لم تكن الجيوش القديمة تقتحم الحصون بالرجال وحدهم، بل كانت تسبقهم بآلة خشنة هائلة، تُدعى الكبش الحربي.
جذع شجرة ضخم، تُغلَّف مقدمته بالحديد، ويُعلَّق بالحبال، ثم يتناوب الجنود على دفعه مرارًا نحو سور الحصن.
لم يكن هدفه تحطيم المدينة بضربة واحدة، بل إنهاك السور ، وتوسيع الشقوق، وإضعاف المفاصل، حتى تأتي اللحظة التي يسقط فيها الحصن من الداخل .
ولهذا لم يكن “الكبش” مجرد أداة حرب، بل كان فلسفة كاملة؛ فكل ضربة تبدو منفصلة عن سابقتها، لكنها في الحقيقة جزء من خطة طويلة لا تؤتي ثمارها إلا بالصبر ، وتكرار الفعل ذاته حتى تنهار مقاومة الحصن.
ومن هنا كتب المفكر الأمريكي مانكور أولسن ( (Mancur Olson 1932 – 1998 ، أن أخطر ما يهدد الدول ليس دائمًا الجيوش الجرارة، بل جماعات صغيرة، شديدة التنظيم، تعرف كيف تراكم نفوذها في صمت، حتى يصبح تأثيرها أكبر كثيرًا من حجمها الحقيقي.
فهي لا تنتصر لأنها الأكثر عددًا، وإنما لأنها الأكثر تماسكاً ، والأقدر على تحويل الانضباط التنظيمي إلى نفوذ، والنفوذ إلى احتكار، والاحتكار إلى سلطة تفرض إرادتها على مجتمع بأكمله.
وهذا بالضبط ما مثله خيرت الشاطر داخل جماعة الإخوان.
فهو لم يكن الخطيب الأشهر، ولا الفقيه الأبرز، ولا المرشد الرسمي، لكنه كان الآلة التي صُنعت لكي تصطدم بالدولة مرة بعد أخرى.
كان يؤمن أن الوصول إلى الحكم لا يبدأ من صناديق الانتخابات، بل من إعادة تشكيل المجتمع، وإعادة هندسة الاقتصاد، وبناء شبكات النفوذ، وتدريب الكوادر، وتجميع الأموال، وإحياء النظام الخاص ، وإنشاء المؤسسات الموازية، ثم الانتظار حتى تأتي اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة الكبرى.
لم يكن يرى الدولة خصمًا سياسيًا يمكن منافسته، بل حصنًا يجب اقتحامه.
ولذلك، فإن قراءة سيرة خيرت الشاطر ليست قراءة لسيرة رجل أعمال أو نائب مرشد، وإنما قراءة لعقل هندس مشروعًا كاملاً للتمكين التنظيمي، حاول أن يحول جماعة إرهابية مؤدلجة إلى دولة داخل الدولة، وأن يجعل التنظيم الإرهابي هو الباب الذي تمر منه مصر إلى مستقبل لم يختره شعبها.
ولذلك أيضًا، لم يكن سقوط خيرت الشاطر مجرد سقوط شخص، بل كان سقوط آلة الاقتحام نفسها.
لأن “الكبش” ، مهما بلغت صلابته، إذا اصطدم بحصن لم يقرأ تاريخه جيدًا، فإن الحديد هو الذي ينكسر أولًا.
ولادة الكبش من الشارع اليساري إلى ورشة التمكين
لا يولد أصحاب المؤامرات الكبرى وهم يحملون خرائطهم النهائية، بل تتشكل عقولهم عبر تحولات متراكمة، يلتقطون خلالها من كل تجربة ما يخدم مشروعهم الأخير.
ولم يكن خيرت الشاطر استثناءً من هذه القاعدة؛ فقد بدأ حياته السياسية في فضاء يختلف جذريًا عما انتهى إليه، لكنه خرج من كل محطة وقد احتفظ بالأداة، بينما غيّر العقيدة.
في أواخر ستينيات القرن الماضي، انخرط الشاطر في الحركة الطلابية التي كانت تتأثر آنذاك بالأفكار القومية واليسارية، وشارك في موجة الاحتجاجات التي أعقبت هزيمة يونيو 1967.
