رجل يقف ممسكًا بأدوات العمل، مرتديًا جلبابًا امتزج لونه الفاتح بالبوهية، ممسكًا بعصا طويلة في نهايتها رول دهان، ويقوم بنفسه بطلاء حائط المدرسة باللون الأزرق، يبدو لمن يراه للوهلة الأولى نقاشًا أو عاملًا باليومية، لكن الصور التي نشرتها ريهام الشناوي تحمل حكاية مختلفة تمامًا؛ فهذا الرجل هو والدها الراحل الأستاذ الشناوي نصر عمار، مدير مدرسة المنشية الجديدة.
وتعليقًا على الصور، كتبت ريهام على الصورة: “ده مش نقاش ولا عامل باليومية.. لا ده أبويا”، قبل أن تسرد تفاصيل عن والدها، الذي قالت إنه كان يرى المدرسة أكثر من مجرد مكان يعمل فيه، ويتعامل معها باعتبارها بيته الثاني.
حسب رواية ابنته، كان الشناوي نصر عمار يدهن المدرسة من ماله الخاص وبيده، ولم يكتفِ بذلك، فكان يصلح الديسكات، ويوفر مراوح للفصول، ويغير الزجاج المكسور، ويجدد صنابير المياه، ويتولى زراعة حديقة المدرسة بنفسه حتى امتلأت بالورد البلدي.
وتقول ريهام: “أبويا مات والورد عاش”، في إشارة إلى أن الحديقة التي ظل فيها أثر والدها حاضرًا حتى بعد رحيله، لكن اهتمام مدير المدرسة، وفق ما روته ابنته، لم يتوقف عند الحوائط والفصول والمرافق، وإنما امتد إلى الطلاب والعاملين داخل المدرسة.
وبحسب حديث الابنة، كان أبيها، يشتري أقفال أبواب الفصول، ويصلح المكاتب، ويساعد الطلاب غير القادرين، ويشتري كتبًا خارجية وملابس وحقائب لبعض الأطفال الأيتام وغير القادرين، بل وكان يدفع المصروفات عن الطلاب الذين لم يستطيعوا تحملها.
وتروي ابنته أن والدها كان يخصص مصروفًا يوميًا لبعض الأطفال، مؤكدة أن هناك تفاصيل أخرى كثيرة لم تكن الأسرة تعرفها، لأنه كان يخفي جانبًا من مساعداته خوفًا من أن تعلم والدتها بما ينفقه.
لم يكن الشناوي، وفق رواية ابنته، داعمًا للطلاب فقط، وإنما كان حريصًا على مساندة كل من يعمل داخل المدرسة، حيث تقول ريهام إن والدها كان أكبر داعم للعامل والمدرس والطالب، وإن الأطفال والكبار كانوا يحبونه، بينما كان هو يتعامل مع المدرسة وكأنها “عيل من عياله”.
وتكشف ابنته عن حوار كان يتكرر بين والدها ووالدتها، إذ كانت الأخيرة ترى أن المدرسة لها جهات مسؤولة عنها ومن المفترض أن تتولى الإنفاق عليها، بينما كان رده دائمًا: “أنا بقعد فيها أكتر ما بقعد في البيت.. دي بيتي التاني” كما تقول ابنته.
الجملة التي تبدو بسيطة، تلخص بالنسبة لابنته طبيعة العلاقة التي ربطت والدها بالمدرسة طوال سنوات عمله، فبعد خروج الشناوي نصر عمار على المعاش، لم تنتهي علاقته بالمدرسة، حيث تقول ريهام إن والدها ظل يذهب إلى المدرسة لفترة بعد خروجه على المعاش، قبل أن يتوقف عن الذهاب إليها بعد ذلك.
وحسب روايتها، انعكس ابتعاده عن المدرسة على حالته النفسية، إذ دخل في فترة من الاكتئاب وأصبح لا يخرج من المنزل كثيرًا، حيث تؤكد على أن والدها كان محبًا للعلم والتعليم، ومعطاءً إلى أبعد حد، وكان يعتبر وجوده داخل المدرسة جزءًا أساسيًا من حياته.
وفي وقت تتجدد فيه الأحاديث عن دور مدير المدرسة، ومسؤوليته تجاه الطلاب والعاملين والبيئة التعليمية، لاسيما بعد واقعة محافظ القليوبية وحديثه مع “الأبلة صالحة” و"أستاذ نادر" الذي أثار موجة من الغضب على السوشيال ميديا، أعادت ريهام نشر صورة والدها لتروي تجربته الشخصية، دون أن تختزل الرجل في منصبه فقط، فبالنسبة إليها، لم يكن الرجل الذي يمسك رول الدهان في الصورة “نقاشًا” ولا “عاملًا باليومية” كان أبوها مدير مدرسة الذي يرى أن المكان الذي يقضي فيه معظم يومه يستحق أن يبذل من أجله، وأن الطلاب الذين يلتقيهم كل صباح يستحقون المساعدة.


