أقيمت في نادي طلعت حرب العريق ندوة موسعة بعنوان «أولادنا والسوشيال ميديا»، تحت رعاية هشام عكاشة، الرئيس التنفيذي لبنك مصر ورئيس مجلس إدارة نادي طلعت حرب، لمناقشة التأثيرات الأمنية والنفسية والاجتماعية للاستخدام غير الآمن للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية، وسبل حماية الأبناء من المخاطر التي قد يتعرضون لها في العالم الرقمي.
وشهدت الندوة حضورًا وتفاعلًا لافتًا من الجمهور، وشارك فيها اللواء محمود الرشيدي، مساعد وزير الداخلية الأسبق لأمن المعلومات، والدكتورة هالة يسري، أستاذ علم الاجتماع وعضو لجنة المرأة الريفية بالمجلس القومي للمرأة، والدكتورة شيماء إسماعيل، استشاري الصحة النفسية وتطوير الذات، ورشا عبد الفتاح متولي، أمينة المرأة بالنقابة العامة للبريد ونائب رئيس سكرتارية المرأة باتحاد نقابات عمال مصر، إلى جانب شريف خليل، المدير التنفيذي لنادي طلعت حرب.
وأدارت الندوة الكاتبة الصحفية سمر الدسوقي، رئيس تحرير مجلة حواء، بحرفية ومهنية عالية؛ حيث نجحت في التنقل بين المتحدثين بانسيابية وتوفير أجواء تفاعلية وحوار متبادل بين المنصة والجمهور.
دور الأندية كمؤسسات مجتمعية وثقافية
افتتح شريف خليل، المدير التنفيذي لنادي طلعت حرب، فعاليات الندوة مرحبًا بالمتحدثين والحضور، ومؤكدًا أن اختيار قضية «أولادنا والسوشيال ميديا» يعكس أهمية الموضوعات التي تمس الأسرة المصرية ومستقبل الأبناء، خاصة في ظل الانتشار الواسع للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية.
وأكد خليل أن دور الأندية لا يقتصر على ممارسة الرياضة فحسب، بل يمتد إلى الجوانب الثقافية والتوعوية والاجتماعية؛ باعتبار النادي مؤسسة مجتمعية قادرة على الوصول إلى الشباب والأسر وفتح مساحات للحوار حول القضايا التي تشغل المجتمع.
وأشار إلى أن جميع الأندية مطالبة بالاهتمام بالجانب الثقافي والتوعوي، وتنظيم الندوات والفعاليات التي ترفع وعي الأبناء وأولياء الأمور بالتحديات الحديثة، وفي مقدمتها مخاطر الاستخدام غير الآمن للإنترنت. وأضاف أن النادي يمكن أن يكون مساحة آمنة للحوار والتوعية والاحتواء، مشددًا على أن مواجهة المخاطر الرقمية تتطلب تكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة والنادي ومختلف مؤسسات المجتمع.
كما أكد أن نادي طلعت حرب يحرص على أداء هذا الدور عبر استضافة وتنظيم الفعاليات التي تتناول القضايا المجتمعية المهمة، لافتًا إلى أن الاستثمار في الشباب يمتد لبناء وعيهم وثقافتهم وشخصيتهم وقدرتهم على التعامل مع المتغيرات المحيطة بهم.
مؤسسات وطنية والتحديات الأمنية في العصر الرقمي
من جانبه، تحدث اللواء محمود الرشيدي، مساعد وزير الداخلية الأسبق لأمن المعلومات، عن عراقة نادي طلعت حرب وقيمته ودوره الممتد، مؤكدًا أنه يمثل إحدى المؤسسات الوطنية العريقة التي تحظى بمكانة خاصة.
وانتقل الرشيدي للحديث عن عصر المعلومات والتحول الرقمي وما صاحبه من ظهور أنماط جديدة من الجرائم المعلوماتية، مشددًا على أهمية دور الأسرة—وخاصة الأب والأم—في حماية الأبناء ومتابعة استخدامهم للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. وأوضح أن الفضاء الرقمي والمحتوى المتاح عبر الإنترنت لا يخضع دائمًا للضوابط والقيم التي تحكم مجتمعاتنا، محذرًا من مخاطر استهداف العقول والتأثير في النشء والشباب.
كما تناول الرشيدي مخاطر الابتزاز الإلكتروني وسبل مواجهته، مشيرًا إلى أهمية اتخاذ الإجراءات الوقائية لحماية الأبناء؛ ومنها استخدام الشرائح الآمنة التي توفر وسائل حماية واطمئنان للأسرة، داعيًا الأسر للاستفادة منها. وطالب كذلك بتقنين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والاعتماد على البطاقات الذكية، بما يسهم في تعزيز حماية الأبناء والحد من تعرضهم للجرائم الإلكترونية.
واختتم كلمته بالتطرق إلى حروب الجيلين الرابع والخامس وحروب الشائعات، وما تتيحه التكنولوجيا الحديثة من أدوات للتأثير ونشر المعلومات المضللة، مؤكدًا أهمية الوعي والقدرة على التحقق من المعلومات والتعامل مع الوسائل الرقمية بصورة حذرة وآمنة.
