أكتب للمتعة.. وإذا أصبحت الكتابة عبئًا فسأتخلى عنها
يحدث كثيرًا أن تمر عليك الروايات والقصص عملا وراء عمل وتجربة سردية بعد أخرى.. تنتهى الصفحات وتذهب إلى عملك وشواغلك ثم تكتشف أن كثيرًا مما قرأت قد ذهب واحتل مقعده فى قطار النسيان.. لكن قلة من الاعمال تعلق بالذهن وتتشبث بالوجدان ويترك أسلوب الكاتب فيها بصمته على عقلك وذاكرتك.. فتعيش طويلا فى عوالمه ور...

3 مشاهدة
اقرأ من المصدر
جريدة الجمهورية
يحدث كثيرًا أن تمر عليك الروايات والقصص عملا وراء عمل وتجربة سردية بعد أخرى.. تنتهى الصفحات وتذهب إلى عملك وشواغلك ثم تكتشف أن كثيرًا مما قرأت قد ذهب واحتل مقعده فى قطار النسيان.. لكن قلة من الاعمال تعلق بالذهن وتتشبث بالوجدان ويترك أسلوب الكاتب فيها بصمته على عقلك وذاكرتك.. فتعيش طويلا فى عوالمه وربما يستمر حوار داخلى بينك وبين نفسك مع شخصيات أعماله لشهور وسنوات.. الكاتب السورى المبدع إسلام بو شكير أحد هؤلاء الذين نحت أسلوبه الفانتازى الفريد من جبل الموهبة الطاغية.. أصدر بو شكير أعمالًا سردية مختلفة: روايات وقصص منها: أرملة وحيد القرن، الحياة داخل الكهف، ساعات ساعات، خفة يد، زجاج مطحون وغيرها وهى: أعمال متنوعة بين الروايات والمجموعات القصصية وجميعها تدل عليه بروحه الساخرة وأسلوبه الذى يجبرك أن تعيد قراءة السطور والأعمال مرات لترتوى من الدهشة العذبة.. وهو واحد من أصوات سردية قليلة فى الوطن العربى قادر على أن يجذبك دائماً للبحث عن المزيد من أعماله وأن تحزن كثيرا لوصولك لجملة النهاية فى العمل الذى بين يديك له.. «الجمهورية» تحاور بوشكير حول رحلته مع الكتابة ونتاج هذه الرحلة الشيقة.
> تتنقل بخفة بين القصة والرواية.. كلاهما سرد، لكن لكل فن طبيعته الفنية وأدواته.. متى وكيف تقرر أن هذه التجربة قصة أو رواية؟
>>دعنا نتّفق أولاً على هويّة ما أكتبه. أنا شخصياً ما زلت مقتنعاً بأن ما كتبته لم يغادر حدود هذا الفنّ الذى بدأت تجربتى معه وبه: القصّة. أصدرت حتى الآن خمسة كتب حملت على أغلفتها توصيف «رواية»، وهناك عمل سادس مخطوط.. ومع ذلك فأنا فى داخلى لا أشعر بالرضا الصافى عن هذا التوصيف. أرى فيه خيانة لفنى الرواية والقصة معاً..
الرواية عالم آخر لا يتوقف عند الحجم، والقصة كذلك. ما يحدد هوية القصة مجموعة شروط منها: الكثافة، والتركيز، ووحدة الانطباع، والقدرة على ضبط المساحات الخاصّة بالزمان والمكان والشخصيّات، والسيطرة على الأحداث بحيث لا تتجاوز فى امتداداتها المسارات المخطّط لها.. هذه الشروط حاضرة فى نصّي، على حساب شروط الرواية التى تتطلب تعدداً فى الخطوط، وتشابكاً فى المسارات، وتنوعاً فى تجارب الشخصيات مع ما يلى ذلك من تحوّلات حادة تنتهى معها إلى غير ما ابتدأت به..
بكل الأحوال، أنا لا أقرر.. أنا أبدأ الكتابة، والنصّ هو الذى يقرّر متى ينتهى: هنا عند هذه النقطة، أو هناك فى النقطة التالية..
إرباك القارئ
> يمتاز أسلوبك السردى بمفارقة الواقع، وبناء فانتازيا قادرة على إرباك القارئ وتوريطه فى محاولة الوصول لفهم مختلف للعالم.. كيف أتقنت تلك الطريقة؟ ومتى أدركت أنها حيلتك ورهانك الفائز؟
>> لا أتعامل مع الفانتازيا بوصفها هدفاً. هى أداة بين أدوات أحاول الاستثمار فيها للكشف والإضاءة. ورغم أنها ليست الوحيدة التى تشكّل جوهر تجربتي، فإنّها المفضلة لديّ، فى مرحلة معيّنة على الأقل.
