رياضة الجزيرة

الأمير الراحل في الذاكرة الموريتانية

باستدعاء تلك الذكريات، أحاول رسم صورة أمير أحب بلدي، وبدا في حبه له عاشقا للتراث، منفتحا على العصر وآليات حكمه الشوروية، يكره الروتين والتسويف، يحرص على الإنجاز، ويفكر من خارج الصندوق.

الأمير الراحل في الذاكرة الموريتانية
6 مشاهدة

اقرأ من المصدر

الجزيرة

زيارة المصدر

كم وددت لو تمكنت من تقديم التعزية مباشرة في الأمير الوالد الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله.

إن له علينا حقا ليس لأنه قائد سابق لبلد شقيق، وذلك حق أدته موريتانيا على أرفع مستوى من خلال رئيسها، بل لشعوري بأن له حقا علي، فقد كنت شاهدا على بعض ما يعتنق من وعي سياسي، وفكر غير تقليدي، وعلى حبه العميق لبلدي، وما يحمل من رؤية مستبصرة مستبشرة بمستقبله، لذلك سأجعل تعزيتي فيه اقتباسَ فقرات من ذكرياتي؛ التقطتها من مشكاة عنايته الخاصة بموريتانيا.

في يوم 12 ديسمبر/كانون الأول 2007، كلفني الرئيس الراحل سيدي محمد بن الشيخ عبد الله -رحمه الله- بإعداد دعوة للأمير لزيارة موريتانيا.

وفي 2 فبراير/شباط 2008، وصل سموه إلى نواكشوط مستهل زيارة لمدة يومين، وبداية جلسة القائدين فوجئت بالأمير يعانقني بحرارة، اعتبرتها بادئ ذي بدء بشاشة مرسلة مشاعة يبذلها لمن صافحه، لكنه ما لبث -وهو يمسك بيدي وقتا أطول من المعتاد- أن قال: تابعت لك منذ فترة مقابلة تلفزيونية، وقلت: هذا الرجل لا بد لي منه، وها أنا لقيتك.

واضح أن الأمير رسم، ما بين الضفتين، لوحة ذهبية مركبة عن شنقيط المضمخة بعبق التاريخ، وموريتانيا المتحفزة لافتراع أفق الحداثة من بوابة "الديمقراطية"، بطبعة عربية نادرة

بدأت الجلسة بأريحية وعفوية، وبدا الأمير منشرحا مسترسلا، قال كلاما طيبا عن موريتانيا، وطرح أفكارا، كان منها فكرتان تشيان بوعي ثقافي وسياسي مخضرم.

إحداهما حلمه برؤية مدينة شنقيط وقد أصبحت في ثلاث سنوات مثابة لنصف مليون نسمة، لهم معايشهم ونشاطاتهم المنتجة. هنا تجلت شخصية القائد السياسي الذي يمنح نفسه حق الحلم المجنح (الانتقال في سنوات قليلة من 5000 نسمة إلى ضعفها 100 مرة!)، حتى نحن الذين حملنا على مدى قرون بفخر سمة "الشناقطة"، لم نحلم به، لكن الأمير الذي أراد القول ضمنا إنه فخور بإشعاع شنقيط، أذن لنفسه بالحلم، ووعد بالعمل بجد لتحقيقه.

وقبل أن ننعتق من أسر الحلم الكبير المجنح بعشق التراث والتاريخ، فاجأنا بفكرة أخرى من ضفة الحداثة، قال: أريد أن أبني أكبر صرح برلماني عربي هنا، اعتزازا بديمقراطيتكم. هنا تجلى الوجه الآخر: أمير عاشق لديمقراطية، قد تكون مستوردة في زيها، لكن روحها (الشورى) أصيلة عتيقة.

لقد هزته واقعة تداول سلمي على السلطة، حين تنازل الرئيس الراحل اعلي بن محمد فال ورفاقه العسكريون وحكومته، وقبلوا ألا يترشح أي منهم لأي منصب انتخابي، مكتفين بتنظيم أول انتخابات حرة تعددية يتنافس فيها مرشحون لا يحكم أي منهم.

واضح أن الأمير رسم، ما بين الضفتين، لوحة ذهبية مركبة عن شنقيط المضمخة بعبق التاريخ، وموريتانيا المتحفزة لافتراع أفق الحداثة من بوابة "الديمقراطية"، بطبعة عربية نادرة.

وعاد الأمير ليؤكد انفتاحه على موريتانيا واستعداده للمضي بعيدا في التعاون معها، وطلب إعداد ملفات المشروعات الملحة، قبل أن يطرح فكرة أخرى غير تقليدية: "لا نريد أن تتيه ملفاتنا في دهاليز الإدارة. نريد أن تعينوا شخصا واحدا يكون مسؤولا عن جميع ملفات التعاون من طرفكم، وسنفعل نفس الشيء من طرفنا".

