تكتسب العلاقات المصرية الهندية زخمًا متزايدًا في ظل تنامي التعاون بين البلدين في العديد من المجالات، بالتزامن مع مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة بريكس في نيودلهي، في زيارة تمثل فرصة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة ونيودلهي.
وفي حوار مع “القاهرة 24”، تحدث سفير الهند بالقاهرة سوريش كيه ريدي عن أهمية مشاركة الرئيس السيسي في قمة بريكس، ودور مصر المتنامي داخل المجموعة، باعتبارها دولة عربية وإفريقية رئيسية وصوتًا مهمًا لدول الجنوب العالمي.
وتناول السفير الهندي آفاق الشراكة الاستراتيجية بين مصر والهند، وفرص تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري، إلى جانب مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والتصنيع والأدوية والتكنولوجيا والدفاع.
كما استعرض ريدي مجالات التعاون بين البلدين داخل مجموعة بريكس، وأهمية الدور المصري في تعزيز صوت دول الجنوب العالمي، إلى جانب أبرز النتائج المتوقعة من زيارة الرئيس السيسي إلى الهند، وما يمكن أن تمثله من دفعة جديدة للعلاقات بين البلدين.
ما أهمية ترؤس الرئيس عبد الفتاح السيسي شخصيًا للوفد المصري في قمة بريكس المقرر عقدها في نيودلهي هذا العام؟
تكتسب مشاركة الرئيس السيسي في قمة بريكس في نيودلهي أهمية كبيرة، وهي مشاركة تحظى بترحيب حار من رئيس الوزراء ناريندرا مودي. وتعكس هذه المشاركة الأهمية التي توليها مصر لمجموعة بريكس، وكذلك قوة الشراكة الاستراتيجية بين الهند ومصر.
وتعد هذه الزيارة الخامسة للرئيس السيسي إلى الهند. وقد شهدت العلاقات الهندية المصرية زخمًا إيجابيًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بالرؤية المشتركة بين قائدي البلدين.
وكان الرئيس السيسي ضيف الشرف في احتفالات الهند بيوم الجمهورية في يناير 2023، فيما زار رئيس الوزراء مودي مصر في يونيو 2023، حيث جرى رسميًا الارتقاء بالعلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.
وتوفر زيارة الرئيس السيسي إلى نيودلهي للمشاركة في قمة بريكس فرصة جديدة أمام الزعيمين لمواصلة هذا المسار الإيجابي وتعزيز العلاقات بين البلدين.
ما أبرز القضايا والأولويات التي يمكن لمصر والهند العمل معا لدفعها قدمًا خلال قمة بريكس؟
تتشارك الهند ومصر في قدر كبير من التوافق بشأن العديد من القضايا المطروحة للنقاش داخل مجموعة بريكس.
وقد شدد البلدان باستمرار على ضرورة إقامة نظام دولي أكثر تمثيلا وشمولا، ومنح الدول النامية صوتا أكبر داخل المؤسسات الدولية، وإصلاح المؤسسات متعددة الأطراف، وتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الأمن الغذائي وأمن الطاقة، والعمل المناخي، وتعزيز التعاون بين دول الجنوب.
كما أن دور مصر في مجموعة بريكس يكتسب أهمية خاصة، باعتبارها دولة عربية وأفريقية رئيسية، ودولة تقع عند ملتقى قارات أفريقيا والشرق الأوسط ومنطقة البحر المتوسط.
وتولي الهند أهمية كبيرة لإسهام مصر في أجندة بريكس خلال رئاسة الهند للمجموعة، والتي تحمل شعار: "بناء القدرة على الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة".
كيف تنظر الهند إلى تنامي دور مصر داخل مجموعة بريكس، خاصة مع مشاركة مصر في القمة للعام الثالث على التوالي منذ انضمامها إلى المجموعة في عام 2024؟
رحبت الهند بانضمام مصر إلى مجموعة بريكس، وتقدر بشكل كبير إسهام مصر المتزايد والنشط في أعمال المجموعة.
وتعد مصر واحدة من أكبر الاقتصادات في إفريقيا، وعضوًا مؤثرًا في العالم العربي والاتحاد الأفريقي، كما تمثل صوتا مهما لدول الجنوب العالمي.
