عندما تهتز الأرض بعنف، لا يكون حجم الكارثة مرتبطاً بقوة الزلزال وحدها، بل بقدرة المدن على الاستعداد له. فبينما قد يتسبب زلزال واحد في سقوط آلاف الضحايا في بعض الدول، قد يمرُّ زلزال بقوة مشابهة في دول أخرى بأضرار محدودة نسبياً. وتُعدُّ اليابان أبرز مثال على ذلك؛ فهي تقع في واحدة من أكثر مناطق العالم نشاطاً زلزالياً، لكنها طوَّرت على مدى عقود منظومةً متكاملةً تجمع بين هندسة المباني، والتشريعات الصارمة، والتدريب المجتمعي، لتقليل الخسائر البشرية إلى أدنى حدٍّ ممكن.
ضرب زلزال بلغت قوته 6.8 درجة جنوب غربي اليابان يوم الثلاثاء؛ ما أدى إلى انهيار جزء من مركز تجاري، وتدمير ضريح تاريخي، ومقتل 18 شخصاً على الأقل. ومن المتوقع ارتفاع عدد الضحايا مع استمرار فرق الإنقاذ في البحث بين الأنقاض.
ويُعدُّ سقوط ضحايا نتيجة زلزال سطحي بهذه القوة مأساة بكل المقاييس، لكنه في الوقت نفسه رقم منخفض بشكل لافت مقارنةً بكثير من الزلازل الأخرى ذات القوة المماثلة التي ضربت مناطق مختلفة من العالم خلال السنوات الأخيرة، والتي خلفت آلاف القتلى، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».
فلماذا تكون أعداد الضحايا في اليابان، وهي دولة مُعرَّضة للزلازل بشكل خاص، منخفضة عادةً؟
يرى الخبراء أنَّ السبب الرئيسي يعود إلى عقود طويلة من الاستعدادات التي ركَّزت على جعل المباني أكثر قدرة على مقاومة الزلازل، إلى جانب تطوير أنظمة الإنذار والتوعية المجتمعية.

المباني هي العامل الحاسم في تقليل الخسائر
تسبَّب زلزال بلغت قوته 7.8 درجة، وهو أقوى من زلزال الثلاثاء ولكن ليس بفارق كبير، في مقتل أكثر من 50 ألف شخص وتدمير أو إلحاق أضرار جسيمة بنحو 185 ألف مبنى في تركيا وسوريا. وفي عام 2005، ضرب زلزال بقوة 7.6 درجة باكستان، وأسفر عن مقتل ما لا يقل عن 86 ألف شخص.
أما كارثة اليابان الكبرى عام 2011، فقد بلغت قوة الزلزال فيها 9.0 درجات، وأطلقت طاقةً تفوق طاقة زلزال الثلاثاء بمئات المرات. ومع ذلك، فإنَّ معظم عدد الوفيات، الذي بلغ نحو 18 ألفاً، لم يكن بسبب انهيار المباني، بل نتيجة التسونامي الضخم الذي أعقب الزلزال.
وتكمن أهمية المباني في أنَّ انهيارها، وليس الاهتزاز الأرضي بحدِّ ذاته، يُمثِّل السبب الرئيسي للوفيات في معظم الزلازل. ولهذا أمضت اليابان أكثر من نصف قرن في تطوير أساليب هندسية تجعل مبانيها قادرةً على تحمل الهزات العنيفة وتقليل احتمالات انهيارها.
وقارن دانيال ألدريتش، الأستاذ في جامعة نورث إيسترن والمتخصص في دراسة التعافي من الكوارث في اليابان، بين أعداد ضحايا الزلازل وحجم إنفاق الحكومات على تدابير السلامة والحماية الاجتماعية، ووجد علاقةً وثيقةً بين الأمرين؛ فكلما زاد استثمار الدولة في إجراءات الوقاية والاستعداد، انخفض عدد الضحايا الناتج عن الزلازل.
وقال ألدريتش لموقع «PreventionWeb»، التابع لمكتب الأمم المتحدة للحدِّ من مخاطر الكوارث، عام 2024: «هناك ارتباط قوي جداً جداً جداً».
وأضاف: «تنفق دول مثل اليابان مبالغ أكبر بكثير من أموالها للحفاظ على سلامة الناس، وعادةً ما تكون أكثر استعداداً».
مبانٍ تتحرَّك مع الزلزال بدلاً من مقاومته
تقوم فلسفة البناء المقاوِم للزلازل في اليابان على فكرة أساسية: لا تحاول المباني إيقاف حركة الأرض، بل تتكيَّف معها. ولهذا تُلزم القوانين اليابانية بتصميم المباني الجديدة بحيث تتأرجح مع حركة الأرض بدلاً من مقاومتها بشكل صارم.
أما المباني القديمة التي لا تمتلك القدرة على الانحناء وامتصاص الطاقة، فقد تكون أكثر عرضةً للانهيار فوق سكانها، ولذلك يتركز الجزء الأكبر من الأضرار في الزلازل اليابانية عادةً في الهياكل الخرسانية والخشبية القديمة.