والتفت إلى الرئيس، وكأنه يريد ألا تضيع دقيقة انتظار، فرد الرئيس: من جانبنا سيكون فلان (يعني كاتب السطور) نقطة الاتصال، ورد الأمير فورا: ومن جانبنا سيكون سعد الرميحي -كاتبه الخاص- وفي ذلك إشارة إلى أنه سيتابع شخصيا الملفات، ولعل الرئيس قرر تكليفي بالملف، لما رأى من اهتمام الأمير بي، بالرغم من أنني لم ألتق به ولا مرة قبل ذلك التاريخ.

صباح اليوم الموالي، حضر الأمير نشاطا في قصر المؤتمرات، وكان من المقرر أن يتناول ووفده العشاء، في بادية تحت الخيام، قرب الأطلسي، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان، فما إن انتهى نشاط الصباح، حتى قرر السفر فورا.

فوجئت بالخبر، وهاتفت الرئيس فأكد أن الأمير أصر أن لا يودع، واتصلت بالسفير القطري فقال إن الأمر عادي، فالأمير كثيرا ما يتفادى القيود المراسيمية، كما فعل في بلد عربي آخر، ربما كان ذلك صحيحا، وكان تجليا من تجليات الفكر غير التقليدي لهذا الأمير.

عاد الأمير ليؤكد انفتاحه على موريتانيا واستعداده للمضي بعيدا في التعاون معها، وطلب إعداد ملفات المشروعات الملحة، قبل أن يطرح فكرة أخرى غير تقليدية: "لا نريد أن تتيه ملفاتنا في دهاليز الإدارة. نريد أن تعينوا شخصا واحدا يكون مسؤولا عن جميع ملفات التعاون من طرفكم، وسنفعل نفس الشيء من طرفنا"

بالرغم من ذلك، انطلقنا في تحضير ملفات التعاون، وبينما كنا نعمل بجد، دعاني الرئيس أواسط يونيو/حزيران، وأخبرني أن الأمير اتصل به، يريد حضوري سريعا لنتابع ملفات التعاون، قبل سفره في إجازته الصيفية. هنا أيضا تجلت روح المبادرة وصدق الالتزام عند الأمير، واطمأننا إلى أنه لم يغادر موريتانيا بانطباع سلبي يؤثر على وعوده.

حملني الرئيس رسالتين؛ إحداهما مكتوبة، وأخرى شفهية تحمل طمأنة للأمير على الوضع الأمني، وسافرت إلى الدوحة، واستقبلني الأمير أول أيام الزيارة (23/6/2008)، وكان ذلك -مع الأسف أيضا- آخر لقاء بيننا، وبمجرد تبادل التحيات المعهودة، بادرني بالسؤال: أين أرض البرلمان؟

فقلت: جاهزة، وقدمت له الرسالة الخطية، وما إن قرأها ورفع نظره حتى بدأت أحدثه عن الوضع الأمني، مركزا على ما يدعو للاطمئنان، فقاطعني بلهجة حازمة: "صدقني، ديمقراطيتكم كفيلة بإنهاء المشكلة"، وقال إن قطر عانت من ظاهرة "الإرهاب" والغلو، وعالجتها بالحوار وبتوضيح حكم الشرع، ونصح بأن نتبع المنهج ذاته.

كلف الأمير معاونيه بتنسيق تنفيذ مبنى البرلمان مباشرة، ثم سأل عن الجامعة التي وعد ببنائها، ووجه بلقاء رئيس جامعة قطر لحسم الموضوع، ثم انتقلنا إلى الحلم الأميري لمدينة شنقيط، هنا قلنا للأمير إننا نحتاج إلى دراسات حول الموارد المائية الجوفية المتاحة لضرورتها لأي حركة عمرانية كثيفة، فعلق بأنهم سيتولون إجراء الدراسة، ووجه ابنته المياسة بالمتابعة.

وفي ملفات أخرى، كان الأمير يعطي التعليمات ويحدد المسؤول المعني ويأمر بترتيب لقاء لنا معه، ووجه القطاع الخاص بمواكبة الدولة في انفتاحها الكبير على موريتانيا.

وقال إن بعض المسؤولين القطريين لا يشاركونه الرأي، لكنه متمسك به، وكان مما ذكر أنه عرضت عليه مخططات مشروع الديار القطرية، فلم يرتح لمستوى الفندق المدرج في المخطط، وأنهم تعللوا بصغر البلد وأنه ليس سياحيا، قال: قلت لهم: "كم سكان قطر؟ وكم سكان موريتانيا؟" في إشارة واضحة إلى أنها أوسع مساحة وأكثر سكانا، قال: وسألتهم: "كيف كانت قطر قبل 20 عاما؟ وكيف أصبحت اليوم؟" في إشارة إلى ما يتوقع من النمو لموريتانيا، ثم قال: قلت لهم: "إنكم لا ترون مستقبل موريتانيا!".

