ثقافة جريدة الدستور

ياسمين فراج: مصر تمتلك كل مقومات الريادة "3_3"

في الجزء الثالث من حوارنا، تواصل الكاتبة والناقدة الموسيقية الدكتور ياسمين فراج قراءتها للمشهد الثقافي والفني المصري، متوقفة عند تراجع

ياسمين فراج: مصر تمتلك كل مقومات الريادة "3_3"
19 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الدستور

زيارة المصدر

في الجزء الثالث من حوارنا، تواصل الكاتبة والناقدة الموسيقية الدكتور ياسمين فراج قراءتها للمشهد الثقافي والفني المصري، متوقفة عند تراجع الدور الثقافي لمصر عربيًا، وأزمة الإدارة داخل المؤسسات الثقافية، وغياب الفنان الأيقونة القادر على التعبير عن قضايا مجتمعه. 

كما تتحدث عن دور الإعلام في دعم الموسيقى المصرية، وأزمة المسرح، وانحياز بعض المؤسسات إلى أسماء بعينها، إلى جانب تأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على التأليف الموسيقي، ومقارنة واقعنا الراهن بإرث أسماء كبرى مثل سيد درويش ومحمد عبد الوهاب، وتطرح فراج أسئلة صريحة حول مستقبل الثقافة والفن وقدرة مصر على استعادة موقعها الريادي.

تحدثتِ عن تراجع الدور الثقافي لمصر عربيًا، وربطتِ ذلك بصورة المثقف والفنان وبالدور الذي تؤديه الدولة في دعم الثقافة. إلى أي مدى ترين أن مصر أصبحت تنظر إلى نفسها باعتبارها أقل من حجمها الحقيقي؟

المشكلة أننا ننظر إلى أنفسنا أحيانًا باعتبارنا أقل من حجمنا الحقيقي، بينما العالم من حولنا ما زال ينظر إلى مصر باعتبارها دولة ذات ثقل ثقافي كبير، المسألة تبدأ من الدولة نفسها، ومن الصورة التي تقدمها عن ثقافتها ومثقفيها، عندما يكون حجمك الثقافي كبيرًا تكون معاملتك مختلفة، وتكون دعوتك إلى المهرجانات والفعاليات الدولية على مستوى هذا الحجم، أما عندما يتراجع حضورك الثقافي فإنك تجد نفسك مضطرًا إلى الذهاب على نفقتك الخاصة، بدلًا من أن تكون الدولة هي التي تدعو وتتحمل مسؤولية تقديمك باعتبارك جزءًا من قوتها الناعمة.

وأنا هنا لا أعني ولا أعتقد أن دور مصر الريادي في المنطقة يمكن أن ينتهي، لكن  علينا التأكيد  والإشارة الى ان «الامتداد الثقافي» لمصر، يتراجع بصور مختلفة خاصة عندما لا نُحسن إدارة صورتنا الثقافية.

تحدثتِ عن ممارسات داخل المجال الثقافي تسهم في تقزيم صورة مصر، فما أبرز هذه الممارسات؟

نعم، وهناك أمثلة كثيرة. أحيانًا نرى مخرجًا بعينه يحصل على الجوائز لثلاث أو أربع سنوات متتالية، رغم أن المستوى الفني لبعض أعماله لا يبرر ذلك، وكأننا أمام عملية تلميع لشخص ما بهدف تقديمه لاحقًا إلى منصب أو موقع، المشكلة ليست في شخص بعينه، وإنما في طريقة إدارة المشهد.

وهناك أعمال حين تُعرض في الخارج لا تُقبل أصلًا، بينما تحصل في الداخل على جوائز واحتفاء كبير. كيف يمكن أن يكون العمل غير قادر على المنافسة خارج مصر، ثم نقدمه في الداخل باعتباره إنجازًا مصريًا؟ هذا في رأيي ضرب للثقافة المصرية من الداخل، وليس من الخارج.

هل ما زالت مصر تملك المقومات التي تؤهلها للصدارة الثقافية؟

لاشك في ان مصر ما زالت تملك كل المقومات التي تؤهلها لتكون في صدارة المشهد الثقافي العربي، نحن الدولة التي تمتلك مسارح في عدد كبير من المناطق، ودور عرض سينمائي، وبنية ثقافية تراكمت عبر عقود. المشكلة أننا لا نحسن استثمار ما نملكه، ونقزّم أنفسنا بأنفسنا.

ويجب على الدولة أن تحافظ على بنيتها التحتية الثقافية، وألا تتعامل معها باعتبارها شيئًا يمكن التفريط فيه أو بيعه. الثقافة ليست ملكًا لأشخاص، ولا يجب أن تختزل مؤسسة ثقافية كاملة في أسماء بعينها أو في دائرة محدودة من العلاقات.

