فحسب حلقة 2026/7/20 من برنامج "ملفات محظورة" الذي تنتجه منصة الجزيرة 360 ويمكنكم مشاهدتها كاملة على هذا الرابط، فقد زودت الولايات المتحدة الإيرانيين بالسلاح خلال حربها الأخيرة مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، فيما عرف بـ"إيران كونترا".
ولم يكن تزويد الإيرانيين بالسلاح رغبة في التقارب معها بقدر ما كان نوعا من إبعادها عن الاتحاد السوفيتي آنذاك، لأن عدم إيجاد مورد أسلحة في ذلك الوقت كان يعني هزيمة صريحة للجمهورية الإسلامية.
في ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة قد أعلنت إيران دولة راعية للإرهاب بعد الهجوم الذي نفذته الجهاد الإسلامي ضد قوات المارينز في لبنان وأودى بحياة 241 جنديا أمريكيا و52 مظليا فرنسيا في بيروت.
والشائع أن إيران هي التي رعت ومولت هذه العملية التي مثلت أكبر ضربة لأمريكا منذ الحرب العالمية الثانية، فضلا عن احتجازها لعشرات الدبلوماسيين الأمريكيين في مقر سفارة واشنطن بطهران خلال الثورة الإيرانية عام 1979، فيما عرف بـ"أزمة الرهائن الأمريكيين".
بالتالي، كانت الولايات المتحدة وفرنسا تزودان العراق بالسلاح خلال حربه مع إيران (1980-1988)، لكن بحلول عام 1985، بدت إيران قريبة من الهزيمة ومن ثم خشيت إدارة رونالد ريغان من تحولها إلى الاتحاد السوفيتي بحثا عن العون.
تنازلات من أجل المصلحة
وكما كانت أمريكا مستعدة للتعاون رغم العداء العلني بين البلدين، كانت إيران أيضا مستعدة للتعاون ولو مع "الشيطان الأكبر"، للحصول على ما يمكنها من مواصلة القتال وتجنب الهزيمة.
وهكذا، جمعت المصالح ما فرقته التصريحات والعقوبات والتهديدات التي لا تتوقف، وبدا العدوّان مستعدين لتقديم تنازلات، لكن ليس أمام الكاميرات.
ولضمان سرية التعاون بين العدوين اللدودين (الشيطان الأكبر وراعية الإرهاب)، كان لا بد من الحصول على من يتوسط في هذه الصفقة التي لم يكن ممكنا لأي من الطرفين الإعلان عنها.
ولأنها صفقة تتعلق بالأسلحة، فقد تمت الاستعانة بتاجر أسلحة يدعى منوتشهر قرباني فار، وهو عميل في المخابرات الإيرانية خلال فترة الشاه محمد رضا بهلوي، وكان الأمريكيون يعتقدون أنه عميل مزدوج بين إيران وإسرائيل.
ومع اندلاع الحروب وظهور الجماعات المسلحة في المنطقة، حاول قرباني فار استغلال الظرف لتحقيق مكاسب من بيع الأسلحة للمتقاتلين. كما حاول توريد الأسلحة لإيران لتعويض النقص الذي تعانيه بسبب العزلة الدولية التي فرضتها عليها واشنطن بوضعها على قوائم الإرهاب.
لكن قرباني فار كان يصطدم أيضا بالعقوبات الأمريكية التي تطال كل من يتعاون مع الإيرانيين في كثير من الأمور بينها توريد الأسلحة، ثم زادت الأمور تعقيدا عندما أعلنت وكالة المخابرات المركزية (CIA) حرق قرباني فار، وهو مصطلح يعني في عالم المخابرات التحذير من التعامل مع الشخص وعدم الثقة به.
فكرة جنونية
آنذاك، كانت أزمة الرهائن الأجانب في لبنان على أشدها، وكان هناك أمريكيون بينهم، ففكر قرباني فار في استغلال الأزمة وإقناع إيران باستخدام نفوذها في بيروت للإفراج عن الأمريكيين مقابل الحصول على أسلحة.
كانت الفكرة جنونية في جزء منها، لكنها لم تكن مستحيلة في عالم السياسة، ولم يكن ينقصها سوى الوسيط الموثوق وهنا ذهب قرباني فار إلى فكرة أكثر جنونا وهي أن تكون إسرائيل وسيطا، وهو ما حدث بالفعل.
ولم يكن قبول إسرائيل بتوريد أسلحة أمريكية لإيران نابعا من رغبة في دعمها وإنما من خشية بعض المسؤولين الإسرائيليين من رجوح كفة العراق في الحرب، التي كانوا يريدون الحفاظ على زخمها دون حسمها لصالح أي من البلدين، كنوع من استنزاف الخصوم.
فانتصار أي طرف من الطرفين في تلك الحرب كان يعني هيمنته على المنطقة، وهو ما جعل إطالة أمد القتال مصلحة إسرائيلية خالصة، ومن ثم دخلت تل أبيب على خط الوساطة السرية بين واشنطن وطهران.
وعلى هذا الأساس تعامل الإسرائيليون مع فكرة قرباني فار على أنها أفضل طريقة لتحقيق مصالح الجميع، عبر قنوات سرية، لأنها توفر لإيران السلاح وتعيد للولايات المتحدة رهائنها من لبنان وتقلل خطر التقارب الإيراني السوفيتي، وتضمن لإسرائيل إطالة أمد الحرب.
