“في عالمٍ يُعيد تشكيل جغرافيا نفوذه وصراعاته بـ «الحديد والصفقات»، تطلّ علينا الصحافة العربية والمحلية الصادرة اليوم بجرعة تحليلية استثنائية تتجاوز رصد السطح لتغوص في عمق التحولات.
البداية من صحيفة “الدستور الأردنية” بمقال مشوق وجريء من عنوانه: «هي حرب الممرات» للكاتبة لما جمال العبسه ، وهو مقال تحليلي عميق يربط الصراعات العسكرية الراهنة بالصراع الجيوسياسي على ممرات التجارة والطاقة العالمية والمشاريع البديلة.
جيوبوليتيك الطاقة وصراع “حرب الممرات”
تقول الكاتبة نصاً :
“منذ البداية، لم تنفصل واشنطن وتل أبيب عن هدفهما المركزي المتمثل في تغيير القيادة في طهران لإيجاد نظام سياسي يتماشى مع مطامعهما في المنطقة، فالصراع القائم حاليا واختصاره بشكل واضح على مضيق هرمز الذي أصبح العقدة في منشار المفاوضات، لم يكن لأجل استقرار الأسواق العالمية أو ضمان انسيابية النفط وسلاسل الإمداد، بل هو مشروع أوسع لوضع هذه الموارد تحت الوصاية الأمريكية – الصهيونية.”
وتكشف الكاتبة الجذور التاريخية والأبعاد اللوجستية للمشروع الاقتصادي البديل الذي تسعى واشنطن وتل أبيب لفرضه:
“هذا التقرير الخطير يكشف بوضوح أن الكيان الصهيوني الساعي منذ عقود إلى تجاوز قناة السويس المصرية ومضيق هرمز، حيث بدأ في ستينيات القرن الماضي بطرح فكرة «قناة بن غوريون» لربط خليج العقبة بالبحر المتوسط، واليوم، تحولت الفكرة إلى نسخة أكثر عملية بعد ان اطلقت الإدارة الأمريكية السابقة مشروع عُرف بأسم الممر الاقتصادي (IMEC) الذي يربط الهند والخليج بأوروبا وصولا إلى شواطئ فلسطين التاريخية، معتمداً على السكك الحديدية، وأنابيب النفط، والموانئ الاستراتيجية.”
كما توضح دلالات الردود العسكرية الإقليمية المباشرة الهادفة لتعطيل هذا الممر وإفشال رهاناته الأمنية:
“العدوان الصهيوني الدموي على قطاع غزة ليس معزولاً عن هذا السياق؛ إنها جزء من محاولة فرض واقع أمني جديد يمكّن المشروع، في المقابل، إيران تدرك أن نجاح هذا الممر يعني فقدانها «وثيقة التأمين» المتمثلة في مضيق هرمز الذي يمر عبره 20 % من نفط العالم، لذلك، لجأت إلى التصعيد العسكري، بما في ذلك استهداف بنى تحتية في حيفا، لإرسال رسالة للمستثمرين بأن المسار غير آمن.”
وتخلص الكاتبة إلى تلخيص المشهد الراهن كمعركة لكسر الإرادات وإعادة رسم الخارطة الاقتصادية:
“إن ما يجري اليوم هو حرب ممرات تهدف إلى إعادة رسم خارطة النفوذ في القرن الحادي والعشرين، الولايات المتحدة والكيان الصهيوني تعملان على تثبيت مشروعهما الاقتصادي – الاستراتيجي، بينما المقاومة في غزة تحديدا، وتمسك ايران بمبادئها التفاوضية وعدم التنازل للرغبة الامريكية يقفان حجر عثرة أمام هذا المشروع..”
الدبلوماسية اللبنانية ومسار “روما – واشنطن”
وفي قراءة تحليليّة للمشهد اللبناني ومساعي تحييد الدولة عن الصراعات الإقليمية والدولية المحيطة بها، قارب الكاتب والباحث اللبناني د. جيرار ديب في مقاله بصحيفة العرب اللندنية تحت عنوان “أهمية خط – روما واشنطن للدولة اللبنانية” ، دلالات التحرك الدبلوماسي الأخير، حيث سجل نصاً:
“أعلنت السفارة اللبنانية في واشنطن ، الأربعاء 8 يوليو الجاري، أن البيت الأبيض وجّه دعوة رسمية للرئيس اللبناني، جوزيف عون، لزيارة العاصمة الأميركية ولقاء الرئيس دونالد ترامب في 21 من هذا الشهر. وقالت السفارة إن هذه الدعوة “تعكس الشراكة الراسخة بين لبنان والولايات المتحدة”، وتتيح للرئيسين بحث القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك الأمن الإقليمي.”
