لم تعد الرقابة على المدارس الخاصة مطلبًا مرتبطًا بواقعة أو مخالفة بعينها، فى ضوء الزيادة المطردة فى أعدادها التى تجاوزت 8 آلاف مدرسة خاصة ودولية تضم ما يصل إلى 3ملايين طالب وطالبة فى مختلف الصفوف الدراسية فى مرحلة التعليم ما قبل الجامعى .. وإنما أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة الدور الذى تقوم به هذه المؤسسات التعليمية، وما تتعامل معه يوميًا من طلاب وأسر وبيانات شخصية ومستندات وأموال.
المخالفات التى وقعت فى بعض المدارس الخاصة خلال الفترة الماضية تكشف بوضوح الاحتياج الشديد للرقابة.
المخالفات بل التجاوزات تعددت وتنوعت بين جرائم مالية مثل ما حدث مؤخراً فى إحدى المدارس وحصول مالكها على قروض باسم أولياء الأمور دون علمهم أو أخلاقية مثل جرائم التحرش بالتلاميذ فى بعض المدارس.
كل هذا جعل مبدأ الرقابة الدائمة والحاسمة أمرا لا يقبل النقاش، وإذا كانت وزارة التربية والتعليم قد اتخذت العام الأخير إجراءات حاسمة لردع المدارس الخاصة، لكن مازالت المطالبة بالرقابة الشديدة هى الأساس.
أولياء الأمور رحبوا بالإجراءات التى اتخذتها وزارة التربية والتعليم لضبط منظومة التعليم الخاص، مطالبين بالتوسع فى هذه الإجراءات لتشمل مختلف جوانب العمل داخل المدارس، وأن تتحول الرقابة من تحرك بعد وقوع المشكلة إلى منظومة استباقية قادرة على اكتشاف الخلل ومنع المخالفة قبل أن تتحول إلى أزمة.
وأكدوا أن حماية أبنائهم لا تنفصل عن حماية حقوقهم المالية وبياناتهم الشخصية، مؤكدين أن المدارس الخاصة لم تعد مجرد مكانا لتلقى العلم، وإنما مؤسسة متكاملة تتحمل مسؤوليات تعليمية وتربوية وإدارية ومالية وأمنية، وهو ما يستوجب قواعد أكثر صرامة للحوكمة والشفافية والمساءلة.
خبراء التعليم طرحوا مجموعة من الإجراءات التى يمكن أن تشكل أساسًا لمنظومة جديدة للرقابة، تبدأ من اختيار صاحب المدرسة ومديرها، ولا تنتهى عند متابعة المعلمين والعاملين، مرورًا بالرقابة المالية والإدارية، وحماية بيانات الطلاب وأولياء الأمور، وتوفير قنوات مستقلة للشكاوي، وصولًا إلى التفتيش الدورى والمفاجئ وربط نتائج المتابعة بإجراءات واضحة تجاه المخالفات.
ويؤكد أولياء الأمور أن أى تحرك من جانب الوزارة فى هذا الاتجاه يمثل خطوة إيجابية تستحق الدعم، لكن الأهم هو استمرار الرقابة وتوسيع نطاقها لتصبح جزءًا ثابتًا من إدارة التعليم الخاص، وليس إجراءً استثنائيًا يتم اللجوء إليه عقب ظهور مشكلة.
أكد عادل سمير، ولى أمر، أن الرقابة على المدارس الخاصة يجب ألا تقتصر على الجانب التعليمي، مثل جودة المناهج ومستوى المدرسين والالتزام بالاشتراطات، وإنما ينبغى أن تمتد إلى الجوانب المالية والإدارية، خاصة أن المدارس تتعامل مع كميات كبيرة من البيانات والمستندات الخاصة بالطلاب وأولياء الأمور، من بينها بطاقات الهوية وبيانات الاتصال والمستندات المالية.
وأضاف أن حماية هذه المستندات يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من منظومة الرقابة، حتى لا يتم استخدامها فى غير الأغراض التى قدمت من أجلها، مؤكدًا أن أى تحرك من جانب الوزارة لتشديد المتابعة يمثل خطوة مهمة تستحق الدعم، مع ضرورة استمرارها وتوسيع نطاقها.
المدارس الملتزمة
وأوضح عيد كمال، ولى أمر، أن أى واقعة فردية لا تعنى أن جميع المدارس الخاصة غير ملتزمة، فهناك مدارس تلتزم بالقوانين واللوائح وتطبق أنظمة إدارية ومالية دقيقة، لكن الحاجة إلى تطوير منظومة الرقابة تظل قائمة بصورة مستمرة، خاصة مع توسع القطاع الخاص فى مجال التعليم وزيادة حجم التعاملات المالية المرتبطة به.