هل تعتقدين أن المجتمع المصري ما زال يمثل كتلة ثقافية واحدة كما كان في الماضي؟

المصريون لم يعودوا كتلة واحدة كما كانوا في فترات سابقة، نحن الآن عدة كتل اجتماعية وثقافية، وكل كتلة تسمع وتشاهد وتستهلك ما يتناسب مع ثقافتها وتعليمها وبيئتها.

في الماضي كان المصريون يجتمعون على أصوات ورموز مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وشادية، اليوم نفتقد الفنان «الأيقونة»، وليس المقصود بالأيقونة لقبًا تمنحه جهة ما لفنان، وإنما الأيقونة تُصنع بالموقف والتاريخ والتأثير في المجتمع.

هل لدينا اليوم ما يكفي من النجوم لصناعة هذا المعنى؟

لدينا أسماء مهمة وموهوبة، لكن هل يكفي أن يكون لدينا ثلاثة أو أربعة أسماء في بلد بحجم مصر وتعدادها السكاني؟ لدينا على سبيل المثال منير والحجار وأنغام وغيرهم، وهناك بالفعل أسماء مدهشة، لكن صناعة الأيقونة تحتاج إلى عوامل أخرى، في مقدمتها الموقف الاجتماعي والمسؤولية العامة للفنان.

ما الذي يصنع الفنان الأيقونة في رأيك؟

أولًا موقفه الاجتماعي، وما يقوله في تصريحاته أمام الناس، الفنان شخصية عامة، ولذلك يجب أن تكون تصريحاته مسؤولة، لا يصح أن يخرج فنان ليتحدث عن أجره بالملايين في مجتمع يعاني أزمات اقتصادية، خصوصًا أن الحديث لم يعد محدودًا كما كان في الماضي، فاليوم كل شيء ينتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والفنان يتحدث إلى مجتمع كامل وفي فضاء مفتوح.

ثانيًا: سلوك الفنان. هناك فرق بين سلوكه الشخصي، الذي لا شأن للجمهور به، وبين السلوك الذي يقدمه أمام الناس والإعلام. الفنان مسؤول عما يظهر منه أمام جمهوره، لأن الجمهور يتعامل معه بوصفه رمزًا.

وثالثًا: الموقف الوطني، كان للفنانين في مراحل مختلفة مواقف وطنية واضحة، سواء في عهد الملكية أو بعد ثورة يوليو أو خلال النكسة أو في فترات الانتصار، كان الفنان يشعر بأن له دورًا تجاه بلده، اليوم أريد أن أسأل: ماذا قدم بعض الفنانين للوطن؟ كم فنانًا أنشأ مدرسة؟ كم فنانًا شارك في بناء مستشفى؟ كم فنانًا جعل من نجوميته وسيلة لخدمة مجتمعه؟

نحن  لا نحتاج إلى فنانين يتحدثون عن الوطنية فقط، وإنما نحتاج إلى فنانين يمارسونها فعلًا.

هل ترين أن العلاقة بالسلطة أصبحت شرطًا لصناعة النجومية؟

للأسف، هناك في السنوات الأخيرة نماذج توحي بأن الاقتراب من السلطة أصبح أحد مسارات صناعة النجومية. وأنا سبق أن تحدثت عن ذلك، وأرى أن بعض المواقف لا تنشأ إلا من الرغبة في الاقتراب من السلطة، أو في المقابل من محاولة الحفاظ على الشعبية.

لكن الفنان الحقيقي لا ينبغي أن يكون تابعًا لأي طرف، عليه أن يحتفظ باستقلاليته، وأن يكون له موقف واضح، وأن يحترم جمهوره ووطنه.

ما دور الإعلام الرسمي والمستقل في الحفاظ على الموسيقى المصرية، أو في هدمها؟

الإعلام الرسمي كان له دور إيجابي مهم، خاصة حتى فترة التسعينيات. كانت هناك برامج موسيقية وثقافية جادة، وكانت هناك تجارب تقدم الموسيقى العربية وتعرّف الجمهور بالقيمة الفنية الحقيقية، كانت هناك برامج مرتبطة بمسؤولين لديهم رؤية ثقافية، وكانت الرسالة واضحة: أن نعرّف الناس بمصر وبفنها وتاريخها.

لكن هذا الدور تراجع بشدة مع الوقت، وأصبحنا نفتقد تلك المساحة الإعلامية التي كانت تربط الجمهور بالثقافة والفن الحقيقي. حتى المحاولات التي تُقدم اليوم لا تملك التأثير نفسه الذي كان موجودًا في الماضي.

بحكم علاقتك بالأكاديمية والمسرح العربي، كيف ترين المشهد المسرحي المصري مقارنة بالمشهد العربي؟

المسرح العربي لديه تجارب متميزة، سواء في المغرب أو تونس أو الإمارات أو عمان، وهناك تجارب تستحق التوقف أمامها، خصوصًا في علاقتها بالثقافة الشعبية، لكن على الرغم من ذلك ما زالت مصر الأفضل إنتاجًا من حيث عدد العروض المسرحية، ولدينا جهات إنتاج كثيرة، وكتاب كبار، وبعض الكتاب الشباب الواعدين.