بناء العوالم الفانتازية شديد الحساسية، إذ يخلّف انطباعاً لدى بعض الكتّاب بأنه يحررهم من قيود المنطق، ويتيح لهم مراكمة الأحداث كيفما اتّفق بذريعة أنّها خارجة على العقل أساساً، لكن الحقيقة أن هذه العوالم ورطة شديدة التعقيد، إذ لا بدّ – إلى جانب المهارات التقليدية – من امتلاك القدرة على خلق نظام داخليّ يحول دون انزلاق الفانتازيا نحو الفوضي، وعلى تحرير القارئ أيضاً من إحساسه بالغربة تجاه هذه العوالم، ليصبح جزءاً منها، يتفاعل معها كما يتفاعل مع الواقع الحقيقي..
بالعودة لي، فأنا مهووس بفكرة التجديد فى التجربة، ولا أرتاح لحالة التأطير والجمود التى يمكن أن يقع فيها أى كاتب.. لذلك جاء عملى الأخير «الغريب» الذى ما زال مخطوطاً متمرّداً على الفانتازيا، باتّجاه الواقعية المفرطة، الباردة.. وهذا رهانى الجديد.
> هل ترى أنك كاتب ساخر، أم هى سخرية إجبارية بديلة عن البكاء؟ وما السخرية فى نظرك وضرورتها أحياناً فى الكتابة؟
>> نعم، أنا أسخر، ولكن لا أبالغ. أسخر فى حدود ما تمتلكه السخرية من حضور فى حياتنا. أسخر عند الحاجة. أسخر عندما لا يكون هنالك بديل عن السخرية أوّلاً، وعندما يحتاج النصّ إلى السخرية ليكمل الصورة، ويسدّ الفراغات..
بهذا المعنى لن تكون السخرية بديلاً عن البكاء، ولا عن أيّ شيء.. هى ضرورة بذاتها عندما تأتى فى السياق الصحيح..
السخرية لها عندى معنى خاصّ. أنا فى طبيعتى شخص جادّ، ولا أجيد إلقاء النكات.. لكنّنى أعرف كيف ألتقط المفارقات، وكيف أسمّيها، وكيف أوظّفها فى مشهد جارح أكثر منه مضحكاً.. فالسخرية ابنة المفارقة، حيث الشروخ والانقسامات والصراعات العميقة غير المرئية.. وأنا أبحث عن هذا النوع من المواقف، وأوظّفه فى الكتابة لاستكمال مهمّتها فى تشخيص ما يحدث وفهمه..
المشهد الروائى
> كيف ترى صعود الرواية فى الوطن العربى على حساب القصة القصيرة والشعر أيضاً؟ أم أنك لا تتفق مع هذا التصور؟!
>>الرواية اليوم تتصدّر المشهد، وأنا لا أرى فى ذلك مشكلة، رغم أنّنى أصنّف نفسى ضمن كتاب القصّة كما ذكرت لك فى بداية الحديث. لا أرانى متضرّراً على الإطلاق. فهذه فى النهاية ميول القرّاء، وإن كانت مرتبطةً فى جانب منها بالإعلام وآليّات التسويق والترويج وصناعة الرأى العامّ وتوجيهه. ولكن، لو أنّ القارئ لم يجد نفسه فى الرواية، أو لا يملك استعداداً للاستغراق فيها، لما تمكّنت هذه الآليات من أن تحقّق كلّ هذا النجاح..
القضية بعيدة عن كونها تنافساً أو صراعاً بين الأجناس الأدبية. هى قضية ثقافة عامّة تطبع كل عصر بطابعها.. وكما كنّا فى عصر الشعر يوماً ما، فنحن فى عصر الرواية..
ومع ذلك فأنا أرى أنّ القصّة بانزياح الضوء عنها قليلاً حقّقت إنجازاً مهماً: النوعيّة.. بمكانها الطرفيّ نسبياً تخلّصت القصّة من المتطفّلين الذين يستهويهم الظهور بالدرجة الأولي. بقى المشتغلون فيها مخلصين لها، ومؤمنين بقدراتها التعبيريّة الفريدة، لذلك نجد أنّ نسبة الرديء فى نصوص القصّة أقلّ بكثير من نسبته فى الرواية.. وهذا بحدّ ذاته أمر يستحقّ أن ننتبه إليه..