وأكد أن المطلوب ليس التضييق على المدارس الملتزمة أو المستثمرين الجادين، وإنما وضع قواعد واضحة تضمن حسن إدارة المؤسسات التعليمية وتحمى الطلاب وأولياء الأمور، مع تطبيق العقوبات على المخالفين.
وقالت شيماء محمد، ولى أمر، إن الرقابة على المدارس الخاصة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مشتركة بين وزارة التربية والتعليم والجهات الرقابية والقطاع المالى وإدارات المدارس.
وأكدت أن المطلوب هو الانتقال من الرقابة التى تتحرك بعد وقوع المخالفة إلى رقابة استباقية تمنع حدوثها من الأساس، لأن حماية أموال وبيانات أولياء الأمور جزء أساسى من حماية الثقة فى العملية التعليمية.
وقال أحمد جمال، ولى أمر، إن المدرسة ليست مجرد مكان لتلقى العلم، وإنما مؤسسة تتعامل يوميًا مع أسر وطلاب وبيانات وأموال، ومن ثم فإن أى خلل فى منظومة الرقابة يمكن أن تكون له آثار تتجاوز المخالفة نفسها.
وأضاف أن قواعد الحوكمة والشفافية والمراجعة كلما كانت أكثر قوة، زادت قدرة المدارس على حماية حقوق أولياء الأمور، وأصبحت العملية التعليمية أكثر استقرارًا وثقة.
نورهان عبدالله، ولى أمر، أشارت الى إن الخطورة الأساسية تكمن فى أن أى استغلال للبيانات يمكن أن يضع المواطن أمام التزامات مالية لم يطلبها أو يوافق عليها، ولذلك فإن حماية بيانات أولياء الأمور أصبحت جزءًا أساسيًا من مسؤولية إدارة المدرسة، وليس مجرد إجراء إدارى روتيني.
وأضافت أن منظومة الرقابة تحتاج إلى التأكد من وجود ضوابط صارمة داخل المدارس الخاصة تمنع استخدام مستندات أولياء الأمور خارج الغرض الذى قدمت من أجله، مع وجود آليات واضحة لمراجعة التعاملات المالية والفصل بين المسؤوليات داخل الإدارة، وعدم ترك الصلاحيات المالية والإدارية فى يد شخص واحد دون رقابة أو مراجعة.
يرى د. تامر شوقي، أستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة عين شمس، أن تطوير الرقابة على المدارس الخاصة يجب أن يبدأ من نقطة أكثر أهمية من التفتيش الدوري، وهى اختيار الشخص الذى يُسمح له أصلًا بإنشاء مدرسة وإدارتها.
ويؤكد أن استيفاء المتقدم للإجراءات الشكلية والقدرة المالية لا ينبغى أن يكونا المعيارين الوحيدين، مشددًا على ضرورة وضع منظومة متكاملة لاختيار أصحاب المدارس، تشمل التأهيل التربوى والنفسى والشخصي، إلى جانب التحقق من حسن السمعة والسلوك.
ويقترح شوقى إخضاع المتقدمين لإنشاء المدارس لاختبارات نفسية وعقلية وشخصية مناسبة، بما يضمن امتلاكهم القدرات والسمات التى تتلاءم مع طبيعة المؤسسة التعليمية، باعتبار أن المدرسة ليست مشروعًا تجاريًا تقليديًا، وإنما مؤسسة تتعامل يوميًا مع الأطفال والشباب والمعلمين والعاملين وأولياء الأمور.
ويضيف أن الاستثمار فى التعليم مرحب به ويمثل ضرورة لدعم المنظومة، لكن الربحية لا يمكن أن تكون المعيار الحاكم على حساب الرسالة التربوية وحقوق الطلاب.
ويطالب أستاذ المناهج وطرق التدريس بأن تتحول الرقابة على المدارس الخاصة من زيارات موسمية أو حملات مرتبطة بوجود شكوى إلى نظام مستمر للمتابعة والتقييم.
وتشمل الرقابة، وفق رؤيته، مراجعة الأمن والسلامة، وصلاحية المنشآت والمرافق، ومدى توفير بيئة آمنة للطلاب، فضلًا عن فحص العملية التعليمية والإدارية والكوادر البشرية والملفات المالية.
