سياسة جريدة الدستور

مونديال مصر.. حين أصبح المنتخب مدرسة في الإدارة وصناعة المستقبل

لم يكن ما حققه المنتخب المصري في هذه النسخة من كأس العالم مجرد نتائج تاريخية أو انتصارات كروية عابرة، بل كان تجربة وطنية متكاملة تستحق أن تُقرأ بعين الباحث، وأن تُدرَّس بعقل الإداري، وأن تُستثمر برؤية الدولة، فالأمم العظيمة لا تتعامل مع النجاح باعتباره لحظة احتفال، وإنما باعتباره مشروعًا لبناء المست...

مونديال مصر.. حين أصبح المنتخب مدرسة في الإدارة وصناعة المستقبل
31 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الدستور

زيارة المصدر

لم يكن ما حققه المنتخب المصري في هذه النسخة من كأس العالم مجرد نتائج تاريخية أو انتصارات كروية عابرة، بل كان تجربة وطنية متكاملة تستحق أن تُقرأ بعين الباحث، وأن تُدرَّس بعقل الإداري، وأن تُستثمر برؤية الدولة، فالأمم العظيمة لا تتعامل مع النجاح باعتباره لحظة احتفال، وإنما باعتباره مشروعًا لبناء المستقبل.

لقد أثبتت هذه التجربة أن الثقة في المدرب الوطني ليست مجرد شعار عاطفي، وإنما خيار يمكن أن يحقق أعظم النتائج عندما تتوافر له البيئة المناسبة، والصلاحيات الكاملة، والدعم الحقيقي، ولسنوات طويلة ظل المدرب المصري يدخل أي منافسة وهو يحمل عبئًا مضاعفًا، لأنه مطالب بإثبات كفاءته أمام جمهور يرى في المدرب الأجنبي الحل السحري لكل أزمة.

 أما اليوم فقد تغيرت المعادلة؛ فلم يعد المدرب الوطني يطالب بإثبات أحقيته في الفرصة، بل أصبح من حقه أن ينافس بقوة على قيادة المنتخبات والأندية الكبرى، بعدما أثبت أن الكفاءة لا ترتبط بجنسية، وإنما بفكر وقدرة على الإدارة والعمل.

ولعل أحد أهم أسرار هذا النجاح يكمن في المنظومة التي بناها الكابتن حسام حسن المدير الفني للمنتخب، بمشاركة شقيقه إبراهيم حسن مدير المنتخب، حيث لم يكن النجاح نتاج موهبة فردية، وإنما ثمرة إدارة متماسكة عرفت كيف توحد الجميع خلف هدف واحد، فقد تشكلت منظومة يغلب عليها الانضباط والالتزام، ووضوح الأدوار، وسرعة اتخاذ القرار، والقدرة على احتواء الأزمات، وهي أمور لا تقل أهمية عن الخطط الفنية داخل الملعب.

ومن أهم الدروس الإدارية التي قدمها حسام حسن منذ اليوم الأول اختياراته لجهازه الفني، ويومها تعرض لهجوم واسع، لأن كثيرين كانوا ينتظرون أن يضم إلى جهازه أسماء لامعة حققت أمجادًا كلاعبين، لكن الرجل كان يدرك أن النجاح في الإدارة لا يقوم على جمع النجوم، وإنما على بناء فريق عمل يستطيع القائد أن يديره بكفاءة.

فالنجومية لا تعني دائمًا القدرة على العمل الجماعي، بل قد تتحول أحيانًا إلى عائق إداري إذا شعر كل فرد أنه نجم مستقل، أو صاحب القرار الأول، والمدير الناجح لا يبحث عن أكثر الأسماء شهرة، وإنما يبحث عن أكثر الأشخاص انسجامًا مع الفكرة، والتزامًا بالمنظومة، وقدرة على تنفيذ الأدوار دون صراع على الأضواء، وقد أثبتت الأيام صحة هذا الاختيار، فلم يكن نجوم الجهاز معروفين جماهيريًا قبل البطولة، لكنهم خرجوا منها نجومًا حقيقيين في الإدارة والفن والإعداد البدني والطب الرياضي، لأن الإنجاز هو الذي يصنع النجومية، وليس العكس.