وهناك تعلّم شيئًا لم يغادره أبدًا: أن الشارع ليس عفويًا كما يبدو، وأن الجماهير تحتاج دائمًا إلى من ينظمها، ويوجه غضبها، ويحدد توقيت حركتها.
لكن منتصف السبعينيات حمل التحول الأكبر!!
لم ينتقل الشاطر إلى جماعة الإخوان لأنه وجد فيها مجرد خطاب ديني، وإنما لأنه وجد فيها تنظيمًا مغلقًا، يمتلك ما هو أهم من الشعارات؛ يمتلك الهيكل والطاعة العمياء!!
وهنا بدأت شخصيته الحقيقية في الظهور.
فبينما انجذب كثيرون وهماً إلى الخطاب الدعوي التقليدي داخل الجماعة، كان الشاطر ينجذب إلى شيء آخر تمامًا؛ إلى المدرسة التنظيمية الصارمة التي تشكلت بعد أفكار سيد قطب، حيث يصبح المجتمع ميدانًا طويل الأمد للصراع ، ويصبح “التمكين” مشروعًا مؤجلًا يحتاج إلى صبر الخلايا الإخوانية لا حماس الخطباء.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ يمزج بين عالمين متباعدين.
- الأول، عقلية التنظيم الهرمية التي تقوم على السمع والطاعة العمياء، والانضباط، والعمل السري، والتدرج المرحلي.
- الثاني، عقلية رجل الأعمال الذي يقيس كل شيء بالأرقام، ويبحث عن الكفاءة، والإدارة، والعائد، واستثمار الموارد.
ولعل هذه الثنائية هي التي جعلت خيرت الشاطر حالة مختلفة داخل الجماعة.
فلم يكن أقرب إلى صورة الواعظ، كما لم يكن مجرد إداري يجلس خلف الملفات، بل كان ينظر إلى التنظيم كما ينظر المدير التنفيذي إلى شركة عملاقة؛ لكل قطاع أهداف، ولكل لجنة مؤشرات أداء، ولكل مرحلة جدول زمني، ولكل عنصر وظيفة محددة داخل ماكينة أكبر منه.
وهكذا بدأت الجماعة، تدريجيًا، تتحول في نظره من “حركة دعوية” إلى مؤسسة متعددة الإدارات، تمتلك مواردها، وتدير استثماراتها، وتراقب كوادرها، وتخطط لعقود مقبلة.
وبدلاً من انتظار تغير المجتمع تلقائيًا كما تروج بعض أدبيات الجماعة ، أصبح المطلوب هو صناعة هذا التغيير عبر التغلغل داخل مفاصله، مؤسسة بعد أخرى، ونقابة بعد أخرى، وجامعة بعد أخرى، حتى يصبح التنظيم حاضرًا في كل مكان دون أن يكون ظاهرًا في كل مكان.
ومن هنا، بدأ خيرت الشاطر يبتعد شيئًا فشيئًا عن صورة القيادي الإخواني التقليدي، ليصبح مهندسًا لمشروع طويل النفس، يؤمن بأن السيطرة على الدولة تبدأ من بناء الشبكات التي تجعل الوصول إلى هذا القصر نتيجة طبيعية، لا مغامرة مفاجئة.
ولهذا السبب لم يكن صعوده داخل الجماعة صعودًا جماهيريًا، بل كان صعودًا تنظيميًا هادئًا.
لم يحتج إلى الجماهير كي يصبح الرجل الأقوى.
كان يكفيه أن يصبح الرجل الذي يعرف كل الخيوط العنكبوتية.
وهنا، بدأ يتشكل “الكبش” الحقيقي.
لم يعد مجرد عضو في تنظيم، بل أصبح العقل الذي يصمم آلة الاقتحام لهدم الدولة ، ويحسب وزنها، ويحدد نقطة اصطدامها، ويختبر قدرة أبواب الحصن على المقاومة.
سلسبيل.. خطة العمل التي سبقت الاقتحام
فى تاريخ التنظيمات المؤدلجة، توجد دائمًا لحظة فاصلة تنتقل فيها الفكرة من مستوى الشعار إلى مستوى الخطة.