يرى شوقى أن الرقابة ينبغى ألا تتوقف عند صاحب المدرسة أو المبني، وإنما يجب أن تمتد إلى كل شخص يعمل داخل المؤسسة التعليمية.
ويؤكد ضرورة مراجعة مؤهلات المعلمين والعاملين ومدى صلاحيتهم للتعامل مع الطلاب، مع وجود آليات مستمرة للتأكد من سلامتهم المهنية والسلوكية، وعدم اعتبار قرار التعيين نهاية المطاف.
واقترح شوقى إنشاء أو تطوير منصة إلكترونية مباشرة تربط ولى الأمر بوزارة التربية والتعليم، بحيث يستطيع تقديم شكواه بشأن أى مخالفة مالية أو إدارية أو تعليمية أو سلوكية، مع حصوله على رقم متابعة واضح ولا تتوقف أهمية المنصة عند استقبال الشكاوي، وإنما يمكن أن تتحول إلى قاعدة بيانات رقابية تكشف المدارس التى تتكرر بشأنها الشكاوي، بما يسمح للوزارة بتوجيه لجان متابعة أكثر كثافة إليها.
من جانبه، يؤكد بليغ بدوي، مدير التعليم الخاص السابق بمديرية التربية والتعليم بالقليوبية، أن التعليم الخاص شريك أساسى فى منظومة التعليم ، ويسهم فى تنفيذ رؤية الدولة لتطوير التعليم وتخفيف الضغط عن المدارس الحكومية.
يقول ان ما تم تداوله خلال الفترة الأخيرة والسنوات السابقة من وقائع تتعلق بالتحرش والمخالفات المالية واستغلال بعض أولياء الأمور أو ابتزازهم، فضلًا عن مخاطر التلاعب بالبيانات الشخصية، يستوجب إجراءات أكثر حسمًا فى الرقابة والمتابعة والحوكمة، بما يضمن حماية الطالب والحفاظ على حقوق الأسرة وأموال المواطنين.
ويشير بدوى الى ضرورة دعم المدارس الخاصة بأخصائيين اجتماعيين ونفسيين يخضعون لإشراف وزارة التربية والتعليم، بما يعزز استقلالية هذا الدور ويضمن التعامل الجاد مع أى واقعة تمس الطالب.
ويرى أن وجود متخصصين يتمتعون بدرجة أكبر من الاستقلالية يمكن أن يمثل ضمانة مهمة لمنع التستر على المخالفات أو التعامل معها داخليًا بعيدًا عن الجهات الرقابية.
يوضح بدوى أنه لابد من إعادة النظر فى آليات اختيار مديرى المدارس الخاصة، بحيث تكون هناك معايير واضحة لاختيارهم، مع التأكيد على عدم تحول العلاقات الشخصية أو الإدارية إلى غطاء يحول دون اكتشاف المخالفات مقترحا كذلك تدوير العاملين فى قطاع التعليم الخاص بالإدارات والمديريات والوزارة بصورة دورية، للحد من تقارب المصالح ومنع تكوين شبكات علاقات طويلة الأمد قد تؤثر فى حياد الرقابة.
ويشدد على أهمية التوسع فى أنظمة المراقبة داخل المدارس، وتغطية الأماكن التى يمكن أن تشهد حركة طلابية، بما يحقق أعلى درجات الأمان، مع الالتزام الكامل بالقواعد القانونية المنظمة للخصوصية وحماية البيانات.. فالهدف وفق رؤيته هو أن يشعر الطالب والأسرة بأن المدرسة بيئة آمنة وتحت رقابة حقيقية، وليست مجرد منشأة يتم تفقدها عند وقوع حادث.
الحساب البنكى
ويضع بدوى الرقابة المالية فى قلب منظومة الحوكمة، مقترحًا إلزام المدارس الخاصة بقنوات مالية رسمية وشفافة تسمح بتتبع عمليات التحصيل والإنفاق.
ويدعو إلى تقليل التعاملات النقدية داخل المدارس إلى أدنى حد ممكن، والتوسع فى وسائل الدفع الإلكترونى والبطاقات، بما يضمن وجود سجل واضح لكل عملية مالية، ويقلل فرص التلاعب أو النزاع حول ما تم دفعه.
ويشد على ضرورة حماية بيانات أولياء الأمور والطلاب وعدم استغلالها أو تداولها خارج الأغراض المشروعة، باعتبار أن البيانات الشخصية أصبحت جزءًا أساسيًا من أمن المواطن وخصوصيته.
