على إثر استقالة السيدة الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة السابقة، ولا مجال الآن للخوض في هذا سلبا أو إيجابا فقد اتخذت السيدة القرار الصحيح سريعا. وهنا بدأت حملات المؤثرين وغير المؤثرين أيضا تضرب مواقع التواصل الاجتماعي مقترحة أسماء لشخصيات عامة ترشحهم للمنصب الوزاري الرفيع. بالطبع نحن نحيا في مجتمع ديمقراطي يبيح للجميع أن يعبر عن وجهة نظره ولا شك في هذا مطلقا وخاصة بعد أن أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي المنصة الإعلامية لكل من لا منصة له ولا صوت. ورغم ذلك فإن لدي بعض التحفظات اسمحوا لي أن أطرحها من ذات المبدأ الدستوري وهو الحق في التعبير.
حاشاي أن أطعن في أي اسم من الأسماء المرشحة من الأسماء الوازنة في الحقل الثقافي، فمعظمهم من الشخصيات التي مارست العمل الثقافي وتفاعلت مع العمل العام وأثرت وتأثرت، فكان لها ما لها وعليها ما عليها، وهذا شأن كل من يتصدى لوظيفة عامة خاصة إذا كانت تتماس مع المواطنين ونشاطاتهم. بالطبع، لن أنزلق إلى ما أكتب هنا للتحذير منه، وهو تزكية أي منهم. كما لن أتطوع باقتراح أسماء أخرى لم يتم طرحها ضمن قوائم الترشيحات الالكترونية تلك، فبيت الشعر العربي المنسوب للصحابي أبو الأسود الدؤلي يقول: لا تنه عن خلق وتأتي مثله... عار عليك إذا فعلت عظيم.
وجه اعتراضي على تلك الحملات هو اعتراض على المبدأ وليس على الأشخاص. فليس لدولة بحجم مصر أن تعمل بعشوائية بعيدا عن منظومتها الإدارية الراسخة وأن تسمح بتسمية الوزراء بالتصويت عبر وسائل التواصل الاجتماعي. مصر دولة عريقة ولا أقول عميقة تمتلك آلية تُحترم عند اختيار مناصب بهذا المستوى ومن حق أجهزتها أن نترك لها المساحة لتمارس دورها في الانتقاء، ثم سيكون للبرلمان ونوابه دور في التصويت على الاسم المرشح للوزارة سواء تم هذا بصورة عاجلة أو حتى لو أنه أرجئ لأقرب تعديل أو تغيير وزاري قادم.
لدينا بالفعل قواعد ثابتة يتم بها التعامل مع مثل هذه الحالات الطارئة، وهناك تسميات معروفة لدى متخذ القرار لكل وزارة يحل فيها وزير آخر بصورة مؤقتة محل من تمنعه ظروفه من استكمال مهمته سواء بسبب موت أو مرض أو استقالة أو حبس أو غيرها من الموانع. وقد تم بالفعل تكليف معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي د. عبد العزيز قنصوة بمهام منصب وزير الثقافة إلى جانب حقيبته الوزارية وذلك لضمان استمرارية سير العمل في مختلف القطاعات والهيئات الثقافية لحين تعيين وزير جديد إلى تنتهي الدولة من اتخاذ قرارها في ظل هذا الغياب المفاجئ والاستقالة الاضطرارية، التي أعلت من قيم احترام الدستور وعدم تداخل اختصاصات مؤسسات الدولة وسُلطاتها.
حدث هذا من قبل في عدة مناسبات كان آخرها عندما تولى وزير التعليم العالي دكتور خالد عبد الغفار مهام منصب وزير الصحة بصورة مؤقتة حين تم إعلان استقالة الوزيرة هالة زايد من منصبها في أكتوبر 2021. وبعد توليه المسئولية وفق القواعد أثبت الوزير جدارته، فتم اختياره عند أقرب تشكيل وزاري في أغسطس 2022 ليحمل حقيبة الصحة وتكليف غيره بحقيبة التعليم العالي والبحث العلمي بدلا منه.
لن أشكك في نوايا أي ممن تطوعوا لعرض ترشيحاتهم، فليس هذا من طبعي، كما أنني أسلم دائما بحسن النوايا وسلامة القصد، وبالتأكيد كانت الترشيحات كلها محل احترام وتقدير. ساحتنا الثقافية أيها السادة غنية بالأسماء المحترمة من الفاعلين في هذا الحقل سواء ممن سبق لهم تولي مهام إدارية كبرى في الوزارة أو من الأساتذة الأكاديميين أو من القوى الناعمة المصرية في الأدب أو الفن، ولا أظن أن حملات السوشيال ميديا من شأنها أن تفرض اسما على متخذ القرار، وإن كنت لا أنكر أنه يمكنها لفت الانتباه إلى أسماء بعينها قد يظلمها بُعدها عن التواصل مع وسائل الإعلام.
وللأسف أجد بعض المثقفين يكتبون منشورات تطالب بإلغاء هذه الوزارة من الأساس!! يريد هؤلاء أن يلغوا وزارة تهتم بضمير مصر وتبرز مكامن قوتها الناعمة أدبا وفنا وفكرا. هذا المقترح البائس وربما اليائس ينسى أسماء عمالقة تولوا هذه الحقيبة بعد ثورة يوليو التي جعلت من الفكر والثقافة أحد أدواتها المؤثرة داخليا وخارجيا أيضا، فكان أن اختارت عمالقة نجحوا باقتدار في أداء مهامهم الوطنية، بدءا من د. ثروت عكاشة صاحب الأثر وأبو الثقافة المصرية الحديثة. ثم أسماء عظيمة بقيمة الراحل دكتور عبد القادر حاتم، الشهيد الأديب يوسف السباعي، مرورا بالدرعمي دكتور أحمد هيكل، وأبو غازي الأب ثم الابن وكذلك الصاوي الأب ثم الابن في حقب لاحقة، وصولا إلى الوزير الفنان فاروق حسني.
وبعد يناير 2011 تناوب على كرسي الوزارة 9 أسماء تولى بعضهم المنصب لأكثر من مرة. نجح بعض هؤلاء نسبيا، فيما لم يوفق كثير منهم. مع العلم أن تعدد قطاعات وملفات وزارة الثقافة فضلا على صعوبة التعامل مع المثقفين بتباين توجهاتهم يجعل من إدارة هذه الحقيبة أمرا في غاية المشقة والصعوبة، ويدعونا إلى تمني التوفيق للوزير المكلف حاليا والوزير الذي سيقع عليه اختيار القيادة السياسية لاحقا.



