تستعد آيسلندا لإجراء استفتاء تاريخي في 29 أغسطس (آب) المقبل حول استئناف مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، في خطوة تعكس تحولاً في المزاج العام مدفوعاً بتغيرات جيوسياسية وارتفاع تكاليف المعيشة. ورغم أن التصويت لن يعني انضماماً فورياً إلى الاتحاد، فإنه قد يفتح الباب أمام مفاوضات جديدة مع بروكسل بعد أكثر من عقد على تجميد طلب الانضمام.
ويُعدّ الاستفتاء بشأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أحد أبرز النقاشات التي تشهدها الدولة الواقعة في شمال أوروبا منذ استقلالها عن الدنمارك عام 1944.
تأثير مواقف ترمب من غرينلاند
عاد ملف الانضمام إلى الواجهة بعدما تراجع عنه عام 2015، إثر انحسار تداعيات الأزمة المالية العالمية، لكن التطورات الدولية الأخيرة، لا سيّما مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند، أعادت إحياء النقاش حول حاجة الدولة الواقعة في شمال الأطلسي إلى مظلة سياسية وأمنية أوروبية، وفق تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.
ويؤكد مؤيدو الانضمام أن الاقتصاد الآيسلندي يعاني من ارتفاع الأسعار وأسعار الفائدة، ويرون أن اعتماد عملة اليورو قد يخفف الضغوط المعيشية، ويمنح البلاد استقراراً أكبر، كما يشيرون إلى أن آيسلندا ترتبط أصلاً بالاتحاد الأوروبي عبر المنطقة الاقتصادية الأوروبية واتفاقية «شنغن»؛ ما يجعل العضوية الكاملة امتداداً طبيعياً للعلاقات القائمة.
السيادة والثروة السمكية
في المقابل، يتمسك المعارضون بفكرة الحفاظ على السيادة الوطنية، معتبرين أن استقلال القرار السياسي والاقتصادي كان أساس نجاح البلاد، وارتفاع مستويات الرفاهية فيها.
ويبرز قطاع الصيد بوصفه القضية الأكثر حساسية؛ إذ يشكل أكثر من 8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر آلاف فرص العمل. ويخشى الرافضون للانضمام أن يؤدي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إلى فقدان السيطرة على حصص الصيد، بما يهدد أحد أهم الموارد الاقتصادية للبلاد.
كما يعبّر بعضهم عن مخاوف من تأثير العضوية في الهوية الوطنية واللغة الآيسلندية، فضلاً عن خشيتهم من أن تصبح الدولة الصغيرة أقل قدرة على حماية مصالحها داخل الاتحاد.

خطوة أولى لا تعني العضوية
حتى إذا صوّتت الأغلبية بـ«نعم» للانضمام، فلن تصبح آيسلندا عضواً في الاتحاد الأوروبي تلقائياً، بل ستبدأ مرحلة جديدة من المفاوضات مع بروكسل، يليها استكمال متطلبات الانضمام، بما في ذلك بحث مسألة اعتماد اليورو.
ويرى الاتحاد الأوروبي أن انضمام آيسلندا سيشكّل إضافة مهمة، نظراً إلى أنها دولة غنية وديمقراطية مستقرة، ولن تكون عبئاً مالياً على ميزانية الاتحاد، بخلاف عدد من الدول المرشحة الأخرى.
تداعيات تتجاوز آيسلندا
يرى مراقبون أن نتيجة الاستفتاء قد تتجاوز حدود آيسلندا؛ إذ قد تؤثر في النقاش الدائر داخل النرويج بشأن علاقتها بالاتحاد الأوروبي، خصوصاً أنها تشارك آيسلندا عضوية المنطقة الاقتصادية الأوروبية واتفاقية «شنغن».
وتعكس هذه التطورات تحولاً أوسع في نظرة بعض الدول الأوروبية الغنية إلى الاتحاد، بعدما بات يُنظر إليه ليس فقط كشريك اقتصادي، بل أيضاً كضمانة سياسية وأمنية في ظل تصاعد التوترات الدولية.
وتشير استطلاعات الرأي إلى تقارب كبير بين مؤيدي الانضمام ومعارضيه، بينما يبقى الناخبون المترددون العامل الحاسم في الاستفتاء. وبين من يرى في الاتحاد الأوروبي ملاذاً يوفر الاستقرار، ومن يخشى التفريط بالسيادة والثروات الوطنية، تتجه آيسلندا إلى أحد أكثر القرارات المصيرية في تاريخها الحديث.



