ثمة أشياء كثيرة تجعلنا نتذكر بالعزة والكرامة ثورة 23يوليو 1952.. ورغم مرور 74 عاماً من عمر الثورة الخالدة «1952/2026»، إلا انها لاتزال أحداثها فى الذاكرة الحية، وفى سطور ما كُتب عنها مملوءة بالأسرار، فآثارها السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والتعليمية والصحية والزراعية والفنية وتجربتها الصناعية ماثلة أمامنا بواقع ملموس يتحدث عن هذه الثورة العظيمة التى يُنسب إليها كبار المؤرخين السبب المهم فى محور التغيير الشامل، ليس فى بلدنا مصر، بل فى محيطها العربى والإسلامى وامتداد آثارها إلى دول العالم الثالث وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.. فقد قارعت ثورات عالمية سبقتها بمئات السنين مثل الثورة الفرنسية.. لكن يوليو تتميز بأنها الثورة البيضاء التى لم تشهد دماء أو طلقات رصاص أو إعدام حكام أو اغتيالهم.. لم يكن فجر 23 يوليو 52 يوماً عادياً، ففيه تحركت مجموعة من ضباط جيشنا العظيم «14 ضابطاً» كانوا يمثلون الطليعة التى التحقت بالكلية الحربية فى النصف الثانى من ثلاثينيات القرن الماضي، وقبل اندلاع الحرب العالمية الثانية فى دولة تجاهد ضد الاحتلال الانجليزى البغيض جاثم على صدر الوطن وناهب لخيراته منذ عام 1882.. هذه المجموعة التى جمعها سقف الكلية الحربية ومع التخرج تنقلت فى العديد من المواقع ما بين القاهرة والاسكندرية وأسيوط وأسوان، لكن هذا التفرق كان يجمعه لقاءاتها فى تمازج واضح بحجة النهوض بالوطن وعدم الرضا عن الاستعمار والقصر وأحزاب ذلك الزمان والتغييرات الوزارية التى تفرض على السراى «الملكية» من المندوب السامى ممثل الاحتلال الذى كان يعد الحاكم الحقيقى للدولة.. فى دولة خريطتها الاجتماعية تشير إلى حقائق مفزعة من الملايين الذين يعيشون تحت خط الفقر وإنتاجها الزراعى لا يزيد على 224 مليون جنيه والصناعى نحو 53 مليوناً.
الحقيقة فى قراءة الطريق إلى ثورة يوليو، نلمس أنها ولادة لمخاض نشأ مع الحرب العالمية الثانية فى مشهد سياسى مرتبك بين خلافات فى «السراي» والأحزاب وصراعات داخلية حادة وجاءت حرب 1948 وقيام اسرائيل والهزيمة العربية «المُرة» بسبب الأسلحة الفاسدة التى فجرها الكاتب والأديب إحسان عبدالقدوس، التى ولدت لدى الضباط «الغصة» أنه لإصلاح حال الدولة لابد من الخلاص من حكم الأسرة العلوية التى حكمت مصر 147 عاماً تقريباً، وأن ثورة 1919 التى تمثل لهم جميعاً- الضباط الأحراب- خلية الثورة الرئيسية فى تاريخ ميلاد لم تحقق طموحاتهم الوطنية.. فى الوقت نفسه المحتل وهو بريطانيا العظمى تمثل امبراطورية لا تغرب عنها الشمس.
فوجئ العالم مع صباح 23 يوليو ببيان بصوت الرئيس الراحل أنور السادات، يعلن قيام ثورة الشعب.. وكان يوماً أو صباحاً فاصلاً بين تاريخين فى بلد هو أقدم حضارات العالم.
هذا اليوم العظيم الذى نحتفل اليوم الخميس بذكراه الـ74، فقد أشرقت شمس مصر على ميلاد جمهورية الثورة التى فجرها الضباط الأحرار.. وكان الشعب المصرى هو الذى حماها ورعاها ونظراً للسرية الشديدة التى نُفذت بإحكام لقيامها وراء عدم تدخل بريطانيا لإخمادها أو إعادة حكم الملك فاروق الذى كان يقيم بقصره فى الاسكندرية.. وهذه السرية المحكمة التى نفذت بها جعلت بريطانيا وكذلك أمريكا لا ترد على استغاثات الملك، لأنها ثورة وطنية مصرية بدماء مصرية تجرى فى عروقها دماء الوطنية الحق للبحث عن بناء الدولة وحماية الوطن.
ارتباك الاستعمار القديم
ارتبكت دوائر الاستعمار القديم، خاصة انجلترا وفرنسا مع أنباء الثورة الأولى وفشلت مخابرات الاحتلال الانجليزى فى الكشف الحقيقى عن الرجل الذى قاد هذا العمل الخطير حتى بعد إذاعة بيان الثورة الأول بصوت الرئيس السادات عضو الضباط الأحرار وبتوقيع محمد نجيب الذى تولى منصب أول رئيس بعد الثورة.