ويمنح موقع مصر الجغرافي، وقناة السويس، وصلاتها بأفريقيا والمنطقة العربية، إلى جانب دورها القيادي في جهود تسوية النزاعات الإقليمية، أهمية خاصة لدورها داخل مجموعة بريكس.
وخلال رئاسة الهند للمجموعة، استضافت 350 اجتماعا في 25 مدينة هندية، كان من بينها 25 اجتماعا على المستوى الوزاري. وقد شاركت مصر بفاعلية في مختلف مسارات عمل بريكس هذا العام، من خلال مشاركتها على المستوى الوزاري في اجتماعات وزراء الخارجية والصناعة والتجارة والمالية والعدل والطاقة، إلى جانب مشاركات رفيعة المستوى في عدد من الاجتماعات الأخرى.
كما يمثل التراث الثقافي الغني لمصر والتبادل الشعبي النشط بين البلدين جزءا لا يتجزأ من مشاركة مصر في بريكس هذا العام.
ويشارك حاليًا عدد من عازفي العود والناي المصريين في الهند، حيث يقدمون عروضًا موسيقية مميزة. كما يجري عرض فنون الجداريات المصرية التقليدية والحرف اليدوية، بما في ذلك الفخار والمنسوجات، ضمن بازار الحرف اليدوية الخاص بمجموعة بريكس.
ما الفرص الجديدة التي ترونها لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر والهند عقب زيارة الرئيس السيسي؟
الشراكة بين الهند ومصر متميزة وقوية، وتستند إلى أسس راسخة، وقد تطورت لتصبح شراكة معاصرة تتمتع بإمكانات هائلة.
وتشمل شراكتنا الاستراتيجية التعاون السياسي والأمني، والدفاع، والتجارة والاستثمار، والعلوم والتكنولوجيا، والعلاقات والتواصل بين الشعبين.
وهناك إمكانات كبيرة لتعزيز الشراكة الاقتصادية والتجارية بين البلدين. فقد استثمرت الشركات الهندية بالفعل أكثر من 5.5 مليار دولار أمريكي في مصر عبر قطاعات رئيسية مختلفة، وأسهمت هذه الاستثمارات في توفير فرص عمل لنحو 50 ألف مصري.
وهناك العديد من الاستثمارات الأخرى قيد التنفيذ، مستفيدة من الموقع الجغرافي لمصر وإمكانية الوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية الرئيسية. وتجلب الشركات الهندية إلى مصر حيويتها وقدراتها على التوسع وابتكاراتها، لتصبح جزءا أساسيا من الصناعة المصرية سريعة النمو.
وتعد قطاعات الأدوية والتقنيات الرقمية والطاقة المتجددة من بين المجالات التي تتيح العديد من فرص التعاون المثمر والمفيد للجانبين.
كما يمثل مجال الدفاع قطاعًا واعدًا آخر. فقد أقامت القوات المسلحة في البلدين علاقات وتواصلا على مدى سنوات طويلة، تشمل تبادلات رفيعة المستوى، وتدريبات عسكرية منتظمة، ومناقشات بشأن الشراكات في مجال الصناعات الدفاعية.
وشاركت الهند في تدريبات «برايت ستار» التي استضافتها مصر في سبتمبر 2025، بأكبر قوة أجنبية مشاركة، ضمت 700 فرد من القوات المسلحة، إلى جانب عدد من الطائرات المقاتلة والفرقاطات.
كما شاركت الهند بقوة في النسخة الثانية من معرض العلمين الدولي للطيران، من خلال فريق «سارانج» الفريد للعروض الجوية بالمروحيات، والذي استعرض القدرات التكنولوجية والتصنيعية التي طورتها الهند محليا.
هل هناك اتفاقيات اقتصادية أو تجارية أو استثمارية محددة، أو مجالات تعاون، تتوقعون إحراز تقدم فيها خلال الزيارة؟
ما يمكنني قوله هو أنه خلال المباحثات بين الزعيمين، يمكننا أن نتوقع دفعة قوية للمضي قدما في جميع جوانب التعاون بين البلدين.