الجوائز الكبرى
> كيف تنظر للجوائز الكبرى فى السرد العربي، ودورها فى صعود الرواية؟ وما مدى مصداقيتها؟ وبحكم عضويّتك فى لجان تحكيم، ما المعيار الذى تعتمده لمنح صوتك لعمل دون آخر؟
>> الجوائز واحدة من أهمّ وسائل تنشيط الحياة الثقافية. عربيّاً بدأت الظاهرة فى وقت مبكر جدّاً، ففى سوق عكاظ ومكّة كان الشعراء يتنافسون، وكان ثمّة لجان للتحكيم. وإذا صحّت الرواية، فإنّ القصائد التى يقرّر المحكّمون فوزها كانت تمنح جائزة معنوية رفيعة: أن تعلّق على جدار الكعبة.. ولعلّ هذه الظاهرة كانت واحدة من عوامل انتعاش حركة الشعر العربيّ فيما بعد..
واليوم، وبعيداً عن الرواية أو القصّة أو الشعر، فإن الجوائز الأدبية عموماً كانت وراء إطلاق عدد لا يستهان به من التجارب الممتازة. وإذا كنّا رأينا تجارب من مستوى متواضع فازت بهذه الجائزة أو تلك، فليس علينا أن نقلق كثيراً.. الزمن لا يحتفظ إلا بما هو لائق، وهو لا ينظر إلى قائمة الجوائز التى حصل عليها هذا الأديب أو ذاك، عندما يقرّر الاحتفاظ باسمه أو إسقاطه من الذاكرة..
تجربة التحكيم
أما عن تجربتى فى مجال التحكيم فأنا أعدّ التحكيم مسؤولية مرهقة جدّاً، إذ إنه يضعنى دائماً أمام سؤال الضمير، تماماً كما هو حال القاضي.. ويزداد الأمر صعوبة عندما أجد نفسى مضطراً للاختيار بين عملين من مستوى متقارب.. هنالك معايير موضوعيّة بالطبع، لكن فى الأدب هنالك معيار لا يمكن تجاهله: معيار ذاتي، لا بمعنى الشخصي، ولكن بالمعنى الجمالى التذوّقي.. وهو بالذات المعيار الأخطر.
> كيف ترى واقع السرد العربى بعد عقود من ميلاد الرواية العربية.. وهل يمكن أن تشير لتجارب وأسماء؟
>> لا شك أنّها قفزات هائلة حقّقها السرد العربى خلال هذا الوقت، لكننى مع ذلك أعتقد أن المطلوب ما زال كبيراً وكثيراً. رغم غزارة الإنتاج روايةً وقصّةً، فإن النص السردى العربى بقى يعانى من مشكلات بنيوية حالت بينه وبين الوصول إلى مستوى ما تحقّق عالمياً. السارد العربى لا يقدّر أهمية الجوانب المهاريّة فى عمله. هنالك عيوب فى الإيقاع «قلما نجد عملاً يسيطر على إيقاع الحدث بطريقة مناسبة»، وفى اللغة «حيث اللغة من مستوى واحد: شعرية مفرطة، أو نثرية مفرطة، وذلك على حساب لغة السرد التى تتكيّف وتتلون وتتغير وفقاً لمقتضيات الموقف أو الشخصية أو السياق التاريخي».. والخلل المنطقى فى بناء الأحداث وطريقة تطوّرها ونموّها «المصادفات والتناقضات والمبالغات والتحولات الاعتباطية، والتراكم غير العضوي».. وعيوب أخرى كثيرة..
قد يبدو رأيى هذا متطرّفاً، أو استعلائياً، وقد يوصف بأنّه تعميم أحمق.. لكن الصورة العامة للأسف لا تخرج عن هذا كثيراً.. طبعاً مع استثناء تجارب خاصّة مثل نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وإبراهيم أصلان، وزكريا تامر، وبعض التجارب المعاصرة الأخري، إضافة إلى الأسماء الشابة التى تجاوزت مرحلة الاجتهاد والمحاولة، وقدمت نتاجاً يستحق أن اهتماماً لائقاً أكثر مما حظيت به فعلياً..
الورش الأدبية
> لك إسهام فى عدد من الورش الأدبية، فهل تؤمن من واقع تجربتك أن تلك الورش قادرة على صنع كاتب؟
>> يسمح لى هذا السؤال بتوضيح موقفى الذى ذكرته للتوّ من واقع السرد العربيّ..
ما ينقص هذا الواقع هو وعى الكاتب بطبيعة السرد، لا من حيث هو موهبة أو طاقة فطرية وحسب، بل بوصفه عملاً مخبريّاً أيضاً يحتاج إلى مهارات خاصّة تحيى تلك الموهبة. تماماً كما أن الموسيقيّ بحاجة إلى معرفةٍ بأساليب الغناء، والمقامات، وفيزياء الصوت.. وكما أن الرسام بحاجة إلى معرفة بالتشريح والمنظور والألوان والظل والنور، وحتّى إلى شدّ القماش وتأسيسه.. فالسارد بحاجة إلى معرفة مماثلة بإدارة الحوارات، والتقطيع، وتطوير الحدث، ورسم الشخصية، والتحكم باللغة، والسيطرة على الإيقاع..
