استطاع الفنان علي قاسم أن يخطف الأنظار من خلال شخصية "يكن" ضمن أحداث فيلم "أسد" الذي حقق نجاح كبير منذ طرحه بالسينمات ضمن موسم أفلام عيد الأضحى المبارك الماضي، وكشف خلال حواره مع "الدستور" عن أبعاد الشخصية وكواليس ترشيحه للعمل وسبب مشاركته، والصعوبات التي واجهتهم خلال التصوير وأكثر المشاهد المقربه له، كما تحدث عن تجربته بشكل عام في العمل وتعاونه مع المخرج محمد دياب.
في البداية.. كيف جاءت مشاركتك في فيلم "أسد"؟
الحقيقة فكرة انضمامي إلى الفيلم بدأت منذ عامين، في ذلك الوقت تواصل معي المخرج محمد دياب، وكان يتحدث عن شخصية كنت أعرفها بالفعل لأنني سبق أن قرأت معالجة أو نسخة مبكرة من العمل، وكانت الشخصية تحمل اسم "شريف" وقتها، عندما تواصل معي هاتفيًا قال لي إنه استغرق وقتًا طويلًا في كتابة هذه الشخصية، وطلب مني أن أقرأ النسخة الجديدة من السيناريو ثم نجلس لنتحدث عنها مباشرة، بالفعل قرأت النص، ووجدت أن الشخصية مرت بتغيرات كثيرة جدًا مقارنة بما كنت أعرفه سابقًا.
واخبرني محمد دياب بضرورة التحضير للشخصية خلال خمسة أسابيع فقط قبل التصوير، وبعد انتظار دام عامين تقريبًا وصل المشروع أخيرًا إلى مرحلة التنفيذ، خلال هذه الفترة الطويلة تطورت الشخصية بشكل كبير جدًا..
ما التغيرات التي طرأت على الشخصية خلال مراحل الكتابة المختلفة؟
التغييرات كانت كثيرة جدا، فمثلا في البداية كانت الشخصية تحمل اسم "شريف"، ثم تحولت لاحقًا إلى "يكن"، المثير أن قرار تغيير الاسم النهائي جاء حتى قبل التصوير مباشرة، أتذكر أن محمد دياب ابلغني إنه يفكر في تغيير الاسم لأنه أصبح يرى أن اسم "يكن" أكثر تعبيرًا عن الشخصية وعن عالم الفيلم.
ومن الأشياء التي أحبها جدًا في العمل مع محمد دياب أنه لا يتعامل مع الممثل باعتباره منفذًا فقط، بل يفتح باب النقاش والاستماع، ويشارك أفكاره باستمرار، وفي الوقت نفسه يستمع إلى وجهة نظر من يناقشه، فعندما طرح فكرة تغيير الاسم، شرح لي أسباب اختياره وطلب مني أن أبدي رأيي بين أكثر من احتمال، وفي النهاية اخترت اسم "يكن"، وشعرت بالفعل أنه الأقرب للشخصية.
لكن التغيير لم يكن في الاسم فقط، بل في البناء النفسي والدرامي أيضًا، الشخصية أصبحت أكثر تركيبًا وعمقًا مع كل نسخة جديدة من السيناريو، إلى أن وصلت في النسخة النهائية إلى مستوى مختلف تمامًا من التعقيد.
هل كنت ترى "يكن" شخصية شريرة منذ البداية؟
الحقيقة أنني لا أحب كثيرًا تصنيف الشخصيات بشكل مباشر إلى "شرير" و"طيب". أشعر أن هذه التصنيفات تبسط الأمور أكثر من اللازم، عندما أتعامل مع أي شخصية أحاول دائمًا أن أبحث عن المنطقة الرمادية داخلها، لأن البشر في الواقع ليسوا أبيض أو أسود بشكل كامل.
وفي حالة "يكن"، كان من الصعب بالنسبة لي أن أتعامل معه باعتباره شريرًا مطلقًا، وربما إذا نظر إليه المشاهد من الخارج قد يراه كذلك، لكن من الداخل هناك دوافع وظروف وتكوين نفسي معقد، وبالنسبة لي شخصيًا لا أؤمن بفكرة الشر المطلق، دائمًا أرى أن هناك أسبابًا دفعت الإنسان إلى أن يصبح على الصورة التي نراها.
لذلك أثناء التحضير للشخصية كنت أبحث باستمرار عن اللحظة التي تحول فيها هذا الإنسان إلى ما هو عليه الآن، وما الظروف التي ساهمت في تشكيله، وهذا الأمر كان أمر مهم جدًا بالنسبة لي كممثل.
كيف تنظر إلى شخصية "يكن" من منظور إنساني؟
أعتقد أن الفيلم نفسه يمنح المشاهد فرصة لرؤية الشخصية من هذا المنظور، بالنسبة لي، "يكن" ليس مجرد شخص يسعى إلى إلحاق الأذى بالآخرين، بل هو إنسان نتاج بيئة معينة وزمن معين وظروف محددة جدًا.
