يوم 13 سبتمبر الحالى، احتفل المجتمع الدولى بمنظماته السياسية وجمعياته الحقوقية بـ «اليوم العالمى للقانون»، ويوم 21 من ذات الشهر احتفل باليوم العالمى للسلام، ورغم أن المناسبتين يتم الاحتفال بهما كل عام فى نفس التاريخين، فإن ما جرى فيهما وبينهما هذا العام كان لافتاً ومثيراً للاهتمام.
وأقصد تحديداً ما جرى متعلقاً بالقضية التى تجسد أكبر انتهاك للقانون وللسلام على مستوى الشرق الأوسط والعالم خلال العقود الثمانية الأخيرة، وهى القضية الفلسطينية، بسبب الوجود والسلوك العدوانى الإسرائيلى المدعم عسكرياً وسياسياً من الولايات المتحدة.
يوم 16 سبتمبر، أى بعد ثلاثة أيام فقط من الاحتفال العالمى بيوم القانون، رفضت الإدارة الأمريكية منح الوفد الفللسطينى رفيع المستوى برئاسة الرئيس محمود عباس تأشيرة دخول أراضيها لحضور اجتماع الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، للعام الثانى على التوالى.
القرار الأمريكى استند إلى ثلاثة أسباب معلنة هى: لجوء فلسطين لمحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية لعرض قضيتها ـ سعى فلسطين للحصول على الاعتراف الدولى بها كدولة، خارج مسار المفاوضات التى ترعاها الولايات المتحدة.. وأخيراً، استمرار فلسطين فى دفع مخصصات لمن تصفهم أمريكا بالإرهابيين.
وهى نفس الأسباب التى استندت إليها الإدارة الأمريكية العام الماضى، وأصدرت بمقتضاها عقوبات ضد السلطة الفلسطينية ورئيسها بمنعهم من حضور دورة الجمعية العامة السابقة، وقررت هذا العام مد تفعيل هذه العقوبة.
القرار الأمريكى نموذج مثالى لأسوأ انتهاك للقانون وللسلام معاً.. وبمناسبة الاحتفال العالمى بهما.
فهو ـ أى القرار، انتهاك «لاتفاقية المقر» التى وقعتها الإدارة الأمريكية مع الأمم المتحدة منذ عام 1947، أى بعد عامين من إنشاء واستقرار المنظمة الدولية على الأراضى الأمريكية بمقرها فى نيويورك، وفيه تلتزم الإدارة الأمريكية بالسماح لوفود الدول الأعضاء جميعاً بلا استثناء بحضور اجتماعات المنظمة الدولة التى تعقد على أراضيها بنيويورك.
وهو ـ أى القرار ـ يمثل أسوأ انتهاك للقانون والقضاء الدولي، لأنه يعاقب دولة على ممارسة حقها فى اللجوء بقضيتها إلى العدالة الدولية لوقف العدوان عليها وإنهاء احتلال أراضيها وحرب الإبادة الجماعية ضد مواطنيها.
ثم هو ـ أى القرار ـ يمثل أسوأ انتهاك للسلام، من خلال التعامل بمعايير مزدوجة.. فتاريخ أمريكا مع عملية السلام فى الشرق الأوسط من خلال القضية الفلسطينية منذ تولت رعاية هذه العملية قبل نحو أربعة عقود قام على أساس واحد، وهو الوقوف فى الأمم المتحدة وكافة المحافل الدولية ضد إصدار أى قرار بإدانة إسرائيل أو توقيع عقوبات عليها مهما فعلت، بدعوى أن ذلك من شأنه عرقلة جهود السلام وحل القضية الفلسطينية.
وأمريكا نفسها الأن هى التى تعاقب السلطة الفلسطينية لمدة عامين متتاليين، استناداً إلى أسس واهية دون أن ترى فى ذلك عرقلة لجهود السلام التى ترعاها.
فى الحالتين، العام الماضى وهذا العام.. هدف منع السلطة الفلسطينية من المشاركة المباشرة فى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، هو «تغييب» الحضور الفلسطينى المتنامى دولياً منذ طوفان الأقصى لصالح الحضور الإسرائيلى المتهاوى دولياً أيضاً، والذى يساهم فى عزلة إسرائيل.
النتيجة جاءت عكسية فى المرتين.
