رغم تناوله لتجربة ثورة 23 يوليو 1952 بمنهج نقدي، يرى المؤرخ الدكتور رؤوف عباس، في كتابه «ثورة يوليو بعد نصف قرن» الذي نشر عن دار الهلال في عام 2002 أي بعد نحو 50 عاما على الثورة، أن الثورة حققت إنجازات كبرى غيّرت وجه الدولة المصرية، ورسخت مبادئ الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية، وأسست لمشروع تنموي ظل حاضرًا في الذاكرة المصرية لعقود.
ويؤكد رؤوف عباس أن ثورة يوليو نجحت في استكمال ما عجزت عنه ثورة 1919، بعدما أنهت الوجود البريطاني، وأغلقت صفحة الاحتلال العسكري، ورفضت الدخول في الأحلاف الغربية التي كانت تستهدف إبقاء القرار المصري رهينًا للقوى الكبرى، وهو ما اعتبره أحد أهم مكاسب الثورة في مجال حماية السيادة الوطنية.
ويشير الكتاب إلى أن الثورة تبنت موقفًا واضحًا في مواجهة الاستعمار، ورفضت الانضمام إلى المشروعات العسكرية الغربية، معتبرة أن الاستقلال الحقيقي لا يكتمل إلا بتحرر القرار السياسي من أي ضغوط خارجية.
ويرى المؤلف أن من أبرز إنجازات يوليو أيضًا إدراكها المبكر لطبيعة المشروع الصهيوني، باعتباره مشروعًا استيطانيًا توسعيًا، وليس مجرد قضية حدود أو نزاع سياسي.
ولذلك عملت على دعم حركات التحرر الوطني، ورفضت التسويات التي كانت ترى أنها تنتقص من الحقوق العربية، كما شرعت بعد هزيمة يونيو 1967 في إعادة بناء القوات المسلحة، وهي العملية التي مهدت لانتصار حرب أكتوبر 1973.
وعلى الصعيد الاجتماعي، يعتبر رؤوف عباس أن الثورة انحازت بوضوح إلى الفلاحين والعمال والطبقة الوسطى، وسعت إلى تقليص الفوارق الاجتماعية التي كانت سائدة قبل عام 1952، حين كانت الثروة الزراعية متركزة في أيدي نسبة ضئيلة من كبار الملاك، بينما عاش أغلب المصريين تحت خط الكفاف.
ويؤكد أن إجراءات الإصلاح الزراعي كانت من أهم التحولات التي أحدثتها الثورة، بعدما أعادت توزيع جزء من الأراضي الزراعية، وحدّت من نفوذ الإقطاع، ومنحت آلاف الأسر الريفية فرصة امتلاك الأرض لأول مرة.
كما يبرز الكتاب اهتمام ثورة يوليو بتوسيع فرص التعليم والعمل، وإتاحة الصعود الاجتماعي لأبناء الطبقات البسيطة، وهو ما أدى إلى ظهور أجيال جديدة من الكفاءات التي شاركت في بناء مؤسسات الدولة الحديثة.
وفي المجال الاقتصادي، يشير رؤوف عباس إلى أن الثورة تبنت مشروعًا للتنمية الوطنية المستقلة، جعل من الصناعة الثقيلة قاطرة للنمو الاقتصادي، وأقام عشرات المصانع والمشروعات الإنتاجية، بهدف تقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز الاقتصاد الوطني.
ويؤكد المؤلف أن مصر، حتى رحيل الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970، كانت تمتلك اقتصادًا يعتمد على الإنتاج والاستثمار في المشروعات القومية، ولم تكن الديون الخارجية تمثل عبئًا، كما ساهمت الدولة في تمويل مشروعات التنمية ودعم حركات التحرر في العالم العربي وأفريقيا.
ويخلص رؤوف عباس إلى أن ثورة يوليو، نجحت في ترسيخ مبادئ الاستقلال الوطني، والانحياز للفئات الأكثر احتياجًا، وبناء قاعدة صناعية حديثة، وإعادة تشكيل دور الدولة المصرية إقليميًا ودوليًا، لتظل واحدة من أكثر التجارب تأثيرًا في تاريخ مصر الحديث.