فالأيديولوجيا المتطرفة قادرة على صناعة الأتباع، لكنها لا تكفى لصناعة السلطة؛ أما السلطة، فلا تُبنى إلا حين تتحول الأفكار إلى جداول زمنية، والهياكل إلى خرائط عمل، والولاء إلى مؤسسات، والتمويل إلى منظومة إنتاج مستمرة ، وهنا تحديدًا، ظهر خيرت الشاطر.
لم يكن يرى التكنولوجيا رفاهية، ولا الشركات مجرد وسيلة للربح، بل كان ينظر إليها باعتبارها أدوات لإدارة مشروع تنظيمى طويل الأمد.
ولذلك، لم تكن شركة ” سلسبيل لنظم المعلومات والحاسبات” التى أسسها مع حسن مالك مطلع تسعينيات القرن الماضى مجرد شركة تعمل فى مجال الحاسبات، كما بدا فى أوراق تأسيسها، وإنما كانت – بحسب ما كشفت عنه التحقيقات والقضايا المرتبطة بها – نقطة تحول فى التفكير التنظيمى للإخوان، حيث انتقل التنظيم من دفاتر الورق إلى قواعد البيانات، ومن الإدارة التقليدية إلى الإدارة الرقمية.
ولم يكن الاكتشاف الأهم فى القضية هو أجهزة الحاسب أو البرامج، بل ما عُثر عليه أثناء المداهمة من وثائق وديسكات تضمنت تصورًا تنظيميًا متكاملًا عُرف لاحقًا باسم “خطة التمكين”، والتى اعتبرها كثير من الباحثين والمهتمين بتاريخ الجماعة من أخطر الوثائق التى كُشف عنها فى تاريخها الحديث، لأنها تتحدث عن مشروع مرحلى لإعادة تشكيل موازين القوة داخل المجتمع والدولة.
وهنا يجب أن تتغير زاوية النظر إلى ” الكبش ” الإخواني بالكامل.
فهو لم يكن يخطط لانتصار انتخابى عابر، ولم يكن يفكر فى دورة برلمانية أو وزارة .
كان يفكر فى ما هو أبعد بكثير؛ كان يفكر فى بناء البيئة التى تجعل وصول التنظيم إلى السلطة نتيجة طبيعية لمسار طويل، لا مغامرة سياسية مؤقتة!!
ولهذا قسمت الخطة مجالات العمل إلى دوائر متوازية، لا تعمل منفصلة، وإنما تتحرك فى الوقت نفسه، بحيث يدعم كل محور الآخر.
كان المحور الأول هو النقابات والجامعات.
فالسيطرة على النقابات المهنية لا تعنى فقط الفوز بمقاعد انتخابية، وإنما امتلاك مؤسسات قادرة على إنتاج المال، والخدمات، والشرعية الاجتماعية، والظهور الإعلامى.
أما الجامعات، فهى المصنع الذى يُعاد من خلاله إنتاج الكوادر عامًا بعد آخر، بحيث لا ينقطع تدفق العناصر الإرهابية المؤهلة تنظيميًا وفكريًا.
أما المحور الثانى فكان الاقتصاد.
وهنا تظهر بصمة خيرت الشاطر بوضوح.
إذ لم يعد المال مجرد وسيلة لتمويل الأنشطة، وإنما أصبح جزءًا من العقيدة التنظيمية نفسها.
فالشركات، والاستثمارات، وشبكات الأعمال، لم تكن تُدار باعتبارها كيانات مستقلة، بل باعتبارها شرايين تغذى المشروع الأكبر، وتمنحه القدرة على الاستمرار بعيدًا عن الضغوط، وتوفر له استقلالًا مالىًا يحمى قراره التنظيمى.
ولذلك توسعت الجماعة خلال تلك السنوات فى بناء شبكات اقتصادية معقدة، داخل مصر وخارجها، حتى أصبح المال أحد أهم أدوات النفوذ داخل التنظيم.
ثم جاء المحور الثالث، وهو الأخطر.
لم يكن يتعلق بالدولة مباشرة، وإنما بالمجتمع.
فالجمعيات الخيرية، والمستوصفات، والأنشطة الاجتماعية، لم تُطرح فى الخطة باعتبارها أعمالًا خيرية منفصلة عن المشروع الإخواني الخبيث ، وإنما باعتبارها وسائل لبناء النفوذ داخل البيئات الأكثر احتياجًا، وخلق علاقة ولاء طويلة الأمد، تجعل التنظيم حاضرًا فى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتراجع الدولة ويبرز الإخوان كبديل.