فى الدورة الماضية شهدت فلسطين مهرجاناً عالمياً لاعتراف دول من مختلف قارات العالم بها كدولة وكعضو بالأمم المتحدة حتى بلغ عدد الدول التى اعترفت بها حتى الآن 160 دولة.
فى الدورة الحالية، ويوم الخميس الماضى، عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اجتماعاً صوتت فيه على مشروعى قرارين عن فلسطين.
القرار الأول يطالب أمريكا بالتراجع عن منع الوفد الفلسطينى برئاسة «عباس» من حضور اجتماعاتها وحظى القرار بموافقة 152 دولة، ومعارضة 3 دول!! هى أمريكا وإسرائيل وباراجواى، وامتناع 4 دول عن التصويت وكلها من أمريكا اللاتينية وهى كولومبيا وهندوراس وبنما وبيرو.
أى أن من، وما أرادت أمريكا تغييبه لصالح إسرائيل هو من سيطر على هذا الاجتماع وكان الأكثر إبهاراً وقوة.. كان هناك 152 فلسطين بدلاً من فلسطين واحدة.. مقابل أمريكا وإسرائيل.
أما القرار الثانى فكان عن حل الدولتين، وحصد موافقة 142 صوتاً، ومعارضة 10 أصوات، وامتناع 12 عن التصويت، وتغيب 29 دولة عن حضور التصويت، بينها العراق وتونس.
ومع ذلك، وقف الرئيس ترامب فى الجمعية العامة هذا الأسبوع ليعدد إنجازاته فى سبيل تحقيق سلام العالم واستقراره، ويقول: الكل فى العالم «يتحدث» عن السلام.. لكن أنا وحدى الذى «أصنع» السلام.
وتشاء الظروف أن يصدر هذا الأسبوع التقرير السنوى لمعهد الاقتصاد والسلام بالسويد عن حالة السلام بالعالم عام 2025، وهو العالم الأول لترامب الذى قال أنهى فيه 8 حروب ليؤكد تراجع مؤشر السلام العالمى وتزايد الصراعات المسلحة إلى 65 صراعاً، وأن 99 دولة شهدت تدهوراً فى مستوى السلام، وهو ـ كما أشار التقرير ـ أكبر عدد منذ بدء إطلاق هذا التقرير قبل عقدين.
بل ويقدم الرئيس ترامب للكونجرس الأمريكى طلباً لإمداد إسرائيل بأسلحة متنوعة بقيمة 2.8 مليار دولار، تتضمن فيما تتضمن ـ 40 ألف قنبلة شديدة الانفجار والتدمير زنة الواحدة منها 2000 رطل!!
لكن، هناك فى المقابل طوق من العزلة الدولية المتزايدة على إسرائيل، ومن «الانكشاف» الداخلى بصورة غير مسبوقة، نتيجة إمعانها فى تحدى المجتمع الدولى وقراراته، ومواصلة مسلسل القتل والتدمير لكل ما حولها ومن حولها، والذى بدأ ينعكس بشدة عليها.
لقد بدأت بريطانيا، صاحبة وعد بلفور، قيادة تيار دولى لنزع الحصانة عن إسرائيل، وإخضاعها لعقوبات نتيجة ممارساتها فى الضفة الغربية والسعى لتحويلها إلى مستوطنة إسرائيلية، مما شجع 11 دولة أوروبية وغير أوروبية لإعلان تأييدها للخطوة البريطانية واستعدادها للمشاركة فيها.
وداخل إسرائيل، وفى تطور غير مسبوق أيضاً، كشفت منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية عن أن إسرائيل تنفذ مشروعاً يستهدف تفكيك الوجود الجماعى الفلسطينى فى الضفة الغربية، من خلال ما تقوم به من إجراءات عنف وتطهير عرقى وتقييد حركة وخنق اقتصادى وتدمير اجتماعى وسياسى.
بينما اهتزت إسرائيل كلها من الداخل أيضاً بعد حصول فيلم وثائقى يحمل اسم «نازا» أخرجه صحفيان إسرائيليان، يتضمن شهادات 24 ضابط استخبارات وجنوداً فى الجيش عن الخطط التى اتبعتها للإيقاع بالمدنيين الفلسطينيين فى غزة واستهدافهم بالقتل.
هناك انتهاكات صارخة للقانون والسلام ممن يدعون حماية القانون وصيانة السلام.. لكن فى المقابل هناك مقاومة ومواجهة تتزايد وتشتد كل يوم من أجل نظام دولى جديد، متعدد الأطراف وعادل.
