سياسة جريدة الجمهورية

حين أنقذنا القدر مرتين

لم تلقب مصر بالمحروسة عبثا، بل هى بالفعل فى حماية الله الواحد القهار. كلما ظن البعض أن هذا الوطن قد مرض، استعاد عافيته ليعود أقوى مما كان. وما جرى فى الخامس والعشرين من يناير 2011، ثم فى الثلاثين من يونيو 2013، لا يمكن فهمه بعيدا عن هذا المعني. لقد أنقذ الله مصر مرتين .. الأولى من فساد استقر فى بنية...

حين أنقذنا القدر مرتين
2 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

لم تلقب مصر بالمحروسة عبثا، بل هى بالفعل فى حماية الله الواحد القهار. كلما ظن البعض أن هذا الوطن قد مرض، استعاد عافيته ليعود أقوى مما كان. وما جرى فى الخامس والعشرين من يناير 2011، ثم فى الثلاثين من يونيو 2013، لا يمكن فهمه بعيدا عن هذا المعني.

لقد أنقذ الله مصر  مرتين .. الأولى من فساد استقر فى بنية حكم طويل، وتحوَّل مع الوقت من ممارسات فردية إلى نظام متكامل يخلط السلطة بالثروة، ويقصى الكفاءة، ويفرغ الدولة من مضمونها ومواردها … لم يكن الغضب الشعبى فى نهاية هذا العهد وليد شعارات أو مبالغات، بل استند إلى وقائع فساد مؤكدة كشفتها أحكام قضائية وتقارير رسمية، فكان الانفجار الشعبى عام 2011 نتيجة طبيعية لمسار طويل من الإهدار والفساد وسوء الإدارة. وجاءت ثورة يناير لتسقط هذا البناء الفاسد،

غير أن الخطر الأكبر كان فى البديل الذى كاد يستقر لولا فضل من الله ويقظة الشعب ومساندة الجيش. وحينها أنقذ القدر مصر للمرة الثانية. فمع وصول جماعة الإخوان إلى الحكم، تبين سريعا أن المشروع المطروح لم يكن مشروع دولة وطنية، بل مشروع جماعة عابرة للحدود، تقدم الولاء التنظيمى على الانتماء الوطني. ضمت هذه الجماعة عناصر تفتقر إلى الخبرة السياسية، لكنها سعت إلى السيطرة على مفاصل الدولة عبر محاولات أخونة المؤسسات، والتدخل فى شئون القضاء، وإضعاف الأجهزة الوطنية، فى مناخ كشف عن غياب رؤية حقيقية لإدارة دولة بحجم مصر. وعن مطامع وتوجهات خبيثة هدفها فرض أفكار مريضة على البلد والمنطقة ..

فى تلك الفترة، كشفت مذكرات وتصريحات لمسئولين أمريكيين، من بينهم هيلارى كلينتون، عن لقاءات عقدت فى الولايات المتحدة مع قيادات من جماعة الإخوان عقب 2011، فى إطار رؤية غربية للتعامل مع صعود تيارات الإسلام السياسى بعد ما سمى بالربيع العربي. وتزامنت هذه اللقاءات مع تداول أفكار خطيرة حول سيناء، وطرح تصورات تتعلق بكيانات ذات طابع ديني، وحلول إقليمية للقضية الفلسطينية، وهى أطروحات رفضتها الدولة المصرية تاريخيا وشعبيا. كما أثيرت مخاوف جدية من تسريب معلومات ووثائق سيادية والتواصل مع جماعات متطرفة، بما شكَّل تهديدا مباشرا للأمن القومي. لم يعد الأمر هو النهوض بالدولة ولكنه تبلور حول أهداف الجماعة الهدامة للسيطرة والبقاء على رأس الحكم.

وكان من أكثر المشاهد التى أتذكرها جيدا والتى تؤكد خسة هذه الجماعة, هو ماجرى فى احتفال ذكرى انتصارنا المجيد فى حرب أكتوبر .. فبدلا من أن يكون الاحتفال بالقائد البطل الذى حقق لنا النصر واستعاد الكرامة الوطنية .. قامت هذه الجماعة بتغييب رمزية القائد واستبداله بالاحتفال بمن قتلوه .. جاءوا بهؤلاء القتلة من جحورهم ليحتفلوا بهم لقتلهم هذا البطل .. وهذا يكفى ليؤكد حجم القطيعة بين الجماعة ووجدان الشعب .. وينم عن نواياهم الخبيثة للسيطرة على الحكم من أجل تنفيذ مخططاتهم الدموية

لكن العناية الإلهية تدخلت مرة ثانية. فخرج الشعب فى الثلاثين من يونيو، رافضا اختطاف الدولة، ومغلقا باب الفوضي، ومنقذا الوطن من مصير كانت ملامحه تتشكل أمام الجميع.

أنا على يقين أن الكثير منا استشعر الخطر من مواقف أو أحداث عايشها خلال هذه الفترة المظلمة القصيرة من تاريخ الوطن .. وياليتنا نتيح المجال لكل من عاصر  أيا من هذه الأحداث لعرضها  كشهادة شخصية عن تلك الأيام العصيبة، حتى يدرك العالم ويسجل التاريخ كيف حفظ الله مصر مرتين؛ أنقذها من فساد أنهكها، ثم أنقذها من مشروع جماعة كان يمكن أن يفتتها.

ويبقى الدرس الأهم أن مصر قد تمرض، لكنها لا تموت، لأن شعبها يعرف متى يقول «كفي».

مقالات ذات صلة