تثبت الأحداث المتسارعة فى ساحة الشرق الأوسط كل يوم ضرورة أن تتحرك مصر بكل جدية وقوة وسرعة لتفعيل وتأمين أهم شريانين وجوديين بالنسبة لشعبها، وهما نهر النيل، والبحر الأحمر.
ولقد صاغت مصر، منذ وقت مبكر مبدأ مهماً من مبادئ سياستها الخارجية، وهو المبدأ الذى يقضى بأن أمن الخليج العربى جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصري، والعربى.
ثم صاغت مؤخراً مبدأ آخر لا يقل أهمية عن سابقه، وهو المبدأ الذى ينص على أن «البحر الأحمر حق حصرى للدول المشاطئة له دون غيرها».
وأرى أن المبدأين يتكاملان معاً ليشكلا رؤية إستراتيجية، ليس فقط للأمن القومى المصرى بل وللأمن القومى العربى والشرق أوسطى جميعاً كوحدة واحدة لا تتجزأ.
بل ويمكن أن نضيف إليهما أمن التجارة العالمية أيضاً التى هى عصب استقرار وسلام العالم.
لقد كشفت أحداث انتفاضة الأقصى فى غزة، والحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران حالياً، عن عنصر بالغ الأهمية من عناصر الارتباط العضوى بين أمن الخليج العربى وأمن البحر الأحمر والأمن القومى المصري، وهو أن أمن قناة السويس وتأمين التدفق الكامل والآمن للتجارة الدولية عبرها يبدأ من أحد أهم الروافد وهو الخليج العربى ومضيق هرمز، مروراً بمضيق باب المندب إلى البحر الأحمر، وصولاً إلى قناة السويس، ومنها إلى أوروبا شمالاً، والأمريكتين غرباً عبر البحر الأبيض المتوسط.
وبالتالى، لم يعد الحديث عن أمن الخليج العربى أو أمن البحر الأحمر مجرد شعارات، بل تحول إلى تعبير واقعى عن حقائق وجود.
وأن أى تهديد أو خطر يحّدق بهذا المسار والدول الواقعة عليه، ابتداء من مياه الخليج العربى حتى مصب قناة السويس فى البحر الأبيض، هو تهديد لأمن مصر القومى، وخطر على سلامتها واستقرارها.
وللخليج العربى شاطئان وليس شاطئاً واحداً، فإيران وحدها تمتد على شاطئه الشرقى، ودول مجلس التعاون الخليجى الست: الكويت ـ قطر ـ الإمارات ـ السعودية ـ البحرين ـ سلطنة عمان تتشارك فى شاطئه الغربى.
ولقد طرحت فى مقال سابق فى هذا المكان قبل أسابيع مبادرة فى هذا المجال تقوم على أساس أن الخليج للدول المشاطئة له، وأن أمنه لن يتحقق إلا من خلال التعاون بين هذه الدول على قدم المساواة، وأنه لابد أن يبدأ من الآن بحث الترتيبات المستقبلية لهذا الأمن، وأن المسئولية الأولى فى هذه الترتيبات تقع على عاتق إيران التى يجب أن تطلق مبادرة عدم اعتداء، وتعاون وسلام مع دول الخليج العربية، تزيل من خلالها، وبخطوات جادة وعملية آثار اعتداءاتها المتكررة على هذه الدول طوال حربها ضد العدوان الأمريكى الإسرائيلى عليها كشرط أساسى لبدء هذا التعاون ووضعه فى إطار جماعى مناسب بما يحقق مصالح أطرافه.
وأستطيع أن أتصور فى حال تحقق ذلك، أن يتغير اسم الخليج إلى «خليج السلام» تعزيزاً للشراكة بين شاطئيه فى تحقيق أمنه وأمن دوله، وأمن التجارة العالمية من خلاله.
وانتقل إلى البحر الأحمر، وأتصور أن تكرار ترديد مبدأ: البحر الأحمر للدول المشاطئة له، لا يكفى لتفعيل وتثبيت هذا المبدأ.
لقد رفعنا هذا المبدأ فى وجه حالتين تعرض لهما البحر الأحمر، حالة انفصال جزء من أراضى دولة الصومال عنها، وتكوين كيان غير شرعى وغير معترف به دولياً ولا أفريقياً.. وكان رفع هذا المبدأ فى هذه الحالة، هو لتأكيد وحدة أراضى دولة الصومال المشاطئة للبحر الأحمر وسيادتها على كامل أراضيها وشواطئها ورفض وجود هذا الكيان أصلاً.
والحالة الثانية كانت فى وجه أثيوبيا، التى سعت لاستغلال هذا الانشقاق، للتقارب من هذا الكيان الانفصالى من أجل أن يكون لها ـ وهى الدولة الداخلية غير المشاطئة للبحر الأحمر موطئ قدم على شاطئه، سواء فى شكل ميناء أو قاعدة حربية.
الآن يجب أن نتحرك، وتتحرك معنا الدول المشاطئة لإنشاء «إطار جماعى مؤسسى» لها يحمى البحر الأحمر وثرواته لشعوبها، ويؤمن الملاحة فيه كشريان حيوى للتجارة الدولية.
ولن يكون ذلك غريباً ومستحدثاً، فقد سبق للدول المشاطئة للبحر الأبيض المتوسط وعددها ثلاثة أمثال عدد دول البحر الأحمر إن فعلت ذلك، وأنشأت «اتحاد البحر المتوسط» كمنظمة دولية إقليمية، تضم الدول الأوروبية فى شمال البحر، والدول العربية الأفريقية فى جنوبه، والدول العربية فى شرقه، إضافة لتركيا. وأصبح إطاراً فعالاً لتنظيم التعاون بين هذه الدول فى كافة المجالات خاصة مجالى استغلال ثروات البحر المتوسط من البترول والغاز وغيرهما، ومواجهة الهجرات غير الشرعية من جنوبه إلى شماله، ومصر من أكثر الدول الأعضاء به فعالية.
لقد أثبت العدوان الإسرائيلى المدعم أمريكياً على غزة قبل عامين رداً على انتفاضة الأقصى، وتكاتف فصائل المقاومة مع الشعب الفلسطينى، مثلما أثبت العدوان الأمريكى الإسرائيلى على إيران، أن إسرائيل هى العقبة الرئيسية أمام أمن واستقرار المنطقة، وأمن واستقرار التجارة العالمية من خلال المضائق والممرات الملاحية، وكانت مصر هى الأكثر تأثراً وتضرراً من هذه الاعتداءات، من خلال تأثيرها على قناة السويس، ومن ثم على الاقتصاد المصرى وحياة المصريين.
وتكفى الإشارة إلى أنه ما أن وقعت مصر مع دولة الصومال الشرعية اتفاقية دفاعية فى إطار الدفاع العربى المشترك دعماً لها فى مواجهة الانفصال، حتى سارعت إسرائيل بإعلان اعترافها بالكيان الانفصالى وإقامة علاقات دبلوماسية له، حتى يكون وجودها هناك حائلاً دون تفعيل الاتفاقية المصرية عند الحاجة، لأنه سيعنى وقتها مواجهة إسرائيل وهو ما يتعارض مع اتفاقية السلام.
ولذلك لابد أن تكون مصر هى من يقود ويدفع من أجل ترتيبات الأمن القومى العربى وأمن الشرق الأوسط لأنه أمنها القومى.