ويُعدّ قانون البناء الياباني حجر الأساس في هذا النظام، إذ جرى تشديده وتطويره بعد كل كارثة زلزالية كبرى.
وكان عام 1981 نقطة تحول مهمة، عندما اعتمدت اليابان معياراً جديداً للبناء يُلزم المباني الكبيرة بالبقاء سليمة في أثناء الزلازل المتوسطة، وبالانحناء وامتصاص الطاقة دون الانهيار خلال الزلازل الشديدة.
وفي زلزال كوبي عام 1995، الذي أودى بحياة أكثر من 6 آلاف شخص، تعرَّضت 5.8 في المائة من المباني التي شُيِّدت بعد تعديل عام 1981 لأضرار متوسطة إلى كبيرة أو انهارت، مقارنةً بـ12.5 في المائة من المباني التي شُيِّدت قبل ذلك، أي أكثر من ضعف النسبة، وفقاً لدراسة نُشرت عام 2019 في مجلة الهندسة، وأعدَّها جيرو تاكاغي من جامعة طوكيو الحضرية، وأكيرا وادا من معهد طوكيو للتكنولوجيا.

وغالباً ما تكون المباني المنهارة هي الأبنية القديمة. فقد وجدت الدراسة نفسها أنَّ أعطال الوصلات في المنازل الخشبية القديمة غير المُصمَّمة هندسياً تسبَّبت في أكثر من 90 في المائة من الوفيات خلال زلزال كوبي. كما أنَّ أعطالاً مشابهة استمرَّت في التسبُّب بانهيار المنازل خلال زلزال كوماموتو عام 2016، بعد عقدين من الزمن.
وقال البروفسور ألدريتش: «للأسف، تميل المباني القديمة إلى الانهيار؛ بسبب صلابتها الشديدة». ووصف تجربته في أثناء وجوده في الطابق الـ17 من مبنى في طوكيو خلال زلزال كبير، قائلاً: «تأرجح المبنى بأكمله ذهاباً وإياباً، لكن لم تنكسر أي قطعة زجاج، ولم يتشقق أي جزء من الجص. لقد بُني المبنى بأكمله ليكون مرناً».
تقنيات هندسية متقدمة لحماية المباني
بالنسبة إلى المباني الأكبر والأكثر أهمية، لا يكتفي المهندسون بجعل الهيكل مرناً، بل يسعون إلى فصل المبنى عن حركة الأرض نفسها.
ومن أبرز هذه التقنيات «العزل القاعدي»، حيث يرتكز المبنى على محامل مرنة، غالباً ما تكون عبارة عن طبقات من المطاط والفولاذ، تعمل على امتصاص جزء كبير من حركة الزلزال، ما يحافظ على استقرار الهيكل العلوي للمبنى نسبياً.
ووفقاً لدراسة، فقد شُيِّد أكثر من 4 آلاف مبنى بهذه التقنية في اليابان بحلول عام 2016، وكان معظمها مستشفيات، ومستودعات كبيرة، ومبانٍ سكنية شاهقة.
أما التقنية الثانية، فتُعرَف باسم «التحكم السلبي»، وتعتمد على تركيب أجهزة بين الطوابق تمتص طاقة الهزة الأرضية، وتقلل من تأثيرها على المبنى. وتُستخدَم هذه الأجهزة حالياً في معظم المباني الشاهقة الجديدة.
ومع ذلك، لا تمثِّل التكنولوجيا سوى جزء واحد من الحل.
الاستعداد المجتمعي جزء من منظومة الحماية
إلى جانب الهندسة المتقدمة، تولي اليابان أهميةً كبيرةً لتدريب السكان ورفع مستوى الوعي المجتمعي. فالسكان يشاركون بانتظام في تدريبات السلامة من الزلازل، ويتدرب طلاب المدارس على عمليات الإخلاء في حال وقوع هزة أرضية، كما يتلقى السكان تدريبات على الإسعافات الأولية واستخدام معدات مكافحة الحرائق.
وتدير الدولة كذلك نظام إنذار مبكر يمكنه إرسال تنبيهات عبر الهواتف والتلفزيون والراديو قبل وصول الهزة الأرضية إلى المناطق المتأثرة بعشرات الثواني. ورغم قصر هذه المدة، فإنَّها قد تكون كافيةً لاتخاذ إجراءات حاسمة، مثل إيقاف القطارات، أو تعطيل خطوط الإنتاج، أو الاحتماء في أماكن آمنة.
وهكذا، فإنَّ قدرة اليابان على تقليل خسائر الزلازل لا تعتمد على قوة المباني وحدها، بل على منظومة متكاملة تجمع بين التصميم الهندسي المتطور، والقوانين الصارمة، والتخطيط طويل الأمد، واستعداد المجتمع بأكمله لمواجهة الكوارث.