هنا يأتى معنى التدريب.. سواء عبر الدراسة الأكاديمية فى الجامعات، ومن خلال مناهج خاصّة بالكتابة الإبداعية كما هو الحال فى معظم أنحاء العالم، أو عبر الورش التدريبية ذات المدى الزمنى الأقصر..
شخصيّاً لا أقبل بالإشراف على ورشة مدّتها يوم أو يومان.. أفضّل على الدوام أن تكون طويلة من شهرين إلى ثلاثة إلى أربعة أو أكثر، ووفق برنامج متوازن يجمع بين الانضباط المنهجيّ، والمرونة التى تقتضيها ظروف الورشة نفسها.. ضمن هذه الظروف تصبح فرص خروج صاحب الموهبة بوعى أعمق، أكبر بكثير مما لو تُرك وحده، يبحث، ويحاول، وقد يخطئ، وقد يصيب..
> نشرت أعمالك فى دور نشر مختلفة وناشرين متعددين فكيف ترى واقع النشر فى الوطن العربى وما الذى يحتاجه ليكون أفضل؟
>> تعاملت مع سبعة ناشرين. عدد غير قليل، وهو يسمح لى بأن أعطى رأياً حول واقع النشر: نحن لسنا فى أفضل حال.. وهذا الرأى المتوجّس الحذر لا يلقى بالمسئوليّة كلها على الناشر، رغم أن بعضهم يتحملها فعلاً، بل يشير أيضاً إلى الظروف الموضوعية الخاصة بواقع القارئ العربي، وحركة القراءة، وإمكانية الشراء، ومشاكل التوزيع، وسواها..
ما أتطلع إليه ككاتب أن تتحول دور النشر إلى العمل المؤسّسى الذى يدار بعقلية المخطّط الاستراتيجى الذى يرافق عملية إنتاج الكتاب منذ لحظة تكوّنه كفكرة، إلى ما بعد وصوله إلى القارئ، حيث شروط التسويق اللائق، والقراءات النقدية، مع الاهتمام طبعاً بالحقوق المادية للكاتب، وهى الحلقة الغائبة كلياً فى معظم الحالات..
> بعد رحلة مع الكتابة السردية رواية وقصة.. كيف وجدت هذه الرحلة وآثارها، وماذا أضافت أو حققت لك الكتابة؟
>> أهم ما أبحث عنه فى الكتابة هو المتعة. أنا أستمتع بالكتابة ومعها. لا يستهوينى الحديث عن الاحتراق، والمعاناة، والذوبان الداخلي، والروح التى تنسكب مع كل كلمة وكل حرف.. هذا أمر بعيد عنى تماماً.. أكتب وأنا مرتاح، لأن الكتابة خياري، وليست مصيراً وجدت نفسى مقيّداً إليه، ولا أستطيع الخلاص منه.. وثق أننى فى اللحظة التى أشعر معها أن الكتابة أصبحت عبئاً فسأتخلى عنها.. وقد فعلت هذا مرات عديدة. تركتها، واتجهت إلى الرسم مثلاً.. ولو تكرر الأمر فقد أتجه إلى الرياضة، وربما إلى المطبخ.
مقالات ذات صلة
عام
يلا كورة•
الإسماعيلي في نفق مظلم.. 6 مباريات بلا انتصار ووداع مبكر لكأس مصر
الكلمات المفتاحية: الإسماعيلي , كأس مصر , دوري المحترفين
قراءة المزيد
1

سياسة
القاهرة 24•
إدوار ميندي يكشف كواليس ركلة جزاء نهائي أمم إفريقيا 2025 وسبب اعتزاله دوليًا
كشف السنغالي إدوار ميندي، حارس مرمى الأهلي السعودي، كواليس واحدة من أصعب لحظات مسيرته، عندما تصدى لركلة جزاء أ...
قراءة المزيد
1

صحة
القاهرة 24•
عضّها فطعنته بسكين المطبخ.. سيدة تنهي حياة زوجها في سوهاج
أنهت سيدة حياة زوجها “تاجر ذهب”، بعدة طعنات بسكين داخل منزلهما بمركز ساقلتة في سوهاج، عقب مشادة بينهما، بعدما ...
قراءة المزيد
1

عام
صدى البلد•
تأجيل محاكمة 6 متهمين بخلية داعش أكتوبر لـ 17 نوفمبر
قررت الدائرة الأولى إرهاب، المنعقدة بمجمع محاكم بدر، برئاسة المستشار محمد السعيد الشربينى، مساء اليوم، تأجيل م...
قراءة المزيد
1