رسم بقلمه الرشيق صوراً لأكثر من 50 شخصية حقيقية عاصرت حياته من واقع المجتمع الذي عاش فيه بأسماء مستعارة، تاركاً بعد رحيله منذ 20 عاماً إرثاً خالداً يجسد نبض الحارة وتاريخها والأحداث التي كانت تدور في زمانه الذي عاش فيه 94 عاماً منذ ولادته عام 1911 وحتي وفاته 2006 وعاصر خلال رحلته العمرية العديد من الأحداث الجسام في ظل الاحتلال البريطاني لمصر وحتي سقوط الملكية ورحيل الملك فاروق علي يد ثورة 23 يوليو عام 1952 وهي فترة كانت حبلي بالأحداث وكانت بمثابة الوقود الأدبي والزاد الملهم لعبقريته المبكرة التي تفجرت وتحولت إلي روايات بلغت 30 رواية أثرت الرواية العربية قبل المصرية وأضافت إلي المكتبة الفكرية إبداعات أمتعت القراء ورقياً والمشاهدين سينمائياً ودرامياً ناهيك عن 20 قصة قصيرة.
أقول ذلك بمناسبة الذكري الـ 20 لرحيل الأديب العالمي نجيب محفوظ التي توافق 30 أغسطس عن عمر يناهز الـ94 عاماً وذكرتني بتحقيق صحفي كلفني به أستاذي متعه الله بالصحة والعافية ناجي قمحة مدير تحرير جريدتي الموقرة الجمهورية عقب حصول أديبنا علي جائزة نوبل للأدب عام 1988، حيث طلب مني عمل تحقيق كان عنوانه «الذين كتب عنهم نجيب محفوظ في رواياته»..
وقتها ذهبت مع الزميل المصور وذهبنا بسيارة الجريدة إلي حي الجمالية حيث ولادة بطلنا في شارع بيت القاضي، وقمنا بجولة بأزقة الحي مروراً بشارع المعز الشهير وقمت بعمل لقاءات مع الأهالي بالشارع ومع العاملين بمقهي الفيشاوي المشهور والمكان الذي كان يقبع فيه لكتابة بعض فصول رواياته ومكوثه في المقهي لساعات، وكيف كان ينفصل عمن حوله لتركيزه العميق في الكتابة، وذهبنا إلي الحلاق الذي يحلق عنده والدكان الذي كان يشتري منه احتياجاته وهو صغير حيث لم يعش في الحي سوي 13 عاماً فقط قبل أن ينتقل إلي العباسية مع أسرته، ولاحظت خلال لقاءاتي كيف كان من حاورتهم يتحدثون بعشق وبفخر بالكاتب الكبير وتواضعه وأدبه الجم وعبقريته التي أوصلته إلي العالمية حيث جائزة نوبل وترجمة غالبية أعماله بلغات أجنبية رغم أن والده كان موظفاً ولم يقرأ كتاباً في حياته بعد القرآن غير حديث عيسي بن هشام للكاتب المويلحي الذي كان صديقه.
كنت حريصاً علي الذهاب إلي بعض الأماكن التاريخية التي تم فيها تصوير المشاهد الخارجية سينمائياً مثل شارع المعز وخاصة المنطقة التي تحمل اسم «بين القصرين» أمام مجموعة السلطان قلاوون ومسجد برقوق والحارات القديمة القريبة من مسجد الحسين ومشاهدة المشربيات وكذلك حارة السكرية الأصلية بالدرب الأحمر وبيت الكريتلية «متحف جابر أندرسون».. القريب من مسجد أحمد بن طولون بالسيدة زينب حيث تم تصوير مشاهد فيلم السكرية ضمن الثلاثية المشهورة لكاتبنا الفذ، وكذلك تجولت في شارع «قصر الشوق» الذي يحمل إحدي ثلاثيته والذي عرفت بأنه نسبة إلي قصر الأميرة أو الملكة «شوق» قديماً في العصور الإسلامية القديمة وتقريباً أيام الملكة شجر الدر وشاهدت يافطة مكتوباً عليها شارع قصر الشوق، أما مبني القصر نفسه فلم يكن موجوداً وبات أثراً بعد عين، وعندما سألت عن تاريخ حارة السكرية وسبب تسميتها قيل لي إن التسمية جاءت نسبة إلي كثرة محلات بيع السكر والمكسرات قديماً بالدرب الأحمر بالقرب من باب زويلة جنوب شارع المعز.
الحقيقة خرجت من التحقيق الصحفي بمعلومات تاريخية قيمة وكيف استغل أديبنا الراحل تلك الأماكن التي عاش فيها طفولته.. في تناولها خلال رواياته ليس في الثلاثية التي حصل بفضلها علي جائزة نوبل، بل تناول أماكن تاريخية أخري وشخوصاً وأحداثاً وقعت في بداية القرن العشرين عن كيفية مواجهة رموز مصر الاحتلال الإنجليزي وتناول كذلك عصر الفتوات وابن البلد والحانات وأحوال ومعيشة المصريين وغيرها وكأنك تعايش هذا العصر وما دار فيه من أحداث وهي فترة مهمة في التأريخ للمحروسة بدءاً من عبث الأقدار عام 1939 وانتهاء بقشتمر عام 1988 مروراً برواية «حكايات حارتنا» عام 1975 والتي منعت من التوزيع لاستخدام محفوظ الرموز الإسقاطية في تناول الذات الإلهية وحدث وقتها لغط كبير وصل إلي اتهامه بالإلحاد.
رحم الله كاتبنا الكبير ونتمني أن يحذو حذوه البعض من الكتاب والأدباء للوصول إلي العالمية والحصول ليس علي الجائزة التقديرية أو التشجيعية التي حصل عليها أديبنا محفوظ ولكن علي جائزة نوبل في الآداب، وليس في هذا المجال أيضاً وإنما في مجالات أخري علمية وطبية مثل عالمنا أحمد زويل رحمه الله، فمصر ولادة وستظل بمشيئة الله.