كما كشفت البطولة عن ميلاد شخصية جديدة للمنتخب المصري، فلم تعد الشخصية المصرية داخل الملعب مجرد رد فعل للمنافس، وإنما أصبحت شخصية مبادرة، واثقة، مؤمنة بقدرتها على الفوز أمام أكبر المنتخبات، وامتدت هذه الشخصية إلى خارج الملعب أيضًا، من خلال المؤتمرات الصحفية التي ظهر فيها حسام حسن بهدوء وثقة واتزان واحترام للمنافسين، بعيدًا عن الانفعال الذي طالما حاول البعض إلصاقه به، كما بدا واضحًا قدرته على التواصل باللغة الإنجليزية، وهو ما عكس صورة احترافية تليق بمدرب منتخب يمثل دولة بحجم مصر.

ولم تتوقف الرسالة عند كرة القدم، بل امتدت إلى الموقف الإنساني، حين عبّر المدير الفني في أكثر من مناسبة عن ضمير حي تجاه القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن الرياضة لا تعني التخلي عن المبادئ، وأن تمثيل الوطن يحمل معه مسؤولية أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون مسؤولية رياضية.

وفي المقابل، كشفت البطولة عن ظاهرة تستحق التوقف أمامها بجدية، وهي إصرار بعض الأصوات في الداخل على مهاجمة المدرب الوطني حتى وهو يحقق إنجازات غير مسبوقة، فهناك من أعلن صراحة أنه لن يؤيد حسام حسن حتى لو عاد بكأس العالم، وهناك من وصل به الأمر إلى تشجيع المنافسين علنًا، وارتداء قمصانهم على الهواء، أو توجيه السباب والتقليل من كل نجاح يتحقق.

هذه الظاهرة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد خلاف في الرأي، فالاختلاف حق مشروع، أما رفض النجاح لأنه جاء على يد شخص بعينه، أو تمني الفشل لمنتخب الوطن من أجل تصفية حسابات شخصية أو إعلامية، فهو خلل أخلاقي وثقافي يستحق المراجعة، وهو خيانة وطنية تستحق المسائلة، فالأمم التي تنهض هي التي تختلف حول الأفكار، لكنها تتوحد خلف رايتها عندما يمثلها أبناؤها في المحافل الدولية.

أما على المستوى الرياضي، فإن ما تحقق سيفتح أبوابًا واسعة أمام كرة القدم المصرية، فاللاعب المصري الذي أثبت قدرته على المنافسة في أكبر بطولة عالمية سيصبح محل اهتمام أندية أكثر، وستزداد فرص الاحتراف، وسترتفع القيمة التسويقية للاعبين، كما ستكتسب الأندية المصرية سمعة أفضل في تصدير المواهب، والأهم من ذلك أن الأجيال الصغيرة ستدخل الملاعب وهي تؤمن أن الوصول إلى العالمية ليس حلمًا مستحيلًا، بل هدفًا قابلًا للتحقيق.

ولذلك فإن الاحتفاء الرسمي الذي شهدناه اليوم باستقبال المنتخب عقب عودته إلى أرض مصر، ثم الإعلان عن استقبال السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي للجهاز الفني واللاعبين وتكريمهم، يحمل رسالة تتجاوز الاحتفال بنتيجة رياضية، إنه إعلان واضح بأن الدولة تقدر النماذج الناجحة، وأن الإنجاز الحقيقي يستحق التكريم، وأن كل تجربة وطنية ناجحة يجب أن تتحول إلى نموذج يُحتذى في الإدارة والعمل والانضباط والإخلاص.

ويبقى السؤال الأهم: ماذا بعد؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نتعامل مع هذا الإنجاز باعتباره نهاية الطريق، فالنجاح الحقيقي يبدأ بعد النجاح الأول، والمطلوب اليوم هو الحفاظ على هذه المنظومة، وتوسيع قاعدة اكتشاف المواهب، وتطوير قطاع الناشئين، وزيادة الاحتكاك الدولي، والاستثمار في العلوم الرياضية الحديثة، والحفاظ على الاستقرار الفني والإداري، حتى يتحول ما تحقق إلى بداية عصر جديد لكرة القدم المصرية، لا إلى ذكرى جميلة نتغنى بها بعد سنوات.

لقد منحنا هذا المنتخب أكثر من انتصار كروي؛ منحنا درسًا في الثقة، والإدارة، والانتماء، والعمل الجماعي، وأثبت أن المصري حين تتوافر له الرؤية الواضحة، ويُمنح الثقة، ويعمل داخل منظومة محترمة، يستطيع أن يصنع ما كان يظنه البعض مستحيلًا.

وهذا... ربما يكون أعظم انتصار حققته مصر في هذا المونديال.

مقالات ذات صلة