سياسة جريدة الجمهورية

لا تغتالوا الحلم بالمبالغات!!

من حق المصريين أن يفرحوا بما حققه منتخبهم القومى فى كأس العالم، ومن حق الجهاز الفنى واللاعبين أن يفخروا بما صنعته أيديهم بعد شهور طويلة من التعب والانضباط والإصرار، ومن حقهم أن ينالوا التكريم والتقدير، وأن يحصدوا ثمرة ما بذلوه من جهد. فالنجاح نعمة تستوجب الشكر، والإنجاز الصادق يستحق الاحتفاء. لكن من...

لا تغتالوا الحلم بالمبالغات!!
3 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

من حق المصريين أن يفرحوا بما حققه منتخبهم القومى فى كأس العالم، ومن حق الجهاز الفنى واللاعبين أن يفخروا بما صنعته أيديهم بعد شهور طويلة من التعب والانضباط والإصرار، ومن حقهم أن ينالوا التكريم والتقدير، وأن يحصدوا ثمرة ما بذلوه من جهد. فالنجاح نعمة تستوجب الشكر، والإنجاز الصادق يستحق الاحتفاء.

لكن من حق الوطن أيضًا أن يخاف على هذا النجاح من المبالغة فى الاحتفال به.

فالقرآن الكريم يعلمنا كيف نتعامل مع لحظتى الهزيمة والانتصار معًا، فلا يجعل الخسارة سببًا لليأس، ولا النجاح سببًا للغرور، بل يرسم للمؤمن ميزانًا بالغ الدقة، يقول سبحانه:  «لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ» . وليس المقصود أن نحرم أنفسنا من فرحة الإنجاز، وإنما ألا تتحول الفرحة إلى نشوة تعمينا عن مواطن النقص، أو إلى شعور خادع بأننا بلغنا القمة، بينما الحقيقة أن الطريق ما زال طويلًا، وأن ما تحقق ليس سوى خطوة أولى فى رحلة أصعب وأطول.

إن التاريخ يعلمنا أن الأمم الكبيرة لا تخشى الهزيمة بقدر ما تخشى نشوة الانتصار. فالهزيمة توقظها، وتجبرها على مراجعة نفسها، أما الانتصار فقد يخدرها إذا أحاطته بالمبالغات، وأغرقته فى التصفيق، وتعاملت معه باعتباره نهاية الحكاية، لا أول سطورها.

وهذا هو الخطر الذى يواجه الكرة المصرية اليوم.

لسنا هنا بصدد التقليل من قيمة الإنجاز، ولا إنكار ما قدمه اللاعبون والجهاز الفنى بقيادة الكابتن حسام حسن، وإنما نحاول إنقاذ النجاح من الذين يظنون أنهم يخدمونه، بينما هم -دون قصد- يستهلكون رصيده.

لقد تحولت الأيام التالية للبطولة إلى مهرجان مفتوح من التكريمات، والهبات، والظهور الإعلامي، حتى بدا وكأن المنتخب حقق ما لم تحققه أكبر منتخبات العالم.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأى رياضى أن يقتنع، ولو من حيث لا يشعر، بأن القمة أصبحت خلفه لا أمامه. فالنجاح الذى يغرق صاحبه فى الاحتفالات قد يسرق منه شغف التطور، ويبدد روح التحدي، ويزرع داخله إحساسًا خفيًا بالاكتفاء.

ولذلك جاء المنهج الربانى حاسمًا: «فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ». ما إن تنتهى من مهمة حتى تبدأ الأخرى، وما إن تحقق إنجازًا حتى تستعد لإنجاز أكبر. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز». إنها فلسفة البناء المستمر، لا فلسفة الوقوف طويلًا أمام مرآة الإنجاز.

ولهذا أيضًا لم يكن غريبًا أن نرى فى المدارس الرياضية الكبرى أن الاحتفال لا يستغرق إلا ساعات، ثم يعود الجميع إلى الملاعب وقاعات التدريب، لأنهم يدركون أن البطولة القادمة تبدأ فى اليوم التالى مباشرة للبطولة السابقة.

أما عندنا، فكثيرًا ما يبدأ موسم البرامج بعد انتهاء موسم المباريات، ويتحول اللاعب إلى ضيف دائم على الفضائيات، وتتنافس المنصات على استضافته، حتى يصبح الإعلام ـ فى بعض ممارساته ـ مستهلكًا للنجاح بدلًا من أن يكون شريكًا فى صناعته.

