تستعد معظم الأسر المصرية وكذلك المدارس بكل مراحلها حالياً لاستقبال عام دراسى جديد بكل ما يحمله من أعباء والتزامات وطموح وآمال لأبنائهم من الطلبة.
عزز هذا الطموح والتفاؤل اهتمام السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى شخصياً بتطوير العملية التعليمية ووضع رؤى مستقبلية تتواكب من التطور العالمى وتشمل كل مجالات منظومة التعليم بما فى ذلك التحديث الدورى للمناهج والكتب الدراسية لضمان تأهيل الطلبة بأحدث المعايير وأكثرها كفاءة وليس أدل على ذلك من عقد عدة لقاءات لسيادته مع وزير التربية والتعليم والتعليم الفنى تحديداً وإيفاده لبعض الدول وعلى رأسها اليابان للوقوف على أحدث الأساليب والطرق التعليمية بما فى ذلك التعليم الفنى والصناعى والتكنولوجى بحسبان أن التعليم يمثل إحدى ركائز التنمية المستدامة وارتباطاً لقناعة راسخة بأن الاستثمارالحقيقى يبدأ ببناء الإنسان منذ المراحل التعليمية الأولي، حيث يهدف إلى تشكيل الوعى وتنمية القدرات العلمية والفكرية والثقافية له وذلك لما يمثله من ثروة أكثر استدامة وتأثيراً على مستقبل الوطن.
حديثنا اليوم سوف ينصب على مرحلة ما قبل التعليم الجامعي، حيث تشهد تلك المرحلة تغييرات غير مسبوقة فى المنظومة التعليمية بها من أهمها تطبيق نظام البكالوريا، حيث تسعى الوزارة إلى تطوير منهجية العملية التعليمية بصفة عامة وليس المناهج فقط، حيث تهدف إلى تطوير 160 منهجاً دراسياً ليتواءم مع تطبيق هذا النظام ومقرراته الجديدة.. كما يتضمن أيضاً الاهتمام باللغة العربية والتربية الدينية فى المدارس الدولية التى كان اهتمامها محدوداً بهما. كذلك الحال بالنسبة للتعليم الفنى والتدريب المهني، حيث تسعى الوزارة إلى الاستفادة من التعاون مع كل من جمهورية ألمانيا الاتحادية وإيطاليا وذلك لتلبية احتياجات سوق العمل محلياً ودولياً.. يأتى هذا من منطلق الحرص على تنمية مهارات الطلبة فى مجالات التكنولوجيا والبرمجة وتعزيز الشراكات الدولية التى تتيح لهم فرصاً تعليمية متميزة، حيث تم التنسيق مع اليابان بصفة مبدئية على توفير خمسين فرصة تدريبية للطلاب بالشركات اليابانية المتقدمة بما يسهم فى إكسابهم الخبرات العملية وربط مهاراتهم التعليمية باحتياجات سوق العمل، خاصة ونحن نعيش عصر الذكاء الاصطناعي، الذى أصبح لزاماً علينا أن نواكبه ونتعامل معه من منطلق أنه يفتح باباً جديداً للتعليم يستطيع من خلاله الطالب أن يصل إلى المعلومة بشكل مبسط بل ويقترح خطة للمذاكرة ووضع أسئلة تدريبية ويلخص نصاً طويلاً ويصحح أخطاء لغوية، وغيرها من الإمكانات التى يتميز بها الذكاء الاصطناعي، ويبقى على الطالب أن يُحسن استخدامها كى لا يتحول ذلك إلى بديل عن التفكير، حيث إنه يجب أن يكون واضحاً أن استخدامه يكون للمساعدة فقط وليس لكى يحل محل الطالب.. وهنا يأتى دور المعلم الذى يجب أن يكون حازماً فى السيطرة على استخدام الذكاء الاصطناعي، بحيث يتم ذلك تحت إشرافه كى يؤتى ثماره للطالب، فهو الذى يميز بين الفهم الشكلى والفهم الموضوعي، وهو من يربط المعرفة بالقيم ومن يكتشف نقاط ضعف الطالب وقدرته على الاستيعاب وهو الذى يستطيع تحويل التكنولوجيا إلى نشاط تربوى هادف يساعد على الفهم والتطبيق بما يحاكى البيئة والأخلاق والمبادئ التى يعيش فيها الطالب، بحسبان أن التكنولوجيا مهما تطورت وشاع استخدامها لا يجب أن تلغى العلاقات الإنسانية فى التعليم، فالطالب دائماً ما يحتاج التشجيع والقدوة والانضباط، حيث إن الذكاء الاصطناعى لا يمنح كل ذلك وحدة، لذلك فإن أفضل نموذج للعملية التعليمية فى المرحلة القادمة هو نموذج يجمع بين تطوير وتهيئة المعلم وتدريبه على أعلى درجات التدريب، بالإضافة إلى الاهتمام بالمدارس وتجهيزها بقدر الإمكان، علاوة على ضرورة عدم إغفال دور الأسرة خلال المراحل الأولى لتعليم أبنائهم. لقد شهدت مصر نقلة نوعية فى مجال إصلاح التعليم خلال الفترة القليلة الماضية جرى عرضها خلال مؤتمر استشراف مستقبل مصر فى التعليم، لتؤكد أن طموح تطوير التعليم فى مصر أصبح واقعاً وأن النتائج التى تم تقديمها فى التقرير الذى تم عرضه على منظمة «اليونيسيف» اتسمت بالمصداقية والموثوقية نتيجة للعمل الدءوب الذى قامت به الدولة فى هذا الملف الحيوى لتنفيذ أجرأ برامج إصلاح التعليم فى مصر، وهو ما جعل ذلك محل تقدير وإشادة من تلك المنظمة الدولية المختصة بالتعليم، ويكفى هنا أن نشير إلى أنه خلال العامين السابقين انخفضت نسبة الأطفال الذين يعانون صعوبة القراءة والكتابة فى المدارس من 45.5٪ إلى 14 ٪ وانخفاض كثافة الفصول من 63 طالباً إلى 41 طالباً وارتفاع أيام الدراسة من 110 إلى 174 يوماً، إلى جانب سد العجز فى معلمى المواد الأساسية بنسبة كبيرة، علاوة على تأهيلهم وتدريبهم فى الأكاديمية العسكرية المصرية بشكل متميز.
على صعيد متصل، فإن تطبيق نظام البكالوريا المصرية ابتداء من هذا العام سوف يؤدى إلى تطور كبير فى إمكانية التخصص اعتباراً من الصف الثانى الثانوى مع تخفيض عدد المواد الدراسية والقضاء على الفرصة الواحدة بإنشاء فرص متعددة وإمكانية التحسين من مسار إلى مسار آخر، بحيث يمكن للطالب أن يرسم مستقبله بنفسه طبقاً لميوله وقدرته على استيعاب المواد التخصصية.. يبقى التعليم الرهان الأكثر أهمية للدولة المصرية التى تطمح إلى تحقيق مستقبل أفضل، وهو الركيزة التى تبنى عليها جميع خطط التنمية، وأن تطويره لم يعد خياراً بل ضرورة ملحة لتحقيق مجتمع قوى قادر على مواجهة تعقيدات العصر الحديث.

