قبل أن تصدر ثورة 23 يوليو 1952 قانون الإصلاح الزراعي بأقل من شهرين، كان الفلاح المصري قد أمضى ما يقرب من قرن ونصف يدفع ثمن سياسات جعلته الحلقة الأضعف في المجتمع؛ ضرائب باهظة، وسخرة، واحتكار للمحاصيل، وأرض يزرعها دون أن يملكها، لذلك لم يكن الإصلاح الزراعي مجرد قرار اقتصادي، بل جاء تتويجًا لمعاناة طويلة وثقها المؤرخون.
ويكشف الكاتب الصحفي والمؤرخ صلاح عيسى، في كتابه «هوامش المقريزي»، جانبًا من تلك المعاناة، موضحًا أن دولة محمد علي قامت على نظام الاحتكار الذي جعل الحكومة المشتري الوحيد لمحاصيل الفلاحين، ثم تعيد بيعها بأسعار أعلى، حتى الحبوب التي يحتاجها الفلاح لإطعام أسرته، ولم تكتفِ الدولة بذلك، بل كانت تصادر ما يدخره من غلال، بينما تواصل فرض الضرائب الباهظة عليه.
ويشير صلاح عيسى إلى أن الفلاح لم يكن يملك الأرض التي يزرعها، بل كان يعيش تحت وطأة الضرائب والعمل القسري، حتى اضطر كثيرون إلى هجر أراضيهم هربًا من الجباية، ليجدوا أنفسهم يعملون بالسخرة في الأبعديات والإقطاعيات التي مُنحت لكبار رجال الدولة.
ويستعرض الكتاب كذلك جانبًا من عهد عباس الأول، الذي شهد إغلاق المدارس، وتراجع الصناعة، وسيطرة الوشاة والجواسيس، في وقت استمرت فيه أوضاع الفلاحين على حالها، بينما بقيت الأرض والثروة الزراعية في يد قلة من كبار الملاك.
ويرى صلاح عيسى أن هذه السياسات المتراكمة صنعت واقعًا اجتماعيًا شديد القسوة، ظل يلاحق الفلاح المصري حتى النصف الأول من القرن العشرين، حيث تركزت ملكية الأراضي في أيدي فئة محدودة، بينما عاش ملايين الفلاحين بين الفقر والديون والعمل في أراضٍ لا يملكونها.
وعندما قامت ثورة 23 يوليو 1952، وضعت تغيير هذا الواقع في صدارة أولوياتها، فأصدرت في سبتمبر من العام نفسه قانون الإصلاح الزراعي الذي حدّد الحد الأقصى للملكية الزراعية، وأعاد توزيع مساحات من الأراضي على صغار الفلاحين، في خطوة استهدفت تقليص نفوذ الإقطاع وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية في الريف المصري.
وتكشف قراءة صلاح عيسى لهذه المرحلة أن الإصلاح الزراعي لم يكن قرارًا منفصلًا عن التاريخ، بل جاء استجابة لمعاناة امتدت منذ عصر الاحتكار والسخرة، حين كان الفلاح يدفع ثمن بناء الدولة من قوته وعرقه، حتى أصبحت ثورة يوليو نقطة تحول في علاقة الدولة بالريف، ومحاولة لإنهاء صفحة طويلة من الظلم الاجتماعي الذي عاشه الفلاح المصري.