لكن الأخطر من المحاور الثلاثة، كان منهج التنفيذ.
فبدلاً من القفز مباشرة نحو السلطة، تحدثت الخطة عن التدرج؛ تبدأ ببناء الصورة الذهنية الهادئة، ثم التغلغل داخل المؤسسات، ثم اختبار قدرة الدولة على المواجهة، ثم استثمار لحظات الإنهاك السياسى، وصولًا إلى مرحلة الإحلال، حيث يحل التنظيم محل مؤسسات الدولة فى مواقع التأثير والقرار.
ولهذا لم تكن “سلسبيل” مجرد شركة.
لقد كانت، فى جوهرها، غرفة التصميم الأولى لـــ “الكبش” الذى سيحاول بعد سنوات أن يحطم أسوار الدولة المصرية.
حين أصبح المال الإخواني.. مطرقةً على أبواب الدولة
لا توجد جماعة عابرة للحدود تستطيع أن تتحول إلى مشروع طويل العمر إذا بقيت أسيرة الاشتراكات الشهرية وتبرعات الأعضاء.
فالتنظيم الذى يريد أن ينافس دولة، يحتاج أولًا إلى اقتصاد يقترب من اقتصاد الدولة، وإلى شبكة تمويل قادرة على العمل فى الأزمات، والصمود أمام الضربات، والاستمرار حتى لو تغيرت القيادات وسقوط مكتب الإرشاد
وهذه الحقيقة أدركها خيرت الشاطر مبكرًا.
لم يكن ينظر إلى المال باعتباره وسيلة للإنفاق، بل باعتباره وسيلة للحكم.
ولذلك لم يكن مشروعه الاقتصادى منفصلًا عن مشروعه التنظيمى، بل كان الاثنان وجهين لخطة واحدة.
وهنا أحدث الشاطر واحدًا من أكبر التحولات داخل جماعة الإخوان.
فبعد أن ظل التمويل لعقود طويلة يعتمد بصورة أساسية على اشتراكات الأعضاء، وبعض التبرعات الفردية، وتمويلات الأجهزة المعادية ، بدأ فى بناء نموذج مختلف تمامًا؛ نموذج يقوم على اقتصاد مؤسسى، تتشابك فيه الشركات والاستثمارات والعلاقات التجارية، بحيث تصبح الجماعة مالكة لمصادر دخل دائمة، لا لموارد موسمية.
لقد تعامل مع التنظيم كما تتعامل الشركات العملاقة مع التوسع.
هناك إدارات.
وهناك استثمارات.
وهناك تدفقات مالية.
وهناك خطط لإعادة تدوير الأرباح.
وهناك توزيع للموارد بما يخدم الأولويات الاستراتيجية، لا الاحتياجات الآنية.
وهكذا، لم يعد المال تابعًا للتنظيم، بل أصبح أحد أعمدة بقائه ، فالذى يملك التمويل، يملك القدرة على صناعة الولاءات، وإعادة توزيع مراكز القوة داخل التنظيم.
ومع مرور الوقت، لم يعد نفوذ خيرت الشاطر داخل مكتب الإرشاد قائمًا فقط على خبرته التنظيمية، وإنما على موقعه داخل المنظومة الاقتصادية الجديدة.
فالذى يمتلك مفاتيح التمويل، يمتلك ــ بالضرورة ــ قدرة أكبر على التأثير فى القرار.
وهنا ظهرت البصمة الخاصة لخيرت الشاطر.
لقد نقل التنظيم من مرحلة “الدعوة التى تمارس التجارة” إلى مرحلة “التنظيم الذى يدار بعقلية شركة قابضة ” .
لكن الأخطر من حجم الأموال، كان الوظيفة السياسية للمال.
فالثروة، فى تصور الشاطر، لم تكن غاية، وإنما كانت وسيلة لإعادة تشكيل موازين القوة.
- فالمال يمول التوسع.
- ويمول الإعلام.
- ويمول الجمعيات.
- ويمول الحملات الانتخابية.
- ويمول التدريب.
