تواصل الدبلوماسية المصرية رسم ملامح حضورها الإقليمى والدولى بخطى واثقة ترتكز على بناء جسور التعاون الشامل والتنمية المستدامة،لاتقتصر هذه الحركة الدءوبة على ترسيخ الاستقرار فى محيطها المباشر، بل تمتد لتفتح آفاقا جديدة فى أوروبا الشرقية وتعمق جذور الشراكة الاستراتيجية فى العمق الإفريقى.
تتجلى هذه الرؤية المتوازنة فى حدثين بارزين شهدهما المحفل السياسى المصرى مؤخرا، الأول هو استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسى لرئيس جمهورية الجبل الأسود «مونتينيجرو» ياكوف ميلاتوفيتش بالقاهرة، والثانى هو الزيارة الرئاسية التاريخية التى قام بها الرئيس السيسى إلى العاصمة التنزانية «دار السلام».
تحمل زيارة الرئيس ميلاتوفيتش للقاهرة دلالة خاصة للغاية، فهى الزيارة الرئاسية الأولى منذ استقلال جمهورية الجبل الأسود عام 2006 وتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، تكمن أهمية هذه الخطوة فى كونها تدشينا لمرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية والسياسية، وتأكيدا على مكانة مصر كركيزة استقرار لا غنى عنها فى منطقة الشرق الأوسط والمتوسط.
بالنسبة لمصر، يمثل الجبل الأسود نافذة استراتيجية فى منطقة البلقان، وفرصة لتنويع الشركاء التجاريين واستكشاف أسواق جديدة للصادرات المصرية، فضلا عن جذب الاستثمارات المتبادلة، وقد تجسد ذلك بوضوح فى الإشادة المونتينيجرية بالاستثمارات المصرية الناجحة فى قطاع السياحة هناك، ورغبة بلادهم فى توسيع نطاقها لتشمل الطاقة والبنية الأساسية، كما تتلاقى الرؤى بين القاهرة وبودغوريتسا بشأن تغليب الحلول الدبلوماسية، ودعم حق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته وفق الشرعية الدولية، وتقدير الجهود المصرية الحثيثة فى السيطرة على ظاهرة الهجرة غير الشرعية وحفظ أمن الإقليم.
على الجانب الآخر، جاءت زيارة الرئيس السيسى إلى تنزانيا ولقاؤه بالرئيسة سامية صلوحو حسن لتؤكد أن العمق الأفريقى يظل أولوية استراتيجية لا تتزحزح فى الفكر السياسى المصرى. توقيت الزيارة يعكس التزاما مصريا راسخا بمواصلة دعم الأشقاء فى القارة السمراء، وترجمة الروابط التاريخية إلى مشروعات تنموية ملموسة على الأرض.
تكتسب هذه الزيارة زخمها الاستثنائى من النجاح المبهر لمشروع سد «جوليوس نيريرى»، الذى شيدته العقول والأيادى المصرية، ليصبح رمزًا حيا لما يمكن أن تحققه الإرادة الأفريقية المشتركة. ولم تقف الزيارة عند حد الاحتفاء بالإنجاز، بل دفعت بالعلاقات نحو آفاق أرحب عبر التوقيع على مذكرات تفاهم فى مجالات النقل والكهرباء والطاقة المتجددة، والتباحث حول مشروعات الاستصلاح الزراعى المشترك لتعزيز الأمن الغذائى للبلدين، إلى جانب طرح مقترح الممر الملاحى واللوجستى الذى يربط بين ميناءى «سفاجا» و«دار السلام».
إن الجمع بين الانفتاح على دول البلقان مثل الجبل الأسود، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع دول حوض النيل مثل تنزانيا، يبرهن على أن مصر تعتمد دبلوماسية متعددة الأبعاد توازن بين تنويع شبكة علاقاتها الدولية وبين صون أمنها القومى والمائى. هى سياسة تؤمن بأن التنمية والأمن كل لا يتجزأ، وأن بناء الجسور الاقتصادية والسياسية هو السبل الأنجع لتحقيق التقدم والرخاء لشعب مصر ولشعوب المنطقة بأسرها.