وعلى الفور، تم تشكيل قناة سرية لتنفيذ الصفقة المأمولة من عدة أشخاص، هم:
- ديفيد كيمخي، جاسوس الموساد السابق الذي كان مديرا عاما لوزارة الخارجية الإسرائيلية آنذاك، وهو أحد أبرز رجال الظل في تاريخ إسرائيل.
- آل شويمر، تاجر سلاح إسرائيلي ومؤسس شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية، ومستشار رئيس الوزراء آنذاك شمعون بيريز.
- يعقوب نمرودي، رجل أعمال وجاسوس إسرائيلي عمل مستشارا لجهاز مخابرات الشاه الإيراني (السافاك).
- مايكل ليدين، مستشار الأمن القومي الأمريكي آنذاك.
ومن خلال هذه القناة، تم الاتفاق على نقل أسلحة أمريكية من مخازن إسرائيل إلى إيران، على أن تعوض أمريكا الإسرائيليين عن هذه الأسلحة، في حين ستقوم إيران باستغلال نفوذها للإفراج عن الرهائن الأمريكيين في لبنان.
وفي 14 سبتمبر/أيلول 1985، ظهرت أولى نتائج الصفقة حيث تم إطلاق سراح الرهينة الأمريكي القس والمبشر البروتستانتي بنيامين وير، الذي تم عصب عينيه ونقله من مقر احتجازه وتركه في أحد شوارع بيروت الغربية، ليجد نفسه حرا.
وجاء الإفراج عن القس الأمريكي بعد تلقي الإيرانيين أول شحنة من صواريخ تاو الأمريكية المضادة للدبابات عبر الإسرائيليين، لكن عملية الإفراج بدت للرأي العام بادرة حسن نية من الخاطفين، كون المفرج عنه رجل دين.
كشف الصفقة السرية
لاحقا تطورت الصفقة حتى بدأت الثقة بين الأطراف تتآكل لأسباب كثيرة كان أولها مواصلة الإيرانيين التفاوض على إطلاق سراح رجل المخابرات الأمريكي وليام باكلي، رغم معرفتهم بموته تحت التعذيب في لبنان في يونيو/حزيران 1985، والذي كان الرهينة الأهم على الإطلاق بل إن البعض اعتبر رغبة واشنطن في استعادته السبب الرئيسي للاتفاق كله.
وفي نهاية 1985، حدث شرخ أكبر بين الأطراف عندما وصلت شحنة صواريخ "هوك" لإيران، لكنها كانت قديمة وأقل من المتفق عليه والأكثر إهانة أنها تحمل علامة نجمة داوود الإسرائيلية.
وحتى صفقات الرهائن بدأت تفقد زخمها لأن اللبنانيين كانوا يطلقون سراح رهينة ثم يختطفون غيره، وهو ما جعل أمريكا تشعر بأنها تتعرض للابتزاز، فيما شعر الإيرانيون بالإهانة بسبب تسليمها أسلحة قديمة وأقل من المتفق عليه.
أما إسرائيل فقد شعرت بالتهميش هي الأخرى وفقدت ميزة تجديد مخزونها من الأسلحة الأمريكية، وذلك عندما دخلت شبكة نيكاراغوا على خط الوساطة بدلا منها.
ودون مقدمات، تم فضح الصفقة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 1986، عندما نشرت صحيفة "الشراع" اللبنانية تحقيقا عنها، ثم خرج رئيس البرلمان الإيراني آنذاك هاشمي رفسنجاني معترفاً بها وبالخطوط العريضة للاتفاق.
ولم يكن معروفا من الذي يقف وراء تسريب الصفقة، فذهب البعض للقول إن الإيرانيين هم الذين سربوا الخبر لفضح الأمريكيين الذين يمنعون العالم من بيع الأسلحة لهم، وكشف تناقضهم حتى تنفتح أمام أسواق الأسلحة.
لكن غالبية المحللين ذهبوا إلى أن النظام السوري هو الذي سرب الخبر، لأن حسن صبرا، رئيس تحرير الشراع، كان معروفا بقربه من المخابرات السورية، ولم يكن ممكنا نشر الموضوع دون موافقة دمشق، التي أرادت تأكيد نفوذها في لبنان على ما يبدو بكشف هذه الفضيحة المدوية، التي أنكرتها الولايات المتحدة ابتداء ثم حاولت التقليل منها.
فقد كان التعامل مع شبكة نيكاراغوا -الجبهة الخلفية في أمريكا اللاتينية- يمثل خرقاً للدستور، وهو ما حول القضية من مجرد صفقة "أسلحة مقابل رهائن" إلى خرق دستوري وقانوني هزّ البيت الأبيض.
بيد أن الأمور لم تدم طويلا حيث تم الكشف عن ورقة واحدة في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 1986، أكدت تورط الحكومة الأمريكية في التعامل مع شبكة نيكاراغوا عن عمد، واستخدام عائدات الأسلحة في تمويل حرب سرية في نيكاراغوا.
ورغم إدانة بعض المسؤولين بالتعامل مع شبكة نيكاراغوا التي كانت تعتمد في جزء من عملها على أموال المخدرات، إلا أن الرئيس جورج بوش الأب أصدر عفوا عن المدانين عام 1992، لأنه كان نائبا للرئيس ريغان وقت الصفقة.