لم يغب عن الضباط الأحرار قراءة التاريخ جيداً، وأن الثورة المضادة قد تفشل مخططهم حتى لو نجحوا ظاهرياً واعتبروا أن ليلة 23 يوليو أطول ليلة فى تاريخ مصر الحديث، ولم يغب عن ذهنهم ثورة 1919 وقبلها مواجهة أحمد عرابى للخديو توفيق ومن سبقه من زعماء الحركة الوطنية المصرية الذين كانوا نبراساً للضباط الأحرار.. وكان فى ذهنهم يوم 22 يوليو قبل ساعات من ساعة الصفر آخر تغيير وزاري- أقصر وزارة فى تاريخ مصر- قبل الثورة بنحو 20 ساعة ولم تحلف اليمين مع إذاعة بيان ثورة يوليو، الذى جاء نصه: من اللواء محمد نجيب القائد العام للقوات المسلحة إلى الشعب المصري.. اجتازت مصر فترة عصيبة من تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون فى هزيمتنا فى حرب فلسطين.. وأما فترة ما بعد هذه الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد وتآمر الخونة على الجيش، وتولى أمره إما جاهل أو خائن أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها.. وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا وتولى أمرنا فى داخل الجيش رجال نثق فى قدرتهم وفى خلقهم وفى وطنيتهم.. ولابد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب.. ومضى البيان يؤكد أن الجيش أصبح لصالح الوطن وأن المعتقلين لن ينالهم ضرر.. وقدم البيان عدداً من الإرشادات والتوجيهات للشعب مع رسالة طمأنة للأجانب الموجودين بمصر سواء فى أرواحهم أو مصالحهم.
لم يكن البيان الأول الذى أعيد قراءته بعد نحو ساعة، إلا رسالة للعالم الذى لم يلمح رد فعل للقصر أو قوات الاحتلال وتناقلته إذاعات العالم، وبدأت من 23 يوليو وحتى 26 يوليو موعد استقلال الملك فاروق موعد خروج الحاشية الملكية عبر «يخت المحروسة» الذى حمله إلى الخارج.. وبمجرد أن أطبق الليل أساريره حول اليخت، دخل الملك نفسه منعزلاً فى غرفة داخل اليخت وراح فى بكاء طويل وبللت الدموع وسادته على حكم انتهى للأسرة العلوية، وبالتأكيد كما سارت الأحداث بعد ذلك انتهى حكم الاحتلال.
دخلت مصر فى محطات ما بعد يوليو ولتنفيذ مبادئ الثورة الستة، التى كان منها بناء جيش قوى كحارس خريطة بناء دولة حديثة بطلائع شابة من الضباط الأحرار وبينهم القائد الكاريزما جمال عبدالناصر، الصورة الخلفية التى كان الشارع رغم استماعه للبيان وخروج الملك يسأل أين الرجل؟!، والمقصود هنا أين القائد الحقيقى لأهم ثورة فى العالم الثالث، الذى كشفته الأحداث بعد ذلك واستمر حاكماً حتى وفاته فى 28 سبتمبر 1970.
فقد كانت الحياة فى مصر إذا حاولنا زيارة التاريخ فى هذا الوقت تؤكد أنه لا صلاح لحال مصر إلا بثورة تحدث تغييراً فى مجتمع «النصف فى المائة» بشكل جذرى وتقضى على الفساد والرأسمالية المتوحشة والإقطاع، وتشير التقارير السرية للسفارة الأمريكية فى لندن عبر القائم بالأعمال هولمز HOLMES فى حوار بينه وبين مسئول بالخارجية البريطانية وصف فيها حالة مصر بأنها سيئة وزفت «GIRM»، فقد كان التفاوت الطبقى واضحاً ونفس الكلام فى ديسمبر 1951 فى تقرير سرى لوزير خارجية أمريكا وقتها بيرتون برى يتفق مع هذا الكلام وأن نصف أراضى مصر يملكها 0.5 ٪ من الشعب.
من هنا كانت محطات الثورة المهمة التى بدأت بمجانية التعليم، ثم قانون الإصلاح الزراعى الذى نفذ بعد 47 يوماً من الثورة فى 9 سبتمبر وبعدها دخلت مصر فى التنمية وحماية القرى المصرية من الفيضان ببناء السد العالي، وقبلها وفى زيارة لإندونيسيا بعد أزمة مارس 1954 أعلن عن أول صفقة تشيكية للجيش وهى أصلاً صفقة روسية وسميت بالصفقة التشيكية كى لا تلفت الأنظار إلى بدء علاقة قوية بين الرئيس عبدالناصر والاتحاد السوفيتى السابق.
رداً على الموقف الغربى بسحب تمويل السد، تم تأميم قناة السويس فى العيد الرابع للثورة، ومن الإسكندرية أُعلن التأميم لتصبح شركة مساهمة مصرية، وفى خطاب تاريخى للرئيس عبدالناصر كانت حروفه صيغت بعناية، وفيه إشارات واضحة للمسئولين عندما يذكر كلمات معينة فى الخطاب لها معني.. وهذا يعكس أن الأمور كانت لا تسير بعشوائية، لكن بروح وطنية وثورية ونجحت تجربة التأميم وكان رداً على الثورة المضادة، أن عدوان 1956 الذى كان من الممكن تفاديه لو لم يتم التأميم ونسى هؤلاء أن بريطانيا وفرنسا كان لديهما برنامج عبر امتياز قناة السويس سنوات أو فترة أخرى.