ولأنه كان يرى هذا المستقبل بعين متفائلة، فقد أخبرنا أنهم مستعدون لبناء المطار الدولي الجديد، مع شبكة من المرافق السياحية الداعمة، لتكون نواكشوط -كما يراها- نقطة ربط محورية بين الأمريكتين وآسيا، بل وبين أوروبا وأفريقيا أيضا، ولتستفيد الخطوط القطرية من هذه الميزة.

وانتهى اللقاء دون توجيه من الأمير بشأن قطاع الزراعة، لكن ما إن عدت إلى الفندق حتى زارني مسؤول كلفه الأمير بإبلاغي رغبة قطر في الاستثمار "على وجه الاستعجال" في مشروع زراعي رعوي يحقق الأمن الغذائي لموريتانيا أولا، ويصدر لقطر ثم للعالم، فقدمت إليه ملفات، وعد بمتابعتها سريعا. وهنا أيضا تأكدت جدية الأمير وحرصه على سرعة الإنجاز.

وهكذا تحولت الزيارة إلى لقاءات عمل مكثفة رتبها الديوان الأميري مع عدد من المسؤولين، وكانت على مائدة المحادثات حقيبة مشروعات واسعة منها طلب بزيادة الوديعة المصرفية القطرية لدى البنك المركزي، ومشروعات لمناجم الحديد والغاز والطيران والشؤون الإسلامية والسياحة والتعليم والمياه والشباب، وغيرها.

لأنه كان يرى هذا المستقبل بعين متفائلة، فقد أخبرنا أنهم مستعدون لبناء المطار الدولي الجديد، مع شبكة من المرافق السياحية الداعمة، لتكون نواكشوط -كما يراها- نقطة ربط محورية بين الأمريكتين وآسيا، بل وبين أوروبا وأفريقيا أيضا، ولتستفيد الخطوط القطرية من هذه الميزة

أثناء النقاش تأكد لنا ما ذكره الأمير من أن بين المسؤولين من لا يشاطره رؤيته للتعاون مع موريتانيا، ولكنهم جميعا أكدوا التزامهم بتوجيهه، فكانت التزامات وزارة المالية بزيادة الوديعة وبتنفيذ المشاريع المشتركة في الطيران، وكذلك التزامات هيئة متاحف قطر ووزارة الأوقاف، وشركة قطر للحديد، وغيرها. وبترتيب من الديوان التقينا أيضا بمجموعة من رجال الأعمال التزموا باستثمارات ضخمة.

وبعد العودة، تلقيت رسالة من المنسق القطري تؤكد التزامه بمتابعة سائر الملفات طبقا لتوجيه الأمير، وتلقينا رسائل أخرى بشأن وفود قطرية كان من المقرر أن يصل أولها يوم 12/8، لكن حادثا طرأ عندنا 6 أيام قبل الموعد أدى فيما يبدو إلى تأجيل الزيارة وأخواتها، دون أن يؤثر ذلك على ما تكشف لنا قبلئذ من سمات الراحل القيادية، ومن تحمسه الكبير لموريتانيا.

الواقع أن جذوة تلك العناية لم تخبُ، فقد ظلت قطر وما تزال مستمسكة بحبل ود خاص لموريتانيا، مثلها مثل شقيقاتها الخليجيات، وكان مما ميزها جمعها بين ما يبدو متعارضا، فقد أكرمت نزل الرئيس الموريتاني الأسبق معاوية بن الطايع، واحتضنت الراحل اعلي بن محمد فال، رحمه الله -وهو الذي قاد موريتانيا بعد الانقلاب على معاوية- بتعيينه عضوا في مجلس أمناء المؤسسة العربية للديمقراطية.

باستدعاء تلك الذكريات، أحاول رسم صورة أمير أحب بلدي، وبدا في حبه له عاشقا للتراث، منفتحا على العصر وآليات حكمه الشوروية، يكره الروتين والتسويف، يحرص على الإنجاز، يفكر من خارج الصندوق، يحمل طموحا غير محدود، يستشرف المستقبل، ويتمثل ضمنا بقول الشاعر:

إذا كان ما تنويه فعلا مضارعا *** مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم

لقد كان شخصية غير نمطية، ذات وعي خاص وفكر غير تقليدي، من تجلياته قصة الجزيرة التي ضاعفت منزلة قطر أضعافا كثيرة، وتنازله طواعية عن العرش، لكن منها أيضا الملف الذي سردنا بعض عناوينه، قصة شاهدة، وطريقة في التأبين، نقول بها: لئن كان قد رحل، لقد بقي حيا في الذاكرة، وقديما قال شوقي:

فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها *** فالذكر للإنسان عمر ثانِ

بل قال أصدق القائلين على لسان أبي المسلمين عليه السلام: ﴿وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ﴾.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

العلامات

مقالات ذات صلة