مشكلتنا أننا نحتاج إلى تطوير خشبات المسارح، وإتاحة فرص أكبر لتقديم العروض المصرية، لأن المسرح صناعة تقوم على تكامل الأجيال.

هل ترين أن هناك انحيازًا إلى شريحة محددة من الشباب على حساب أجيال أخرى؟

نعم، وأنا أرى أن الإدارة الفنية للمسرح في مصر أصبحت منحازة إلى شريحة بعينها من الشباب، وإلى أسماء محددة من المخرجين والمؤلفين والممثلين، على حساب جيل الوسط وجيل الكبار الذين صنعوا تاريخ المسرح المصري وحصلوا على جوائز لمصر في الخارج.

ماذا يريد المسؤولون في مسارح الدولة من إتاحة الفرصة لهذه الشريحة بعينها دون غيرها، حتى من أبناء الجيل نفسه؟ ولماذا لا تُفتح الأبواب أمام مختلف الأجيال؟

وأقول شيئًا صريحًا: لا يصح أن يظل مسرح مثل المسرح القومي محجوزًا ثلاث أو أربع سنوات لعرض واحد فقط. هذا فقر وعجز في الإدارة. كيف يظل مسرح كبير بهذه القيمة عاجزًا عن تقديم أكثر من عرض خلال سنوات؟ لدينا كتاب ومخرجون وممثلون وطاقات كثيرة، فلماذا تُغلق أمامهم الخشبة؟

أين تكمن المشكلة الأساسية؟

الناس موجودة، والطاقات موجودة، والجمهور موجود، لكن أسلوب الإدارة في المجال الثقافي متحيز، وهذا أمر أراه بوضوح. وطالما ظل التعامل الإداري مع الثقافة قائمًا على الاختيار المنحاز، فلن تصل مصر إلى المكانة التي تستحقها على المستوى الثقافي.

هل ما زال لدينا مؤلفون موسيقيون قادرون على صناعة حركة موسيقية حقيقية؟

لدينا مؤلفون موسيقيون جيدون، وهناك أسماء مهمة مثل هاني شنودة، راجح داود، جمال سلامة، عمر خيرت، ومحمود طلعت ووليد سعد وعمر إسماعيل، وهناك أجيال جديدة أيضًا.

لكن علينا أن ننتبه إلى أن التأليف الموسيقي لم يعد بالطريقة نفسها التي كان عليها في الماضي. اليوم توجد أدوات تكنولوجية متقدمة والذكاء الاصطناعي، وهذه الأدوات يمكن أن تكون إيجابية أو سلبية بحسب طريقة استخدامها.

كيف يمكن أن تكون التكنولوجيا أداة إيجابية في التأليف؟

إذا سلمت نفسي للتكنولوجيا بالكامل، فقدت ذاتي وأسلوبى، لأن لكل مؤلف موسيقي شخصيته وبصمته. لكنني أستطيع أن أوظف التكنولوجيا في خدمة رؤيتي، يمكنني أن أكتب خطًا موسيقيًا، وأضع له تصورات للتوزيع، ثم أستخدم التكنولوجيا كأداة تساعدني على التجريب والتعديل واكتشاف إمكانات جديدة.

المهم ألا تصبح التكنولوجيا هي التي تقودني، وإنما أنا التي أقودها، العلاقة الصحيحة معها يجب أن تكون علاقة جدل وتفاعل، لا علاقة استسلام.

متى يمكن أن نقول إن لدينا «سيد درويش» أو «محمد عبد الوهاب» جديدًا؟

المسألة ليست في مجرد امتلاك الموهبة، وإنما في القدرة على صناعة أثر تاريخي وفني، سيد درويش ارتبط بزمنه، وبالمقاومة الشعبية، وبالمسرح، وقدم ألحانًا كثيرة للمسرح الغنائي، كما أن وفاته المبكرة صنعت حوله قدرًا كبيرًا من التعاطف.

والشيخ إمام، في رأيي، لا يقل كفاءة من كثير من كبار الملحنين، لكن ارتباطه بمواقفه السياسية جعل تقييمه الفني أحيانًا يتأثر بموقف الناس منه، أما عبد الوهاب فأسطورته في قدرته على التكيف مع الأوضاع الجديدة، استطاع أن يتجدد عبر خمسة عقود أو أكثر. كان كلما تغير العصر استطاع أن يتغير معه، مع احتفاظه ببصمته الخاصة، هذه القدرة على التجدد ليست موجودة بالقدر نفسه عند المؤلفين الموسيقيين الموجودين حاليًا، لدينا ملحنون جيدون، لكن كثيرًا منهم لم يلحقوا بروح العصر.

مقالات ذات صلة