أثار مشروع قانون الأحوال الشخصية نقاشًا واسعًا بين المؤيدين والمعارضين، وتعددت الآراء حول مواده وأحكامه والجهات المشاركة فى صياغته. تجاوز هذا النقاش فى كثير من الأحيان حدود البحث القانونى والفنى، ليتحول إلى جدل حول المرجعيات والسلطات، بين من يرى أن المؤسسات الدينية هى صاحبة الاختصاص الأصيل فى هذا المجال، ومن يؤكد أن التشريع يظل من اختصاص السلطة التشريعية وحدها.
غير أن جوهر القضية لا يكمن فى تحديد أى الطرفين أكثر نفوذًا أو تأثيرًا، بل فى البحث عن أفضل السبل لتحقيق العدالة وحماية الأسرة وصيانة الحقوق. فالسؤال الحقيقى ليس: من يضع القانون، بل: كيف يمكن بناء إطار قانونى يوازن بين احترام الخصوصيات الدينية من جهة، ومتطلبات الدولة الحديثة ومبادئ المواطنة والمساواة أمام القانون من جهة أخرى؟
يقوم التمييز بين المجالين الدينى والقانونى على اختلاف طبيعة الإلزام فى كل منهما. فالقواعد الدينية تقوم فى جوهرها على الاقتناع والإيمان والالتزام الطوعى، فى حين تقوم القواعد القانونية على الإلزام العام المقترن بالجزاء والتنفيذ الجبرى من قبل الدولة.
وكلما اتسعت دائرة الحرية ضاقت الحاجة إلى الإكراه، وكلما ازداد اقتناع الناس بالقيم التى يؤمنون بها تراجع الاعتماد على فرضها بقوة القانون. فالدين يزدهر بالاقتناع الحر، بينما ينجح القانون بالالتزام العام. وعندما تختلط وظيفة كل منهما تضطرب الحدود بين المجالين ويختل التوازن بينهما. ومن ثم فإن أى مراجعة جادة لقانون الأحوال الشخصية ينبغى أن تنطلق من تحقيق التوازن بين حرية الضمير من جهة، وسلطة الدولة فى التنظيم القانونى وحماية الحقوق من جهة أخرى. ينطلق كثير من الجدل من تفاصيل المواد القانونية، بينما تكمن المشكلة الأعمق فى المنهج التشريعى نفسه. فالمشروع لا يقتصر على معالجة بعض أوجه القصور فى المنظومة الحالية، بل يتجه إلى إعادة صياغة العلاقة بين القانون والشرائع الدينية من خلال تقنينها وإدماجها فى نصوص قانونية ملزمة.
هنا يبرز سؤال أساسى: هل وظيفة القانون أن ينقل القواعد الدينية إلى نصوص ملزمة بقوة الدولة، أم أن وظيفته تنظيم العلاقات المدنية بين المواطنين مع احترام حرياتهم الدينية وخصوصياتهم العقائدية، دون تحويلها إلى التزام قانونى مفروض بقوة الدولة؟
ليس المطلوب من المؤسسات الدينية أن تفرض رؤيتها عبر التشريع، بل أن تمارس دورها الطبيعى فى التعليم والإرشاد والتوعية بقيم الحياة الأسرية ومسئولياتها. فالإيمان الحقيقى لا يقوم على الإكراه، وإذا تحول الالتزام الدينى إلى التزام قانونى مفروض بقوة الدولة فقد جزءًا كبيرًا من قيمته الروحية. فقوة الدين الحقيقية لا تكمن فى سلطة الدولة، بل فى الاقتناع الحر.
فى المقابل لا تستطيع السلطة التشريعية أن تتنصل من مسئوليتها فى تنظيم المجتمع وتحقيق التوازن بين الاعتبارات الدينية والاجتماعية والدستورية. فالمشرع مطالب بمراعاة الفطرة الإنسانية، واحترام الشرائع الدينية، وعدم الاصطدام بالأعراف المستقرة، والالتزام بالضمانات الدستورية، ومراعاة الالتزامات الدولية، والحفاظ على التماسك الاجتماعى. وهذه وظيفة سيادية لا يمكن نقلها إلى أى جهة أخرى. على ما سبق، فإن هناك عدة مآخذ على مشروع القانون الحالى، أولها: إضفاء صفة القانون على القواعد الدينية.
الشرائع الدينية بطبيعتها تقوم على الإيمان والاقتناع والالتزام الطوعى، بينما يقوم القانون على الإلزام والجزاء والتنفيذ الجبرى. ومن ثم فإن تحويل الفقه الدينى إلى قواعد قانونية ملزمة لا يغير فقط طريقة تطبيقه، بل يغير طبيعته ذاتها. فما يقبل دينيًا بوصفه التزامًا نابعًا من الإيمان يصبح قانونيًا التزامًا مفروضًا بقوة الدولة.
القانون المدنى بطبيعته يخاطب المواطنين بوصفهم مواطنين لا بوصفهم أعضاء فى جماعات أو طوائف دينية.
وهناك فرق جوهرى بين قانون مدنى يراعى الفقه الدينى ويحترمه دون أن يصطدم به، وبين قانون يصبح انعكاسًا مباشرًا لهذا الفقه. فالخيار الأول يحافظ على وحدة النظام القانونى للدولة، بينما يحمل الخيار الثانى خطر تحويل الخلافات الدينية والمذهبية إلى خلافات قانونية دائمة.
أما المأخذ الثالث فهو: التشريع الشامل المفاجئ.
لا تظهر آثار القوانين فور صدورها، بل تتكشف تدريجيًا مع التطبيق الممتد عبر الزمن. ولهذا فإن التشريع الشامل الذى يعيد بناء المنظومة دفعة واحدة يحمل قدرًا كبيرًا من المخاطرة، لأنه يضع المجتمع أمام نتائج يصعب التنبؤ بها مسبقًا. أما التطوير المتدرج فيسمح باختبار كل خطوة على حدة وتقييم آثارها العملية ومعالجة ما يظهر من ثغرات قبل الانتقال إلى الخطوة التالية، كما يستفيد من الخبرة القضائية والفقهية المتراكمة بدل البدء من نقطة الصفر.
ولا تعنى هذه الملاحظات رفض فكرة تطوير تشريعات الأحوال الشخصية أو الاكتفاء بالوضع القائم، وإنما تهدف إلى إثارة نقاش حول المنهج الذى ينبغى أن يحكم هذا التطوير وحدوده وأولوياته.