أهمية «لمّة العيلة» والدعم النفسي للأبناء
بدورها، أكدت الدكتورة شيماء إسماعيل، استشاري الصحة النفسية وتطوير الذات، أهمية استعادة «لمّة العيلة» وعودة الدفء للعلاقات الأسرية، مشددة على أن الاحتواء والحوار والقرب من الأبناء تمثل أركانًا أساسية لحمايتهم نفسيًا واجتماعيًا.
وأوضحت أنه عندما توفر الأسرة لأبنائها الحب والاهتمام والاستماع، فإنها تساعدهم على مواجهة الضغوط والمغريات في العالم الافتراضي، بدلاً من تركهم يبحثون عن الاحتواء خارج نطاق الأسرة. واستعرضت الدكتورة شيماء استهداف الشباب عبر الألعاب الإلكترونية وبعض المحتويات الرقمية وما تتركه من طاقة سلبية وتأثيرات على السلوك والأفكار.
وأكدت أن الأم تمثل «رمانة الميزان» داخل البيت لما تقوم به من دور محوري في المتابعة والتربية والاحتواء، مشيرة إلى أهمية إعادة بناء العلاقة العاطفية بين أفراد الأسرة. كما حذرت من الآثار النفسية والاجتماعية للاستخدام السلبي والمفرط للإنترنت، مثل العزلة والاكتئاب والمشكلات السلوكية، مؤكدة أن علاج هذه الظواهر يتطلب الحوار والتواصل المستمر.
التماسك الأسري قضية أمن مجتمعي
فيما طالبت الدكتورة هالة يسري، أستاذ علم الاجتماع، بعودة الترابط والحوار داخل الأسرة، مؤكدة أن التماسك الأسري قضية تتجاوز حدود البيت لتصبح قضية أمن مجتمعي.
وأشارت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي، التي كان يُفترض بها تقريب المسافات، تحولت في بعض الحالات إلى وسائل لـ«التباعد الاجتماعي» وإهدار الوقت والجهد لدى الأبناء. وأكدت أن التماسك الأسري يعد أحد أهم الأسلحة لمواجهة حروب الجيلين الخامس والسادس، داعية إلى ترشيد وتقنين استخدام الهواتف ووضع ضوابط أسرية وتربوية تضمن الاستخدام الآمن للتكنولوجيا.
وشددت على أن المحبة والاحترام والحوار تشكل الدعائم الأساسية لبناء أسرة متماسكة وقادرة على مواجهة مخاطر العالم الرقمي، موجهة الشكر لنادي طلعت حرب على تنظيم مثل هذه الندوات التي تتناول ملفات مجتمعية وأسرية هامة.
المسؤولية المجتمعية والاتحادات العمالية
تناولت رشا عبد الفتاح متولي أهمية المسؤولية المجتمعية في مواجهة مخاطر الاستخدام غير الآمن لوسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن هذه المسؤولية لا تقع على عاتق الأسرة بمفردها.
وأشارت إلى الدور الحيوي للاتحادات العمالية والمؤسسات المختلفة في نشر الوعي، جنبًا إلى جنب مع المدرسة والأسرة؛ حيث يمكن للمدارس الاستفادة من لجانها الثقافية وأنشطتها لتوعية الطلاب بالتعامل الآمن مع الفضاء الرقمي.
وأكدت أن جميع المؤسسات مطالبة بالقيام بدورها لحماية النشء والشباب، مع التركيز على أهمية الاحتواء والتواصل الدائم لضمان شعور الأبناء بوجود شراكة حقيقية بين الأسرة والمدرسة والمجتمع لحمايتهم.
إدارة صحفية متميزة للندوة
يُذكر أن الكاتبة الصحفية سمر الدسوقي، رئيس تحرير مجلة حواء، أدارت الندوة بحرفية ومهنية عالية؛ حيث نجحت في تحقيق حالة من الانسجام بين أعضاء المنصة والتنقل بين المحاور بسلاسة، مع إتاحة مساحة واسعة لمشاركة الجمهور.
وساهمت إدارتها للندوة في خلق أجواء تفاعلية حوارية تحول معها اللقاء إلى نقاش مجتمعي مفتوح يناقش قضية تمس كل بيت مصري في ظل الانتشار الملحوظ للهواتف الذكية بين الأطفال والشباب.
الاحتواء والوعي والحوار.. مسؤولية مشتركة
في ختام الندوة، أجمع المشاركون على أن حماية الأبناء من مخاطر العالم الرقمي لا تتحقق بالمنع وحده، وإنما من خلال الاحتواء الأسري، واستعادة «لمّة العيلة»، والحوار المستمر، والتربية الرقمية السليمة، إلى جانب تكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة والنادي ومؤسسات المجتمع.
ووجه المشاركون الشكر لنادي طلعت حرب على استضافة الندوة، معربين عن أملهم في استمرار تنظيم مثل هذه الفعاليات التوعوية التي تضع قضايا الأسرة والأبناء في صدارة الاهتمام وتقدم حلولاً آمنة للتعامل مع التطورات الرقمية المتسارعة.

