عام جريدة الدستور

الوحدة الوطنية في مصر.. حكاية صنعها المصريون قبل ألف عام

الوحدة الوطنية في مصر.. حكاية صنعها المصريون قبل ألف عام
16 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الدستور

زيارة المصدر

في تاريخ مصر، لم تكن الوحدة الوطنية شعارًا يُرفع في المناسبات، بل كانت أسلوب حياة عاشه المصريون قبل آلاف السنين.

لم تكن الأعياد الدينية حكرًا على أصحابها، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى مناسبات قومية يشارك فيها الجميع، حتى أصبحت الدولة نفسها جزءًا من الاحتفال.

ومن أشهر تلك المناسبات عيد الغطاس، الذي يحتفل فيه المسيحيون بذكرى تعميد السيد المسيح في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان، ويوافق الحادي عشر من شهر طوبة في التقويم القبطي.

ويكشف الكاتب الصحفي والمؤرخ صلاح عيسى، في كتابه «هوامش المقريزي»، واحدة من أكثر الصور إشراقًا للتلاحم بين المسلمين والمسيحيين في مصر، مستندًا إلى ما رواه المؤرخ الإسلامي المسعودي عن احتفالات المصريين بعيد الغطاس عام 330 هـ (942م) في عهد الدولة الإخشيدية.

ويذكر المسعودي أن السلطان أمر بإشعال ألف مشعل بين مصر القديمة وجزيرة الروضة، بينما أضاء المسلمون والمسيحيون منازلهم وشوارعهم وحوانيتهم بالمشاعل والسرج، فتحولت القاهرة إلى مدينة لا تنام.

وعلى ضفاف النيل احتشدت الزوارق، وازدحمت الشرفات المطلة على النهر بالمحتفلين. جلس الجميع يأكلون ويشربون معًا، بينما نزل كثير من المصريين إلى مياه النيل، اعتقادًا بأن الغطس في تلك الليلة يجلب الشفاء ويقي من الأمراض، وهو معتقد شعبي ظل حاضرًا لسنوات طويلة.

ولم يكن هذا المشهد استثناءً عابرًا، فبعده بخمسة عشر عامًا، وفي ليلة غطاس أخرى، أمر الخليفة الفاطمي الظاهر لإعزاز دين الله بإشعال المشاعل في أنحاء المدينة، وازدحمت الأسواق بشراء الفاكهة والضأن استعدادًا للاحتفال.

وأناب الخليفة رئيس الشرطة لحضور الاحتفال رسميًا، فنصب خيمة على شاطئ النيل لمتابعة المراسم، بينما اكتفى الخليفة بمشاهدة المشهد من أحد القصور المطلة على النهر بصحبة أفراد أسرته.

ويشير صلاح عيسى إلى أن الدولة الفاطمية لم تكتفِ بالمشاركة الرمزية، بل جعلت الأعياد القبطية جزءًا من مراسمها الرسمية. ففي عيد الغطاس كانت دار الخلافة توزع النارنج والليمون وأطنانًا من القصب وسمك البوري على كبار رجال الدولة، بينما كانت توزع الحلوى والأسماك في عيد الميلاد المجيد، كما خصصت عشرة آلاف دينار توزع في خميس العهد، المعروف شعبيًا باسم "خميس العدس".

أما المشهد الأكثر تأثيرًا، فكان مع حلول الليل؛ إذ خرج القساوسة والرهبان في مواكب يحملون الصلبان والمشاعل، يتلون الصلوات والترانيم، بينما كانت أجراس الكنائس تمتزج بأصوات المؤذنين، وتختلط ترانيم القساوسة بتكبيرات المشايخ، في صورة جسدت مصر كما عرفها التاريخ... وطنًا يتسع للجميع.

ربما تغيرت أشكال الاحتفال عبر القرون، لكن بقيت الحقيقة التي سجلها التاريخ واضحة؛ أن المصريين عرفوا معنى التعايش والمواطنة قبل أن يصبح مصطلحًا متداولًا، وأن الأعياد كانت دائمًا مناسبة للفرح المشترك، لا للفرقة، وأن النيل لم يجمع ضفتيه فقط، بل جمع حوله شعبًا واحدًا، اختلفت عقائده، واتحدت روحه.
 

مقالات ذات صلة