ويوضح الكاتب خلفيات هذا المسار التفاوضي الدقيق والرهانات التي تعقدها الدولة اللبنانية على الأوراق الدبلوماسية المتبقية لها:
“أبعد من الشراكة وتمتينها بين البلدين، ينتظر الرئيس عون من الزيارة الانتقال بـ”اتفاق الإطار” من الرؤية التصورية إلى التطبيق العملاني، على اعتبار أنّ الضامن الوحيد لهذا الاتفاق هو اللاعب الأميركي القادر على فرض الإملاءات على الجانب الإسرائيلي. إن نجاح الزيارة أكثر من ضروري، ليس فقط من أجل إسكات تلك الأبواق التي تصوّب على العهد، وآخرها الحملة العنيفة التي أطلقها وليد جنبلاط النائب السابق بعد اجتماع المجلس المذهبي الدرزي، بل من أجل فرملة اندفاعية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نحو الحرب مجددًا، الذي يريد الاستثمار فيها لتحسين وضعه في انتخابات الكنيست المزمع إجراؤها في تشرين الأول المقبل.”
كما يبين غايات التشدد الرسمي اللبناني في هذا المسار الدبلوماسي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هياكل الدولة:
“فإن التشدد الرئاسي والحكومي في السير على خط روما واشنطن لا يهدف إلى فرملة الحرب فقط، بل إلى تكريس واقع الاحتكام إلى المؤسسات، وليس العودة إلى صيغة الميثاقية التي طُبقت بعد عام 2005 على قاعدة مراعاة الطوائف.”
استحقاقات القيادة وأسس الشرعية الوطنية
وفي مقاربة فكرية وسياسية حول مستقبل القيادة ومصادر الشرعية في الساحة الفلسطينية، يفكك الكاتب د. إبراهيم نعيرات في مقاله تحت عنوان “البازار السياسي… والحالمون بالقيادة” من صحيفة القدس ، طبيعة التدافع والتنافس بين النخب السياسية، مسجلاً ما نصّه:
“يدخل المشهد السياسي الفلسطيني مرحلة مفتوحة على احتمالات واسعة، تتداخل فيها التحولات الداخلية مع المتغيرات الإقليمية والدولية، وسط ترقب لما قد تحمله المرحلة المقبلة من إعادة رسم لموازين القوى. وفي مثل هذه اللحظات، يكثر الحالمون بالقيادة، وتتسارع محاولات إعادة التموضع، إذ يسعى كل طرف إلى حجز موقعه قبل أن تتضح ملامح المرحلة القادمة.”
ويؤكد الكاتب على محورية القاعدة الشعبية في تأسيس أي قيادة حقيقية، رافضاً ارتهان القرار الداخلي بالعواصم الإقليمية أو الدولية:
“فالشرعية تبدأ من الشعب. أما الخارج، مهما بلغت أهميته، فهو عامل مساعد وليس مصدرًا بديلًا للشرعية. والخطر يبدأ عندما تتحول العواصم إلى مرجعية، وعندما يصبح تقديم أوراق الاعتماد للخارج أكثر أهمية من تقديم مشروع مقنع للناس.”
ويخلص الكاتب إلى التفرقة الجوهرية بين التموضع المرحلي المؤقت وبناء المشاريع الاستراتيجية التي تصنع المستقبل الوطني:
“سيظل البازار مفتوحًا للحالمين، وسيبقى كثيرون يحاولون تقديم أنفسهم بوصفهم عنوان المرحلة المقبلة. لكن التاريخ الفلسطيني لم يمنح مكانته لمن أتقنوا فن التموضع، بل لمن امتلكوا مشروعًا وطنيًا واستمدوا شرعيتهم من شعبهم قبل أي جهة أخرى.”
