قال الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر الشريف، إن الثانوية العامة في طبيعتها لا تتجاوز كونها مرحلة تعليمية ضمن رحلة الطالب الدراسية، إلا أن المجتمع منحها حجمًا أكبر من حقيقتها، حتى أصبحت لدى البعض مرتبطة بالخوف والقلق وكأنها اختبار مصيري يحدد مستقبل الإنسان بالكامل.
وأضاف "المهدي" خلال حديثه ببرنامج "راحة نفسية" المُذاع عبر قناة "الناس"، أن مجرد ذكر مصطلح "الثانوية العامة" أصبح مرتبطًا لدى كثير من الطلاب والأسر بحالة من التوتر الشديد، موضحًا أن البعض يبدأ في الشعور بالضغط النفسي قبل دخول هذه المرحلة بفترة طويلة، نتيجة التوقعات العالية والخوف من عدم تحقيق النتائج المطلوبة.
وبيّن أستاذ الطب النفسي أن أحد الأسباب الرئيسية وراء تضخيم أزمة الثانوية العامة هو انتشار مفهوم "كليات القمة"، الذي أدى إلى ترسيخ اعتقاد مجتمعي بأن هناك تخصصات أكثر قيمة من غيرها، وربط نجاح الطالب بالالتحاق بكليات محددة دون النظر إلى اختلاف القدرات والميول بين الأشخاص.
وأضاف أن هذا التفكير يترك آثارًا نفسية صعبة على بعض الطلاب الذين لا يحصلون على المجموع الذي يؤهلهم للكليات التي يطمحون إليها، حيث قد يفسر البعض النتيجة باعتبارها دليلًا على الفشل، وليس مجرد اختيار لمسار تعليمي مختلف، وهو ما يؤثر على ثقتهم بأنفسهم ودافعهم للمستقبل.
وأكد "المهدي" أن النظرة العالمية للتخصصات الدراسية تختلف عن هذا التصنيف، إذ لا توجد فكرة ثابتة عن "كليات قمة" و"كليات أقل"، مشيرًا إلى أن جميع المجالات لها أهميتها، خاصة مع التغيرات الكبيرة التي تشهدها سوق العمل وظهور تخصصات جديدة أصبحت مطلوبة بقوة.
ولفت إلى أن اختلاف الظروف بين الأجيال يمثل عاملًا آخر في استمرار هذه الأزمة، موضحًا أن بعض أولياء الأمور ما زالوا ينظرون إلى التعليم وسوق العمل وفق مفاهيم كانت سائدة منذ عقود، بينما يعيش الأبناء في واقع جديد تحكمه متغيرات مختلفة تمامًا.
ودعا أستاذ الطب النفسي إلى تغيير طريقة التعامل مع الثانوية العامة، وعدم اعتبارها معيارًا وحيدًا للحكم على مستقبل الطالب أو قدراته، مؤكدًا أن النجاح يرتبط بتنوع المهارات والإمكانات الشخصية، وأن هذه المرحلة مجرد خطوة ضمن مراحل متعددة في حياة الإنسان.