يمكن أن نقول إنه ضحية نظام أو ضحية عصر وقوانين اجتماعية فرضت عليه نمطًا معينًا من الحياة، هو شخص يحاول أن ينجو وأن يحقق مصالحه ويستمر في البقاء، ومن هنا تبدأ اختياراته التي قد تبدو قاسية أو صادمة للآخرين.
ما أعجبني في الفيلم أنه يبدأ وينتهي مع "يكن" بطريقة تسمح للجمهور بفهم رحلته كاملة، لا يكتفي بتقديمه كشخصية أحادية البعد، بل يحاول استكشاف دوافعه وتحولاته وصراعاته الداخلية.
هل حاولت أن تجعل الجمهور يتعاطف مع الشخصية؟
بالتأكيد، فأي ممثل عندما يؤدي شخصية ما يحاول أن يجعل الجمهور يفهمها على الأقل، حتى لو لم يتفق معها، وبالنسبة لي، التعاطف لا يعني التبرير، وإنما يعني أن يرى المشاهد الإنسان الموجود خلف الأفعال.
وأنا دائمًا أحاول أن أجد المدخل الذي يجعل الجمهور يشعر بأن هذه الشخصية حقيقية وليست مجرد رمز أو فكرة، قد تنجح المحاولة أو تفشل، لكن المهم أن أبذل هذا الجهد أثناء الأداء.
وعندما ألعب شخصية قد يعتبرها البعض شريرة، فإنني لا أتعامل معها من هذا المنطلق، بل ألعبها باعتبارها إنسانًا له دوافعه الخاصة ورؤيته للعالم، لأنه من الصعب أن تجد شخصًا يرى نفسه شريرًا داخل القصة التي يعيشها.
هل شاركت في تصميم شكل الشخصية الخارجي؟
بصراحة لا، فكثير من الناس قد يعتقدون أن الممثل يتدخل في تفاصيل الشكل الخارجي بشكل كبير، لكن في حالة "يكن" لم يكن لي أي دور تقريبًا في هذه المسألة.
في تلك الفترة كان شعري طويلًا، وتعمدت ألا أقصه لأنني كنت أنتظر رؤية الاتجاه الذي سيختاره فريق العمل للشخصية، ذهبت إلى جلسات التحضير وتجارب الملابس دون أن أكون قد حسمت أي شيء يخص المظهر.
وفي النهاية فوجئت بأن هناك تصورًا متكاملًا جاهزًا للشخصية من حيث الملابس والشعر والشارب وكل التفاصيل البصرية الأخرى، هذه الرؤية كانت نتيجة عمل مشترك بين محمد دياب والمنتجة ليلى العدل وفريق العمل الفني.
لذلك أستطيع القول إن نسبة مساهمتي في الشكل الخارجي للشخصية كانت منعدمة تقريبًا، كل هذه التفاصيل جاءت من رؤية صناع الفيلم، وأنا وثقت فيها بالكامل.
وماذا عن الشكل النهائي للشخصية؟
اعجبت به جدًا، وعندما رأيت النتيجة النهائية شعرت أن الشكل يخدم الشخصية بصورة ممتازة، أحيانًا يكون المظهر الخارجي مجرد عنصر تجميلي، لكن في بعض الأعمال يصبح جزءًا من الحكاية نفسها، وهذا ما حدث مع "يكن".
وكل تفصيلة كانت مدروسة بعناية، بدءًا من الملابس وصولًا إلى طريقة تصفيف الشعر. هذا الاهتمام بالتفاصيل ساعدني كممثل على الدخول إلى عالم الشخصية بشكل أسرع.
هل هناك مشاهد معينة تعتبرها الأقرب إلى قلبك في العمل؟
الحقيقة أن هناك عددًا كبيرًا من المشاهد التي أحبها جدًا، ولذلك من الصعب أن أختار مشهدًا واحدًا فقط، هناك مشاهد جمعتني بشخصيات مختلفة داخل الفيلم وشعرت أثناء تصويرها بأنها تحمل قيمة درامية وإنسانية كبيرة.
بعض هذه المشاهد كنت مدركًا أثناء التصوير أنها ستكون مؤثرة جدًا على الشاشة، لأنها تعتمد على مشاعر حقيقية وصراعات قوية بين الشخصيات، كما أن هناك مشاهد تطلبت تركيزًا عاليًا جدًا بسبب تعقيدها النفسي، لذلك لا أستطيع أن أقول إن هناك مشهدًا واحدًا هو المفضل بالنسبة لي، بل هناك مجموعة كبيرة من اللحظات التي أعتز بها داخل الفيلم.
ما الذي جذبك للمشاركة في الفيلم؟
أكثر ما جذبني هو طبيعة التجربة نفسها، أنا دائمًا أبحث عن الأعمال التي تقدم لي شيئًا جديدًا كممثل، وفي "أسد" شعرت أن هناك مساحة لاستكشاف منطقة مختلفة لم أقترب منها من قبل بالشكل نفسه.