ويمثل التعاون الاقتصادي أحد أبرز مجالات الفرص في إطار شراكتنا الاستراتيجية. فكل من الهند ومصر من الاقتصادات التي تشهد توسعا سريعا، كما يتمتع البلدان بتركيبة سكانية شابة. وهناك تركيز كبير على التصنيع والصناعة، وهو ما يوفر فرصا قوية للتكامل، سواء من حيث نقاط القوة أو الأولويات لدى كل من البلدين.
ولدينا بالفعل تعاون تجاري واقتصادي كبير. وقد تحدثت سابقا عن الاستثمارات. كما تشهد التجارة بين البلدين نموا سريعا، حيث ارتفعت من 4.8 مليار دولار أمريكي إلى 6.5 مليار دولار هذا العام، بزيادة بلغت 35%.
ونرغب في رؤية مزيد من التقدم في مجالات مثل الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، والتصنيع، والصناعات الدوائية، والكيماويات، والسيارات ومكوناتها، والزراعة، والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية، وإنتاج الصناعات الدفاعية.
ما مدى أهمية دور مصر في تعزيز التعاون بين دول بريكس ودول الجنوب العالمي على نطاق أوسع؟
تتمتع مصر بدور مهم للغاية، نظرًا إلى أنها تربط بين عدة مناطق في الوقت نفسه، وهي أفريقيا والعالم العربي والبحر المتوسط والجنوب العالمي الأوسع.
وتتشارك الهند ومصر الرؤية نفسها بشأن حاجة الدول النامية إلى صوت أقوى في عملية صنع القرار الدولي. ويشمل ذلك إصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية، وإيلاء اهتمام أكبر بالأولويات التنموية لدول الجنوب العالمي.
وقد سعت الهند باستمرار إلى وضع قضايا الدول النامية في صدارة النقاشات الدولية، بما في ذلك من خلال مبادرة «صوت الجنوب العالمي»، وكذلك خلال رئاستها لمجموعة العشرين.
وكانت مصر شريكًا مهمًا للهند في هذه الجهود. فقد شاركت مصر بشكل موسع في فعاليات وأعمال مجموعة العشرين خلال الرئاسة الهندية، ويواصل البلدان التنسيق الوثيق بينهما في المحافل متعددة الأطراف.
وفي إطار مجموعة بريكس، يمكن للهند ومصر بالتالي العمل معا لضمان بقاء قضايا مثل تمويل التنمية، والأمن الغذائي وأمن الطاقة، والوصول إلى التكنولوجيا، وتمويل العمل المناخي، وسلاسل الإمداد القادرة على الصمود، وإصلاح المؤسسات متعددة الأطراف، في صدارة أجندة المجموعة.
ما أبرز النتائج التي تتوقعون تحقيقها من زيارة الرئيس السيسي إلى الهند؟
حضور الرئيس السيسي في نيودلهي يحمل أهمية تتجاوز بكثير مجرد المشاركة في قمة واحدة، ويمثل خطوة مهمة أخرى نحو تعميق شراكة اكتسبت خلال السنوات الأخيرة أبعادا استراتيجية كبيرة.
وستكون النتيجة الأهم هي مواصلة ترسيخ العلاقة القوية بالفعل بين الرئيس السيسي ورئيس الوزراء مودي، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الهند ومصر.
وعلى المستوى الثنائي، نأمل أن تسهم الزيارة في إعطاء دفعة جديدة للتعاون الاقتصادي والاستثمارات، وتعزيز العلاقات الدفاعية والأمنية، والتعاون في مجال التكنولوجيا، وبناء القدرات، والتواصل والتبادل بين الشعبين.
وعلى مستوى مجموعة بريكس، ستسهم مشاركة الرئيس السيسي في طرح رؤية مصرية وعربية وأفريقية مهمة بشأن مستقبل أجندة بريكس، إلى جانب القضايا والاهتمامات والأولويات الخاصة بدول الجنوب العالمي.
والهند ومصر حضارتان عريقتان، ودولتان رئيسيتان في منطقتيهما، وشريكان منذ فترة طويلة. وتتجه علاقاتنا بشكل متزايد إلى أن تصبح شراكة تركز على المستقبل، من خلال التكنولوجيا والاستثمار والربط والتواصل، والتنمية المستدامة، وإقامة نظام دولي أكثر تمثيلا.