ولذلك لم يكن محمد صلاح ظاهرة عالمية لأنه الأكثر ظهورًا، بل لأنه الأكثر تركيزًا. ترك عمله يتحدث عنه، ولم يجر خلف الكاميرات، فجرَت الكاميرات خلفه. أدرك أن التاريخ لا يكتبه عدد المقابلات، وإنما عدد الساعات التى تقضيها فى التدريب، وعدد المرات التى تنهض فيها بعد كل نجاح لتبدأ من جديد.

ومن هنا فإننا نهمس فى أذن لاعبينا: حافظوا على تركيزكم، وأبقوا حياتكم الخاصة بعيدًا عن ضجيج المنصات. فالأسرة ليست مادة إعلامية، والخصوصية ليست ضعفًا، وإنما جزء من الاحتراف. كما نهمس فى أذن إعلامنا: لا تحولوا بيوت اللاعبين إلى ساحات للترند، ولا تجعلوا الزوجات والأبناء جزءًا من سباق المشاهدات. فالرياضة تُصنع فى الملاعب، لا فى استوديوهات الإثارة.

لكن القضية فى حقيقتها أكبر من اللاعبين والإعلام.

إنها قضية منظومة.

كيف نفرح بإنجاز بينما لا تزال الكرة المصرية تعانى أزمات فى الإدارة، والتحكيم، وجدولة المسابقات، واختلاف اللوائح، وضعف الاحتراف، وتراجع دور الناشئين، وغياب التخطيط طويل المدى؟

كيف ننافس العالم إذا بقيت الموهبة تحتاج أحيانًا إلى واسطة أكثر مما تحتاج إلى موهبتها؟ وكيف نصنع مستقبلًا كرويًا بينما تستنزف الخلافات الإدارية والإعلامية طاقات اللعبة أكثر مما تستنزفها التدريبات؟

إن إصلاح الكرة المصرية لا يبدأ من سيارة تُهدى إلى لاعب، ولا من عشرات حفلات التكريم، وإنما يبدأ من إصلاح اتحاد الكرة، وتطوير مسابقات الدوري، ورفع كفاءة التحكيم، وتطبيق الاحتراف الحقيقي، وإقامة منظومة عادلة لا تعرف المجاملة ولا النفوذ.

ومن هنا جاءت دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى توسيع قاعدة اكتشاف المواهب وتفعيل دور الكشافين فى توقيتها الصحيح. فالدول التى تحصد البطولات لا تنتظر أن تولد المواهب صدفة، وإنما تبحث عنها فى القرى والنجوع والمدارس والأحياء الشعبية، ثم تصنع منها أبطالًا بمنهج علمى طويل النفس.

إن مصر لا ينقصها الموهوبون، وإنما تحتاج إلى منظومة تمنح كل موهوب فرصته، وتحميه من الإحباط والفساد والمجاملات.

ولعل أخطر ما يهدد أى نجاح أن يتحول إلى «تِيمة» نعيش عليها سنوات، نستدعيها فى كل مناسبة، بينما يواصل الآخرون العمل والتطوير. فالرياضة لا تعترف بأمجاد الأمس، وإنما بما ستنجزه غدًا.

قال تعالي: «وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَي». فالإنجاز الحقيقى ليس ما حققناه، وإنما ما نواصل السعى إليه.

إن المطلوب اليوم ليس أن نرفع سقف الاحتفالات، بل أن نرفع سقف الطموح. وليس أن نزداد مديحًا للأشخاص، بل أن نزداد إخلاصًا للمؤسسات. وليس أن نستهلك النجاح، بل أن نستثمره فى صناعة أجيال جديدة.

وقد قال رسول الله: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه». والإتقان لا يعرف الاكتفاء، ولا يعيش على أمجاد الماضي، بل يجعل كل نجاح بداية لنجاح أكبر.

ويبقى فى الختام أن نتذكر الميزان القرآنى الذى لو عملنا به فى الرياضة كما نعمل به فى سائر شؤون الحياة لتغير الكثير: «لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ». فلا تهزمنا الخسارة، ولا تخدعنا الانتصارات، بل نبقى دائمًا بين الشكر والعمل، وبين الطموح والتواضع.

عندها فقط نستطيع أن نقول إن الكرة المصرية لم تربح بطولة فحسب، بل ربحت عقلية جديدة؛ عقلية تؤمن بأن أعظم تكريم لأى لاعب ليس سيارة، ولا برنامجًا تلفزيونيًا، وإنما أن يترك بعد اعتزاله منظومة قادرة على صناعة مائة لاعب أفضل منه… فالأمم لا تصنع الأبطال، بل تصنع مصانع الأبطال.

مقالات ذات صلة