سياسة الجزيرة

حرب الدولار.. هل تنجح أمريكا في "تركيع" إيران اقتصاديا؟

تتجه واشنطن لتشديد الخنق الاقتصادي على إيران عبر سلاح الدولار واستهداف قطاعات حيوية، لكن قدرة طهران على التكيف بدعم صيني تحوّل المعركة إلى سباق معقد بشأن قدرة الأقوى على البقاء.

حرب الدولار.. هل تنجح أمريكا في "تركيع" إيران اقتصاديا؟
15 مشاهدة

اقرأ من المصدر

الجزيرة

زيارة المصدر

إذ لا تزال الولايات المتحدة تمتلك النظام المالي والاقتصادي الأقوى في العالم، لكن التساؤلات بدأت تتزايد بشأن قدرتها على تحقيق أهدافها الإستراتيجية عبر سياسة الخنق الاقتصادي التي تفرضها على إيران، بعد تعثر الخيارات العسكرية التقليدية في حسم المعركة.

ويتطلب إنجاح هذه المواجهة الاقتصادية الصارمة أكثر من مجرد التلويح بسلاح الدولار لفرض عقوبات على نحو 60 فردا وكيانا وسفينة في قطاعات حيوية كالشحن والطيران، مما يعني أن كل عقوبة تفرضها واشنطن اليوم قد تصطدم غدا بحائط التحايل الإيراني والرفض الصيني، حسب آراء المحللين خلال حلقة (27 أغسطس/آب 2026) من برنامج "من واشنطن".

فالحروب الاقتصادية الحديثة لم تعد تقاس بما تعلنه وزارة الخزانة الأمريكية في اليوم الأول من العقوبات، وإنما بقدرة الدول المستهدفة على التكيف والالتفاف عليها بعد أشهر أو سنوات من فرضها، حتى لا يتحول الحصار إلى مجرد استنزاف سياسي يفتقر إلى نتائج ملموسة على طاولة المفاوضات، وفق التقرير الوارد في الحلقة.

إحباط عسكري

وكشفت المواجهة الحالية مع إيران عن عجز النماذج التقليدية للضغط، فوفق جيسون كامبل -الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط والمسؤول السابق في وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون)- فإن لجوء إدارة دونالد ترمب إلى ما وُصف بـ "يوم إنزال اقتصادي ضد إيران" يوم الاثنين الماضي يعكس في جوهره حالة من الإحباط بعد فشل العمل العسكري في تحقيق تقدم ملموس.

ويشير كامبل إلى أن المؤسسة العسكرية الأمريكية باتت تفضل إدامة حصار بحري بدلا من توجيه ضربات عسكرية قد تستجلب ردا انتقاميا إيرانيا مباشرا.

لكنه يلفت إلى خلل بنيوي في هذا النهج، فالإدارة الأمريكية دخلت هذه المواجهة معتمدة على وهم استسلام إيران السريع، وغابت عنها الرؤية الإستراتيجية الواضحة لما ستؤول إليه الأمور بعد استنفاد أوراق الضغط.

أسطول الأشباح والفيل الصيني

هذه الجدية في فرضيات فشل العقوبات تتأكد حين نعلم أن إيران نجحت في بناء اقتصاد مقاوم موازٍ، يعتمد أساسا على أسطول شبح -وفق كامبل- إذ تقوم طهران بتغيير أسماء ناقلاتها النفطية وأعلامها ومسارات ملكيتها، وتُجري تسوياتها المالية بعيدا تماما عن النظام المالي الغربي الذي تهيمن عليه واشنطن.

وهنا يبرز ما وصفه ضيوف الحلقة بـ"الفيل في الغرفة"، وهو الصين. فقد أكد عدنان مزرعي -الباحث في معهد باترسون والنائب السابق لمدير صندوق النقد الدولي– أن العقوبات الأحادية الجانب لا يمكن أن تنجح ما لم تلتزم بها الأطراف الدولية الفاعلة.

ونظرا لأن بكين تُعد المشتري الأكبر للنفط الإيراني، فهي ترفض صراحة الانصياع إلى الإملاءات الأمريكية.

ورغم تراجع حجم الشحنات الإيرانية إلى الصين مؤخرا بفعل الضغوط، فإن بكين لا تزال تشتري مئات الآلاف من البراميل يوميا بأسعار مخفضة، مما يوفر شريان حياة مستداما للاقتصاد الإيراني، ويُفشل الهدف الأمريكي بتصفير صادرات طهران.

ويقول مزرعي إن سجل واشنطن في إقناع حلفائها بالالتزام بحملات المقاطعة ليس مبشرا، متسائلا عن مدى قدرة أمريكا على دفع دول -مثل تركيا أو دول شرق آسيا- إلى إغلاق قنوات التبادل التجاري البديلة مع إيران كليا.

ألم داخلي لا يغيّر السياسات

وعلى الجانب الآخر، لا ينكر المحللون حجم الكارثة التي تضرب الداخل الإيراني، فقد أشار كامبل بلغة الأرقام إلى أن الاقتصاد الإيراني ينزف بشدة، إذ قفزت معدلات التضخم إلى نحو 90%، وارتفعت أسعار السلع الغذائية بأكثر من 100%، في حين بات ثلث الشعب الإيراني يرزح تحت خط الفقر.

لكن الاستدراك الأهم هنا -بحسب كامبل- هو أن هذا الألم الشعبي رغم قسوته لا يُترجم تلقائيا إلى تغيير في السلوك الإستراتيجي للنظام.

فالتاريخ القريب يثبت أن الحكومات لا تتخلى عن سياساتها العسكرية أو برنامجها النووي لمجرد معاناة مواطنيها اقتصاديا، مما يجعل الأمل الأمريكي في دفع إيران صاغرة إلى مائدة التفاوض بمجرد تجويع اقتصادها أمرا بالغ التعقيد، ويحتاج إلى مقاربات أعمق من مجرد العقوبات الشكلية.

من سيصرخ أولا؟

في خلاصة القراءة التحليلية، يحذر الدكتور مزرعي من أن هذه الحرب الاقتصادية لن تقتصر خسائرها على إيران وحدها، فالعقوبات ستضرب استقرار دول المنطقة المرتبطة تجاريا بإيران مثل العراق وغيرها، وستؤدي إلى ارتفاع حتمي في أسعار النفط والديزل عالميا.

هذا الارتفاع سيغذي موجات التضخم في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي ذاته، مما سيؤثر سلبا في أسواق السندات الأمريكية، وحينئذ ستتحول المعركة من حرب عقوبات إلى سباق في القدرة على التحمل.

فإيران التي تجلس على ضفاف مضيق هرمز، وتتحكم نظريا في خُمس إمدادات الطاقة العالمية، تسعى لجعل تكلفة خنقها أعلى من قدرة الاقتصاد العالمي وحلفاء واشنطن على استيعابها.

العلامات

مقالات ذات صلة