تقنية جريدة الجمهورية

«شعب» بلا كتالوج

انتهت المباراة التاريخية بين منتخب مصر والحكم ومنتخب الأرجنتين. أطلق الحكم الفرنسى صافرة النهاية، وغادر اللاعبون الملعب، لكن فى القاهرة ومحافظات مصر لم تنتهِ المباراة. فهنا تبدأ المباريات بعد نهايتها، وتتحول النتيجة إلى قضية رأى عام، وتصبح المقاهى والنوادى وصفحات التواصل الاجتماعى أكبر استوديو تحليل...

«شعب» بلا كتالوج
7 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

انتهت المباراة التاريخية بين منتخب مصر والحكم ومنتخب الأرجنتين. أطلق الحكم الفرنسى صافرة النهاية، وغادر اللاعبون الملعب، لكن فى القاهرة ومحافظات مصر لم تنتهِ المباراة. فهنا تبدأ المباريات بعد نهايتها، وتتحول النتيجة إلى قضية رأى عام، وتصبح المقاهى والنوادى وصفحات التواصل الاجتماعى أكبر استوديو تحليل فى العالم.

فى دقائق معدودة، انقسم المصريون إلى ثلاثة منتخبات جديدة. منتخب للحكام الدوليين، ومنتخب للمحللين العالميين، ومنتخب ثالث يضم ملايين المشاهدين الذين لا يملكون سوى قلوبهم. الجميع يتحدث، والجميع يملك الحقيقة، والجميع مقتنع أن رأيه هو الرواية الوحيدة الصحيحة.

وهنا تكمن الحكاية.

الفريق الأول.. الحكام الدوليون وهم كثر.

لا يشاهدون المباراة، بل يراقبون الحكم. الكرة بالنسبة لهم مجرد خلفية، أما البطل الحقيقى فهو صافرة الفرنسي.

يجلس أحدهم على المقهي، يطلب كوب شاي، ثم يبدأ فى شرح المادة التى تنظم احتساب المخالفة، ويتحدث عن زاوية الرؤية، وبروتوكول تقنية الفيديو، وكأنه خرج لتوه من اجتماع لجنة الحكام فى الفيفا.

يؤكد بثقة أن هدف الأرجنتين غير صحيح، وأن ركلة الجزاء واضحة، وأن الإنذار جاء متأخرًا، ثم ينهى حديثه بجملة حاسمة: «أنا لو كنت مكان الحكم ما حصلش ده كله».

الفريق الثاني.. المحللون العالميون

هذا الفريق أكثر طموحًا. لا يناقش قرارات الحكم، بل يعيد كتابة المباراة من بدايتها.

أحدهم يرى أن المدير الفنى أخطأ فى التشكيل، والثانى يؤكد أن التبديل كان خطأ وأن حسام عبدالمجيد كان أفضل من تريزيجيه، والثالث مقتنع بأن المباراة كانت ستنتهى بفوز مصر لو  مرموش ترك الكرة لصلاح.

يتحدثون عن الضغط العالي، والتحولات، والبناء من الخلف، والكتلة الدفاعية، وكأنهم كانوا داخل غرفة الملابس قبل المباراة.

الأجمل أن كل الحلول تظهر بعد صافرة النهاية. فلا أحد يرسل خطته قبل اللقاء، لكن الجميع يكتشف بعد الخسارة أنه كان يملك الوصفة السحرية للفوز.

الفريق الثالث.. الجمهور وهؤلاء هم الأكثر صدقًا.

لا يعرفون تفاصيل قانون التسلل، ولا يحفظون أسماء حكام الفيديو، ولا يميزون بين 4-3-3 و3-5-2.

لكنهم يعرفون شيئًا أهم أن هذا المنتخب يمثلهم يفرحون إذا فاز، ويحزنون إذا خسر، ثم يعودون إلى أعمالهم فى اليوم التالى دون أن يعلنوا أنفسهم خبراء فى التحكيم أو التدريب ربما كانوا الأقل كلامًا.. لكنهم الأكثر حبًا غير أن الفرق الثلاثة، على اختلافهم، يجتمعون عند نقطة واحدة اليقين.

فى مصر لا أحد يقول: ربما أكون مخطئًا الجميع يمتلك الحقيقة الكاملة.

الجميع يعرف لماذا خسرنا الجميع لديه قرار كان سيغير مجرى المباراة وهذه ليست قصة كرة قدم إنها قصة مجتمع.

لا يفعل ذلك ادعاءً دائمًا، بل لأنه بطبيعته لا يحب أن يكون متفرجًا. يريد أن يكون حاضرًا فى كل قضية، وأن يكون له رأى فى كل ملف، وأن يشعر بأنه شريك فى صناعة الحدث، حتى لو كان الحدث يقام على بعد آلاف الكيلومترات.

وربما لهذا يصعب قراءة الشخصية المصرية من خلال كتالوج جاهز هى شخصية تعشق الجدل، وتؤمن بأن النقاش حق، وترفض أن تُختزل فى رأى واحد. لكنها فى الوقت نفسه تقع أحيانًا فى فخ اليقين المطلق، فتتحول الآراء إلى أحكام نهائية، ويصبح الاختلاف مع الرأى الآخر تهمة، لا مجرد اختلاف فى وجهات النظر.

ولهذا، لا تبحث للمصريين عن كتالوج فلن تجده.

إنه شعب لا يكتفى بمشاهدة الأحداث.. بل يعيد إنتاجها بطريقته الخاصة ولهذا سيظل المصري، مهما اختلفت الظروف، عصيًا على التصنيف.. لأنه ببساطة، شعب ليس له كتالوج.

مقالات ذات صلة