والفيلم يتعامل مع الزمن والحكاية والشخصيات بطريقة غير تقليدية، وهذا أمر يثير حماسي دائمًا، عندما أجد مشروعًا يقدم تحديًا جديدًا أو يضعني أمام أسئلة لم أواجهها سابقًا أشعر برغبة كبيرة في خوض التجربة، كما أن العمل مع محمد دياب كان سببًا مهمًا في حماسي للمشروع، لأنني كنت أرغب منذ فترة طويلة في التعاون معه كمخرج.
ماذا عن تعاونك مع المخرج محمد دياب؟
فيلم "أسد" كانت أول تجربة مباشرة بيننا كمخرج وممثل، لكن علاقتي بعائلة دياب بدأت قبل ذلك بسنوات من خلال مسلسل "طايع"، الأخوان "دياب" كانا من كتاب العمل، وأعتبر أن هذا المسلسل كان نقطة تحول مهمة جدًا في حياتي المهنية.
دوري في "طايع" منحني فرصة كبيرة للوصول إلى الجمهور، ولذلك أشعر بالامتنان لهذه التجربة دائمًا، ومن هنا جاءت رغبتي في التعاون مع محمد دياب عندما سنحت الفرصة.
هل تختلف متعة أداء شخصية مركبة عن التقليدية؟
بالتأكيد، الشخصيات المركبة تمنح الممثل مساحة أكبر للاكتشاف واللعب والتجريب، عندما تكون الشخصية مليئة بالتناقضات والصراعات الداخلية يصبح لديك مجال أوسع للبحث عن تفاصيل صغيرة تضيف إليها عمقًا، في المقابل، الشخصيات الإيجابية التقليدية قد تكون أكثر صعوبة أحيانًا لأنها تحتاج إلى إيجاد جوانب إنسانية تجعلها حقيقية وغير مثالية بشكل مبالغ فيه.
لذلك لا أعتقد أن هناك نوعًا أفضل من الآخر، لكن الشخصيات المركبة عادة ما تمنح الممثل أدوات أكثر للتعبير.
هل شعرت بحرية أكبر لأن الشخصية لا تحتاج إلى كسب تعاطف الجمهور طوال الوقت؟
ربما إلى حد ما، عندما تؤدي شخصية لا يشترط أن يحبها الجميع تشعر أحيانًا بحرية أكبر في التعبير عن جوانبها القاسية أو المتطرفة، لكن في النهاية أنا لا أتعامل مع الأمر بهذه الطريقة، وهدفي دائمًا هو أن أجعل الشخصية مقنعة وحقيقية، إذا أحبها الجمهور فهذا جيد، وإذا اختلفوا معها فهذا أيضًا جيد، المهم أن يشعروا بأنها شخصية حية وليست مجرد رسم كاريكاتيري، وأعتقد أن النجاح الحقيقي لأي ممثل هو أن يجعل الجمهور يفكر في الشخصية بعد انتهاء الفيلم، سواء أحبها أو كرهها.
ماذا عن تجربتك في العمل؟
استمتعت جدًا بهذه التجربة، وتعلمت الكثير منها، فكل مشروع يضيف إليك شيئًا جديدًا، لكن "أسد" تحديدًا كان تجربة مختلفة على مستويات عديدة، تعلمت من طريقة محمد دياب في إدارة الممثلين، ومن حجم التفاصيل التي يوليها اهتمامًا داخل العمل، كما تعلمت أشياء كثيرة عن نفسي كممثل، واكتشفت مناطق جديدة يمكنني العمل عليها وتطويرها في المستقبل، لذلك أشعر بالامتنان الشديد لهذه التجربة.
كيف استقبلت ردود الأفعال حول الفيلم؟
أنا راضي جدًا عن التجربة وممتن لكل من شارك فيها، بالطبع أي ممثل يرى دائمًا أن هناك أشياء يمكن تحسينها أو تطويرها، وهذا أمر طبيعي، لكنني أشعر أنني بذلت كل ما أستطيع تقديمه للشخصية، وأتمنى أن يحقق الفيلم ما يتمناه محمد دياب وفريق العمل بالكامل، لأن الجميع بذل جهدًا كبيرًا جدًا خلال سنوات طويلة من التحضير والتنفيذ.
وفي النهاية أرحب دائمًا بآراء الجمهور والنقاد، لأن أي ملاحظة أو نقد موضوعي يساعد الفنان على التطور والنمو، بالنسبة لي، "أسد" تجربة مهمة جدًا في مسيرتي، وسأظل ممتنًا لها مهما كانت ردود الأفعال، لأنها منحتني فرصة لتقديم شخصية مختلفة ومعقدة ومليئة بالتحديات الفنية التي أبحث عنها دائمًا.