ومع انتخاب أول رئيس مصرى من أب وأم مصريين بمشاركة وطنية واعية واختيار الرئيس جمال عبدالناصر بدأت خطة التنمية المصرية التى أكدت أن مطامع الاستعمار لن تترك مصر آمنة ولنا فى العدوان الثلاثى رؤية فى ذلك، عندما هاجمت بريطانيا التى خرج جنودها من مصر فى مفاوضات الجلاء ومعها إسرائيل وفرنسا فى محاولة لإثناء مصر عن قرار التأميم الذى لاقى إقبالاً شعبياً واستطاع كل شعب مصر أن يكونوا جنوداً للثورة فى حرب بورسعيد، عندما ضربت الإذاعة وتوجه رئيس مصر وقتها إلى الأزهر الشريف للتأكيد على ثوابت مصر الدينية والأيديولوجية وكان خطابه أيضا من الأزهر رداً على من كانوا يقودون الشائعات والتشويه من فريق الثورة المضادة.
واجهت ثورة يوليو معركة الصدام المباشر مع الإخوان فى أزمة مارس 1954 ومنذ البداية سجلت بعض الكتب التى تناولت الثورة بداية من «فلسفة الثورة» الذى كتبه جمال عبدالناصر وصاغه الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل مروراً بـ «قصة الثورة» للكاتب أحمد حمروش وكتاب «سامى شرف» لماهر مقلد، وهو أحدث كتاب صدر عن سكرتير جمال عبدالناصر قبل وفاته من عامين و«مذكرات كريم ثابت وأوراق سياسية لسيد مرعى و«التاريخ السرى لعبدالناصر» الذى كتبه منير حافظ و«كنت رئيساً لمصر» لمحمد نجيب، ومذكرات كمال الدين رفقى وأوراق يوسف صديق وثورة يوليو لازمة لمحمد حسنين وغيرها من الكتب التى تناقض بعضها فى المعلومات إلا أن القاسم المشترك فيها جميعاً كان الصدام مع الإخوان المسلمين.
بهدوء عندما تقلب فى أوراق التاريخ المصرى الحديث ومنذ عام 1928 إلى اليوم، يصدمك موقف الجماعة الارهابية منذ تعاون حسن البنا بعد مغادرته ايتاى البارود إلى الاسماعيلية وتعاونه مع الانجليز، نجد أن مواقف الاخوان كانت الثورة المضادة ليس أمام ثورة يوليو 52 أو 30 يونيو 2013 بل أيضا أمام كل مشروع تنموي.. ففى المواجهة مع عبدالناصر أرادوا فرض الوصاية على الثورة، وهو ما رفضه مجلس قيادة الثورة بالكامل.
مع ثورة 30 يونيو، كان واضحاً خيوط المؤامرة الارهابية من الاخوان الذين أسقطهم الشعب، ونظراً لفشلهم الذريع فى الحكم الذى كشفه الشعب عندما سرقوا الدولة لمدة عام، كيف تخبطوا وكيف فشلوا فى رسم سياسة واضحة للدولة تنموية واقتصادية وعسكرية وثقافية.
لكن لأن الشعب المصرى يتذكر جيداً أساليب الجماعة الارهابية فى التشكيك، واجههم وأمام التنمية التى قادتها مصر فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي، ولكن رد الشعب كان واضحاً بتأييد ثورة 30 يونيو ومشروعها التنموى وواجهت مصر الدولة والشعب مع الجيش والشرطة الأعمال الارهابية التى مارسوها فى كل ربوع الوطن ومحاولة شق النسيج الواحد.. ولن يهدأ لهم بال لأنهم دعاة فتنة ودعاة انشقاق ومروجو الشائعات الكاذبة والضالة.
أعتقد أنه فى كل يوليو الخالد و30 يونيو الخالدة، سيظل المصريون متمسكين بثوابتهم ومشروعهم الثورى التنموى ووسطية الأزهر الشريف فى سلوكهم الديني.. فإذا كانت 23 يوليو قد أسست لجمهورية حديثة، فقد أسست 30 يونيو لجمهورية جديدة.. واليوم نجد لنا مشروع «حياة كريمة» المشروع الاجتماعى لثورة 30 يونيو، الذى فيه تستكمل الدولة المشروع التنموى لعبدالناصر فى ثورة يوليو، وهو عدالة اجتماعية وكريمة للشعب.. فبين 23 يوليو و30 يونيو روابط مشتركة كثيرة تصب كلها فى بناء دولة قوية وسط محيط متوتر لابد لها من جيش قوى وشعب يحمى مقدراته ويصون حقوقه.


