سياسة جريدة الجمهورية

مرارة التجاهل

إن من أقسى ما قد يشعر به الإنسان فى حياته أن يُقابل بالتجاهل، وأن يغيب عنه الاهتمام والامتنان ممن أحاطهم يومًا برعايته، أو منحهم من وقته وجهده وخبرته ما استطاع. وربما تبلغ القسوة ذروتها حين يشعر الأب أو الأم بتجاهل الأبناء، بعد سنوات طويلة من العطاء بلا حساب، وانتظار بلا شكوى، ومحبة لا تعرف الشروط. ...

مرارة التجاهل
0 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

إن من أقسى ما قد يشعر به الإنسان فى حياته أن يُقابل بالتجاهل، وأن يغيب عنه الاهتمام والامتنان ممن أحاطهم يومًا برعايته، أو منحهم من وقته وجهده وخبرته ما استطاع. وربما تبلغ القسوة ذروتها حين يشعر الأب أو الأم بتجاهل الأبناء، بعد سنوات طويلة من العطاء بلا حساب، وانتظار بلا شكوى، ومحبة لا تعرف الشروط.

لكن التجاهل الذى أقصده هنا يتجاوز العلاقات الأسرية والإنسانية الخاصة، ليصل إلى ظاهرة تستحق التوقف والتأمل، وهى طريقة التعامل مع بعض من غادروا مواقع السلطة والمسئولية.

أقابل كثيرين ممن شغلوا مناصب رفيعة، وكانت العدسات والكاميرات تطاردهم ليلاً ونهارًا، وكانت أخبارهم تتصدر الصفحات وتطوف الآفاق، وكانت الهواتف لا تهدأ من الاتصالات والرسائل والطلبات والمجاملات. ثم، وفى لحظة واحدة، تنطفئ الأنوار، ويبتعد الناس، ويغيب السؤال، وكأن قيمة الإنسان كانت مرتبطة فقط بالمقعد الذى يجلس عليه، أو بالمنصب الذى يشغله.

إنه شعور بالغ القسوة أن يجد الإنسان الناس وقد انفضوا من حوله، بعدما كانوا يطوفون معه وحوله، وأن يكتشف أن بعض الوجوه لم تكن تراه هو، بل كانت ترى موقعه ونفوذه وقدرته على اتخاذ القرار.

قابلت، ومازلت أقابل، مسئولين ووزراء وقادة انتهت مهامهم وغادروا مواقعهم. أرى فى أعين بعضهم غصة، وفى حلوقهم مرارة، وفى أفواههم ماء كثيراً، لكنهم لا يتحدثون إلا قليلاً. ربما حفاظًا على صورتهم، وربما احترامًا للدولة، وربما لأن الكرامة تمنعهم من الشكوي.

أنا أعلم يقينًا أن أحدًا لا يخلّد فى السلطة، وأن المناصب لا تدوم، وأن لكل بداية نهاية، ولكل مسئول وقت يأتى بعده من يخلفه. كما أننى لا أدافع عن مسئول أخفق، ولا أطالب ببقاء أحد فى موقعه إلى ما لا نهاية، ولا أزعم أن كل من خرج من منصبه كان بالضرورة ناجحًا أو كفؤًا.

لكننى أتحدث عن ضرورة وجود ميثاق أخلاقى وإنسانى وسياسى للتعامل مع من يغادرون مواقع المسئولية؛ ميثاق يقوم على السؤال عنهم، وتقدير ما قدموه، ومتابعة شئونهم، ودعوتهم إلى المناسبات العامة، والاستفادة من خبراتهم وتجاربهم كلما احتاجت الدولة إليها.

فكثير من هؤلاء يمتلكون معرفة تراكمية، وخبرات عملية، وأسرارًا مهنية وإدارية، واستعدادًا حقيقيًا لتقديم ما لديهم إلى بلدهم فى أى وقت. ومن المؤسف أن تتحول هذه الخبرات إلى طاقات معطلة بسبب التجاهل أو القطيعة.

الأخطر من ذلك أن التجاهل الكامل قد يدفع بعضهم، من حيث لا نشعر، من دائرة الفاعلين إلى دائرة المؤيدين الصامتين، ثم إلى الممتعضين، ثم إلى المعترضين. كما أنه يرسل رسالة سلبية إلى من يشغلون المواقع الآن، فيقول كل واحد منهم فى نفسه: سيأتى الدور علينا يومًا.

هذه ليست مسئولية شخص بعينه ولا جهة بعينها، بل هى ثقافة يجب أن تسود وتتجذر، وأن تصبح جزءًا من أعرافنا وقوانيننا المصرية؛ لأن احترام السابقين لا ينتقص من قيمة اللاحقين، وتقدير من خدموا الدولة هو فى الحقيقة احترام للدولة نفسها.

مقالات ذات صلة