- ويمول الكوادر.
- ويمول ميلشيات النظام الخاص.
- ويمول القدرة على الصمود فى أوقات المواجهة مع الدولة .
وبعبارة أخرى، فإن كل جنيه يدخل هذه المنظومة، كان يتحول إلى لبنة جديدة فى مشروع التمكين.
ولهذا، لم يكن من قبيل المصادفة أن يصبح خيرت الشاطر، مع مرور السنوات، الرجل الأكثر تأثيرًا فى الجماعة، رغم أنه لم يكن المرشد.
ميليشيات الأزهر.. القوة التي غرّت «الكبش»
كان نيكولو مكيافيلي ( 1469 – 1527 (Niccolò Machiavelli، يرى أن السلطة التى لا تمتلك قوة تحميها، تتحول سريعًا إلى أمنية لا أكثر.
وبينما اختلفت التنظيمات السياسية فى وسائل الوصول إلى الحكم، فإن معظم التنظيمات المؤدلجة اتفقت على فكرة واحدة؛ أن التنظيم يحتاج دائمًا إلى ذراع قادرة على حماية المشروع إذا فشلت السياسة والإعلام .
ويبدو أن خيرت الشاطر كان ينظر إلى هذه القاعدة باعتبارها جزءًا أصيلًا من مشروع التمكين.
فهو لم يؤمن يومًا بأن العمل البرلمانى وحده يكفى، كما لم يعتقد أن صناديق الاقتراع تستطيع وحدها حماية مشروع تنظيمى يطمح إلى هدم الدولة.
كانت السياسة بالنسبة إليه واجهة ضرورية، لكنها لم تكن الضمانة الأخيرة ، حتى رغم إعلانه العمل على حماية مصالح إسرائيل كما ظهر في أحد التسريبات !!
ولهذا ظل عنصر القوة المنظمة حاضرًا فى تفكيره، وإن تغيرت أدواته وأشكاله.
ففى نهاية عام 2006، فوجئ المصريون بمشهد غير مألوف داخل جامعة الأزهر.
عشرات الطلاب، يرتدون زيًا أسود موحدًا، ووجوه بعضهم مغطاة، يؤدون حركات قتالية ، ويستعرضون مهارات بدنية أقرب إلى تدريبات الميلشيات منها إلى الأنشطة الجامعية.
لم يكن المشهد مجرد تجاوز طلابى، بل كان رسالة سياسية مكتملة الأركان ، تقول إن الجماعة لا تكتفى ببناء التنظيم، وإنما تمتلك القدرة على إنتاج ميلشيا منضبطة تتحرك بالأمر.
فالعرض ” الميلشياوي ” كشف أن فكرة “النظام الخاص” لم تعد مجرد ذكرى تاريخية تعود إلى أربعينيات القرن الماضى، بل إن مفهوم القوة المنظمة ظل حاضرًا داخل العقل التنظيمى، وإن تبدلت الأدوات والأسماء.
وسواء نظر المرء إلى هذه الوقائع من زاوية السياسة أو الأمن، فإنها تكشف عن حقيقة أكثر عمقًا.
أن خيرت الشاطر لم يكن يفصل بين أدوات المشروع.
فالاقتصاد يخدم التنظيم.
والتنظيم يخدم السياسة.
والسياسة تحتاج إلى ميلشيا تحميها.
والميلشيا تصبح وسيلة ضغط عندما تتعثر السياسة.
وحماية مصالح إسرائيل تضمن استمرار هذا كله .
كانت هذه، فى جوهرها، منظومة واحدة.
ولهذا لم يكن المال وحده هو مطرقة الكبش.
ولم تكن الشركات وحدها هى هيكل الآلة.
بل كانت القوة الكامنة، التى لا تظهر دائمًا، هى اليد التى تدفع الكبش إلى الأمام كلما تعثر.
غير أن المشكلة الكبرى فى كل مشاريع الاقتحام، أنها قد تنجح فى الوصول إلى باب الحصن، لكنها لا تضمن أبدًا ما سيحدث بعد الاصطدام.
وهذا ما حدث بعد يناير 2011.
