موازية غير شرعية.

كما أكدا أن أي تهديد لوحدة السودان وسلامة أراضيه يمثل خطرا على الأمن الجماعي لمصر والسعودية ودول المنطقة.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة من الموقع الجغرافي للسودان وتشابك أزمته مع أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، فضلا عن انعكاساته المباشرة على الأمن الإقليمي.

ومن ثم، فإن الموقف المصري السعودي المشترك بشأن السودان لا ينفصل عن الرؤية الأوسع التي تتبناها الدولتان بشأن الحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها، ورفض المسارات التي يمكن أن تقود إلى تفكك الدول العربية أو نشوء كيانات موازية تهدد وحدتها.
ترجمة التفاهم السياسي إلى شراكة أوسع

على الجانب الاقتصادي، حملت الزيارة رسالة واضحة بشأن رغبة القاهرة والرياض في الارتقاء بالعلاقات الاقتصادية إلى مستوى يتناسب مع طبيعة الشراكة السياسية والاستراتيجية بين البلدين.

واتفق الرئيس السيسي وولي العهد على تكثيف العمل لوضع وتنفيذ إجراءات عملية لتطوير التعاون الثنائي، وإزالة أي عقبات يمكن أن تعوق زيادة حجم التبادل التجاري والاستثماري، بما يعزز العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

ويبرز هنا دور الآليات المؤسسية المشتركة، وفي مقدمتها مجلس التنسيق الأعلى السعودي المصري، باعتباره إطارا يمكن من خلاله تحويل التفاهمات السياسية إلى مشروعات وبرامج عملية.

فالرهان الاقتصادي لا يتعلق فقط بزيادة حجم الاستثمارات والتبادل التجاري، وإنما بتحويل العلاقات السياسية المستقرة إلى شراكات طويلة الأجل في مجالات متعددة، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين.

زيارة تؤكد استمرارية العلاقة التاريخية

ولا تبدو زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر حدثا منفصلا عن المسار التاريخي للعلاقات بين البلدين.

وفي ذلك يقول د. وحيد حمزة، الباحث والمحلل السياسي السعودي، إن الزيارة تمثل حلقة من حلقات العلاقات السياسية الأخوية بين المملكة ومصر، التي تمتد لأكثر من قرن، مشيرا إلى أن العلاقات بين البلدين استراتيجية وتستند إلى روابط تاريخية عميقة بين الشعبين.

ويضيف حمزة في تصريحات لـ القاهرة 24 أن الزيارات السياسية والدبلوماسية المتبادلة تؤكد استمرارية التعاون بين البلدين في مواجهة التحديات والمخاطر السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة.

في المقابل، يرى د. خالد الدخيل، السياسي السعودي المتخصص في العلاقات الدولية، أن زيارة ولي العهد إلى مصر ليست غريبة ولا الأولى، مؤكدا أن السعودية ومصر تمثلان أكبر وأهم قوتين في العالم العربي، وأن التواصل بينهما مستمر وسيظل كذلك خلال المستقبل.

ويضع الدخيل في تصريحات لـ القاهرة 24،  معيارا أساسيا للحكم على أهمية الزيارة، وهو النتائج التي ستفضي إليها في تعزيز الكتلة العربية ودورها على المستوى الدولي، معتبرا أن الآمال كبيرة في هذا الاتجاه.

القاهرة والرياض أمام لحظة مشتركة

وبذلك تكشف مجمل مخرجات الزيارة أن القاهرة والرياض تتحركان انطلاقا من تقدير مشترك لطبيعة المرحلة الحالية، حيث تتقاطع مصالحهما في ملفات الأمن الإقليمي والممرات البحرية والقضية الفلسطينية والسودان واليمن، إلى جانب المصالح الاقتصادية المتنامية.

والأهم أن البيان الصادر عقب المباحثات لم يقتصر على توصيف المواقف، وإنما تضمن تأكيدا على استمرار التشاور والتنسيق المباشر خلال الفترة المقبلة بشأن الموضوعات الثنائية والتطورات الإقليمية.

فالتنسيق المصري السعودي لم يعد مجرد آلية لإدارة الملفات الثنائية، وإنما يمثل إحدى أدوات التعامل العربي مع مرحلة إقليمية شديدة التعقيد.

وفي ظل تشابك الأزمات من الخليج إلى البحر الأحمر واليمن وفلسطين والسودان، تقف كل مننن القاهرة والرياض أمام اختبار مشترك يتمثل في حماية أمنهما ومصالحهما، ودعم استقرار الدول العربية، ومنع اتساع دائرة الصراعات، بالتوازي مع الدفع نحو مسارات سياسية واقتصادية أكثر استقرارا.

وبذلك، فإن زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر تحمل رسالتين متوازيتين أولهما سياسية أمنية بأن القاهرة والرياض متمسكتان بتعزيز التنسيق والتضامن في مواجهة التحديات الإقليمية، وثانيهما اقتصادية، بالانتقال بالعلاقات الاستراتيجية إلى مستوى أوسع من التعاون والاستثمار.

ما يجعل أهمية الزيارة لا تقاس فقط بما صدر خلالها من مواقف، وإنما بما يمكن أن تنتجه في المرحلة المقبلة من خطوات عملية، سواء على صعيد الملفات الإقليمية أو في مسار الشراكة الاقتصادية بين البلدين، بما يعزز موقع القاهرة والرياض ودورهما في صياغة مواقف عربية أكثر تنسيقا في مواجهة التحولات المتسارعة في المنطقة.

مقالات ذات صلة