أثارت واقعة اعتداء شابين على والدتهما بالضرب في حي “السيدة زينب” بالقاهرة موجة عارمة من الغضب والصدمة في الشارع المصري بسبب تلك الجريمة الكبرى، فلم تكن مجرد حادث فردي عابر في حق الأم الضحية فقط بل جريمة إنسانية مكتملة الأركان في حق المجتمع والدين والعالم بل والكون كله، وشكلت اعتداء صارخا على الفطرة والدين والأعراف وكشفت عن التراجع الحاد في القيم والأخلاق المجتمعية.
وتعكس الواقعة انحرافًا حادًا في “الشخصية المصرية الأصيلة” التي طالما ارتبطت بتقديم مكانة الوالدين إلى مرتبة تحمل نوعا من القدسية، فدائما ما كان المصريون يضعون الأب والأم في مقام لا يجرؤ أحد على مساسه أو التجاوز في حق من حقوقه، إلا أننا أصبحنا اليوم نرى ونسمع ما لا يحمد عقباه هذا يضرب أمه، وذاك يطرد أباه، حتى وصل الانحدار إلى حد الفجيعة بالقتل؛ ولنا في حادثة الإسكندرية مثال على هذا التدني الواضح في القيم والضمير الإنساني.
يا سادة إن وصول العقوق إلى سفك دم من كانوا سببًا في الوجود يمثل انكسارًا حادًا للفطرة السليمة، واعتداءً صارخًا على كل ثوابت الدين والأخلاق التي طالما حمت تماسك المجتمع المصري، ليصبح هذا الانحدار ناقوس خطر يفرض علينا جميعا الانتباه والاصطفاف لمواجهة هذا التردي في الوعي الأسري والتفكك الأخلاقي وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وأرى أن ابتعادنا عن الدين والسنن النبوية السبب في تراجع قيم الرحمة والإنسانية والحياء ليحل محلها الجفاء والعنف والنفعية الفردية ليس فقط بين أفراد المجتمع ولكن داخل جدران الأسرة الواحدة، فهذه الجريمة انتهاكًا صارخًا لكافة الشرائع السماوية، وتحديدا في الدين الإسلامي حيث يأتي بر الوالدين في مرتبة تالية مباشرة لعبادة الله عز وجل، كما جاء في القرآن الكريم: “وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا”، فإن رفع اليد بالضرب على الأم ليس مجرد كبيرة من كبائر الذنوب فحسب، بل هو خروج تام عن الفطرة الإنسانية السليمة.
وأرى أن غياب التماسك الأسري الحقيقي لصالح العالم الافتراضي بالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي عزز من انتشار الفردية والانانية وأثر سلبا على الروابط الإنسانية المباشرة وساهم في الخروج عن قيم المودة والرحمة التي قام عليها المجتمع على مر العقود.
وللأسف وقعت الجريمة هذه المرة في حي السيدة زينب، وهو مكان روحي وتاريخي وثقافي له مكانة خاصة في الوجدان المصري، حيث ارتبطت فيه الذاكرة والأذهان بالشهامة والرجولة والجدعنة وإكرام الكبير وبر الوالدين.. ووقوع مثل هذا الاعتداء في قلب حي شعبي متدين يضاعف من حجم الكارثة والتغير السلوكي الحاد الذي يعاني منه هذا الجيل.
ورغم أن الحادثة جرس إنذار شديد الخطورة، إلا أن حالة الاستنكار الشاملة والرفض المجتمعي الكبير لهذه الجريمة يثبت أن النواة الصلبة للأخلاق المصرية ما زالت حية، لكنها تواجه اختبارًا صعبًا بين الانجراف نحو العنف والتفكك أو الاستعادة العاجلة لقيم التكافل، والبر، والاحتواء الأسري، وتستوجب هذه الواقعة تحركًا متكاملاً من المؤسسات الدينية، والتربوية، والإعلامية لإعادة بناء الوعي الأخلاقي، وترسيخ قيمة الوالدين كخط أحمر لا يقبل المساس.
وأعتقد أننا في حاجة لتجديد الخطاب الديني في المساجد والكنائس ليركز على الجانب النفسي والتربوي للبر، بدلاً من التلقين التقليدي، وإدراج مادة “القيم والأخلاق” بشكل عملي ومقيم في المدرسة لتنشئة الأطفال على احترام الكبير وبر الوالدين.كما نحتاج إلى تشديد العقوبات الجنائية على الاعتداء سواء ان كان لفظي أو جسدي على الوالدين لتصل إلى السجن المشدد، مع عدم جواز التنازل في حالات الضرب، وإنشاء خط ساخن سري وتطبيق إلكتروني لبلاغات العنف الأسري للتدخل السريع قبل تفاقم الجريمة مع إنتاج أعمال فنية ودرامية تسلط الضوء على آفتي الجفاء والعنف الأسري وتبرز عواقب العقوق القانونية والشرعية والاجتماعية.