الصدمة الكبرى.. عندما اندفع “الكبش” نحو الحصن
كانت كل الضربات السابقة، فى نظر خيرت الشاطر، مجرد تمهيد ، ولهذا جاءت أحداث يناير 2011 بالنسبة إليه باعتبارها اللحظة التى انتظرها المشروع التنظيمى طويلًا.
فالدولة التى صمدت لعقود بدت لأول مرة فى حالة ارتباك سياسى وأمنى غير مسبوقة، ومؤسساتها تخوض أصعب اختبار فى تاريخها الحديث، بينما الشارع – بعضه – يموج بالغضب، ونظام الرئيس مبارك يفقد قدرته على الإمساك بالمشهد.
وهنا رأى الشاطر أن ساعة “التمكين” قد اقتربت.
فالمراحل التى تحدثت عنها الأدبيات التنظيمية، والتى بدأت ببناء النفوذ، ثم التغلغل، ثم اختبار الدولة، بدت وكأنها وصلت إلى المرحلة الأخيرة؛ مرحلة الاندفاع نحو السلطة.
ولذلك تحرك التنظيم الإرهابي بسرعة لملء الفراغ، ودخل الانتخابات البرلمانية، ثم الانتخابات الرئاسية، بعدما كان قد أعلن فى البداية أنه لن ينافس على الأغلبية البرلمانية، ولن يقدم مرشحًا للرئاسة، قبل أن تتغير هذه المواقف لاحقًا ، لتسقط واحدة من أكبر صور التقية السياسية فى تاريخ الجماعة الإرهابية!!
كان الشاطر هو المهندس الفعلى لهذه التحولات.
ورغم أن الأحكام القضائية حالت دون ترشحه للرئاسة، فإن الواقع أكد أنه ظل العقل الأكثر تأثيرًا فى إدارة مشروع التمكين للجماعة خلال تلك المرحلة، وأن انتخاب محمد مرسى لم ينهِ حضوره، بل نقله مباشرة إلى غرفة الإدارة المركزية.
وهنا ظهرت المفارقة الكبرى.
فالرجل الذى أمضى أكثر من عقدين يخطط للوصول إلى السلطة، تعامل مع السلطة بعد الوصول إليها كما لو كانت نهاية المشروع، بينما كانت فى الحقيقة بدايته الأصعب.
لقد نجح “الكبش” فى الوصول إلى باب سور الحصن .
لكن اقتحام الحصن يختلف تمامًا عن إدارته.
تحطم الكبش .. وبقيت الدولة المصرية
فى كتابه ” صعود الأمم وانحدارها”
The Rise and Decline of Nations: Economic Growth, Stagflation, and Social Rigidities
، لم يكن المفكر الأمريكي مانكور أولسن Mancur Olson (1932–1998)
يرى أن الجماعات المنظمة تنهزم لأنها تفقد انضباطها، وإنما لأنها تقع فى الوهم الأكبر؛ أن التنظيم، مهما بلغت قوته، يستطيع أن يحل محل الدولة.
وهذا هو الوهم الذى انتهى إليه خيرت الشاطر.
لقد أمضى ما يقرب من أربعة عقود وهو يبنى ماكينة شديدة التعقيد؛
وكان يظن أن اجتماع كل عناصر التمكين يكفى لإعادة تشكيل مصر.
لكن ما لم يدركه، أن الدولة ليست معادلة حسابية.
فالدول الكبرى لا تسقط لأن تنظيمًا أصبح أكثر ثراءً، ولا لأن جماعة امتلكت شركات أكثر، ولا لأن مشروعًا أحكم بناء هياكله الداخلية.
الدول تسقط فقط حين تفقد ثقة مجتمعها فى بقائها.
وهذا ما لم ولن يحدث في مصر .
وهكذا، لم يسقط فى الثلاثين من يونيو رجلٌ ولا حكومةٌ فحسب، بل سقط الوهم الذى آمن به خيرت الشاطر؛ أن التنظيم يمكن أن يصبح وطنًا، وأن البيعة للمرشد يمكن أن تحل محل الهوية الوطنية.
ومن هنا جاءت لحظة الانكسار لــقرون ” كبش ” الإخوان ” .
أما مصر… فقد بقيت كما كانت دائمًا، حصنًا قد تُطرق أبوابه كثيرًا، لكنها لا تُفتح إلا بإرادة أبنائها المخلصين .