توازنات الردع ومستجدات “الثلاثي النووي الآسيوي”
وفي الشأن العسكري الدولي وصراع التوازنات الاستراتيجية في القارة الآسيوية، يحلل الكاتب والباحث عبدالله المدني في مقاله بصحيفة الأيام البحرينية تحت عنوان “مستجدات في قوة الثلاثي النووي الآسيوي”، أبعاد التنافس المحموم بين أقطاب القوة هناك، مسجلاً ما نصّه:
“مؤخرًا نشر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام تقريرًا أفاد بأن الهند وسعت ترسانتها النووية بزيادة مخزونها من الرؤوس الحربية النووية من 180 في العام الماضي إلى نحو 190 في العام الجاري، مدفوعة في ذلك بأمرين: أولهما استمرار حالة العداء والتنافس المزمنة مع جارتها الباكستانية، وثانيهما الحاجة لمواجهة الصين وسياساتها التوسعية في المحيطين الهندي والهادئ.”
ويلفت الكاتب النظر إلى تحول مفهوم الردع النووي في ظل التكتيكات العسكرية الحديثة والدروس المستفادة من الحروب المعاصرة:
“فإن الحروب الأخيرة كالحرب الأوكرانية والحرب الأمريكية الإيرانية والحرب الإسرائيلية الإيرانية أثبت أن السلاح النووي لم يعد سلاحًا استراتيجيا رادعًا، وإنما مجرد سلاح له مفعول نفسي فقط. وبكلام آخر بات الردع الاستراتيجي غير مضمون، والتهديد النووي غير كاف لإيقاف الحروب التقليدية والحروب الهجينة؛ لأن الأصول النووية، كالقاذفات الإستراتيجية والصواريخ الباليستية العابرة للقارات والغواصات النووية، تبدو غير فعالة ضد هجمات الطائرات المسيرة رخيصة الثمن، خصوصًا في ظل عزوف القوى النووية عن نشر سلاحها النووي أو التلويح به.”
ويشير إلى طبيعة العقيدة العسكرية لنيودلهي وإدارتها لملفات الصراع الإقليمي:
“ففي ما يتعلق بالهند، فإنها تحافظ على غموض استراتيجي بخصوص سياستها القائمة على مبدأ عدم البدء باستخدام السلاح النووي، مع التعهد برد انتقامي هائل على أي ضربة أولى تتعرض لها. في الوقت نفسه، غيرت نيودلهي مقارباتها النووية، فصارت، بدلاً من التركيز على منع نشوب الحرب، صارت تركز على إدارة العنف في مستويات أدنى من العتبة النووية.”
سوسيولوجيا الرياضة وظاهرة “الهوس المونديالي”
أخيراً، ومن زاوية نقدية وفلسفية مغايرة، تفكك الكاتبة والشاعرة د. منى نوال حلمي في مقالها بصحيفة المصري اليوم تحت عنوان “أفراح مسجونة داخل المستطيل الأخضر”، الأبعاد الطبقية والاجتماعية لظاهرة “الهوس الكروي” العالمي، مسجلة ما نصّه:
“على هذا الكوكب نفسه، أنفق ما يقرب من ٢٠ مليار دولار، على تنظيم مونديال ٢٠٢٦، حيث ربحت الفيفا ما يقرب من ١١ مليار دولار. ما هذا الذى يحدث،، باسم «الرياضة»، و«الترفيه»، و«التواصل»؟. أنا أحب الرياضة، وأحب الترفيه، وليس عندى مشكلة مع التواصل. لكن مشكلتى، أننى لا أستطيع أن «أفرح» والعدالة غائبة.”
وتنتقد الكاتبة تحول اللعبة الشعبية الأولى من ممارستها البسيطة إلى قطاع استثماري ومالي ضخم تسيطر عليه عقلية الأرباح التوسعية:
“وينص عقد تأسيس الفيفا، الاتحاد الدولى لكرة القدم، وكان فى ٢١ مايو ١٩٠٤، (باريس)، أنها جمعية غير ربحية. ولكنها على مر السنوات، أصبحت «إمبراطورية» مالية عملاقة، تحوى أشرس مجالات «البيزنس»، والمنافسات، وتصفية الحسابات السياسية، والرهونات، وجرائم المافيا، وتجارة المخدرات، وغسيل الأموال.”
وتختتم رؤيتها برصد انعكاس هذا الشغف الرياضي المتطرف على البنية النفسية للجماهير:
“إن التهليل والضحكات والرقص، والصخب، تشير إلى حقيقة مقلقة، أن هؤلاء المشجعين، محبطون، منهزمون، وأنهم يستمتعون بالتواجد معا، ومشاركة هذه العواطف. «الجول» هو إنجازهم الوحيد. والمستطيل الأخضر، فرحتهم الكبرى.”
تحرير : مروة عبد الحفيظ



