تقنية جريدة الدستور

عاجل.. NO Fair.. كيف اغتالت المراهنات وحسابات «فيفا» أحلام المصريين؟

فى ليلة امتزجت فيها دموع الحسرة بعلامات الاستفهام المريبة، ودّع منتخب مصر منافسات كأس العالم ٢٠٢٦ من ثمن النهائى بطريقة ستظل محفورة فى ذاكرة تاريخ كرة القدم، ليس فقط لكونها واحدة من أكثر المباريات إثارة، بل لكونها واحدة من أكثر المواجهات التى تفوح منها رائحة التلاعب المالى، وتدخلات مكاتب المراهنات ا...

6 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الدستور

زيارة المصدر

فى ليلة امتزجت فيها دموع الحسرة بعلامات الاستفهام المريبة، ودّع منتخب مصر منافسات كأس العالم ٢٠٢٦ من ثمن النهائى بطريقة ستظل محفورة فى ذاكرة تاريخ كرة القدم، ليس فقط لكونها واحدة من أكثر المباريات إثارة، بل لكونها واحدة من أكثر المواجهات التى تفوح منها رائحة التلاعب المالى، وتدخلات مكاتب المراهنات الرياضية، والأطماع التسويقية للاتحاد الدولى لكرة القدم «فيفا».

وكانت مباراة مصر والأرجنتين بمثابة مسرحية درامية مكتملة الأركان، بدأت بأقدام اللاعبين على العشب الأخضر، وانتهت بقرارات حاسمة فى غرف الحكام المظلمة، وعلى شاشات تداول الملايين فى منصات المراهنات العالمية.

ولكى نضع القارئ فى قلب الصورة، يجب أولًا توضيح الآلية التى تتحدث بها مكاتب المراهنات، وكيف تترجم حظوظ المنتخبات إلى أرقام مالية، إذ تعتمد هذه الأسواق العالمية بشكل أساسى على لغة أرقام خاصة تستخدم علامتى «الناقص» و«الزائد» لتحديد المرشح للفوز والطرف الأضعف.

عندما يسبق رقم الفريق علامة «ناقص» فهذا يعنى أنه الطرف الأقوى والمدعوم، وأن مكاتب المراهنات شبه متأكدة من انتصاره. ويمثل الرقم المكتوب المبلغ الذى يجب أن تخاطر به لتربح ١٠٠ دولار فقط.

وعلى العكس تمامًا، الفريق الذى يسبق رقمه علامة «زائد» هو الطرف الذى لا تتوقع الشركات فوزه، ويمثل الرقم هنا صافى الربح الكبير الذى ستحصل عليه إذا راهنت بـ١٠٠ دولار فقط، وذلك لجذب المقامرين للمخاطرة على المفاجآت.

ولا يتوقف الأمر عند حدود ما قبل صافرة البداية، بل يمتد لما يُعرف بـ«أسواق المراهنات الحية»، وهى الأسواق التى تتغير فيها الأرقام فى كل ثانية أثناء لعب المباراة بناءً على النتيجة والوقت المتبقى.

وتفرّق مكاتب المراهنات بين الرهان على الفوز فى الوقت الأصلى، الذى يشترط حسم اللقاء فى ٩٠ دقيقة، ورهان التأهل الذى يشمل الصعود بأى طريقة حتى لو بركلات الترجيح. وفى التوقعات بعيدة المدى تُستخدم الاحتمالات الكسرية، والتى تعنى مضاعفة أرباحك بناءً على النسبة المكتوبة إذا تحققت معجزة كبرى.

بالعودة إلى ملعب «مرسيدس بنز»، وحسب التقرير المفصّل الذى نشرته شبكة «ذا أثليتيك» العالمية، كانت مباراة مصر والأرجنتين فى عُرف مكاتب المراهنات محسومة سلفًا لصالح رفاق ليونيل ميسى.

ورغم أن منتخب مصر قدم أداءً جيدًا، دخل «الفراعنة» المواجهة وهو الطرف الأقل ترشيحًا للفوز بكأس العالم بأكملها، باحتمالات بلغت ٢٥٠ إلى واحد، ما يعنى أن المراهنة بدولار واحد على تتويج مصر كانت ستجلب ٢٥٠.

الأرجنتين، كما جرت العادة، يدخل أى مباراة كمرشح ساحق، ووضعت مكاتب المراهنات احتمالات فوزه وتأهله عند أرقام تعكس ثقة عمياء فى النتيجة، حتى بلغ الرهان المباشر للتأهل -٧٠٠، وللفوز فى الوقت الأصلى -٢٧٠. فى المقابل، كانت احتمالات فوز مصر فى المباراة +٩٠٠، وللتأهل إلى ربع النهائى +٥١٠.

لم يتوقف الأمر عند الفريقين، بل امتد لنجوم اللعبة. وكان ليونيل ميسى النجم الأبرز برصيد ٧ أهداف. وحسب منصة المراهنات، كانت احتمالات تسجيل «ميسى» هدفًا فى هذه المباراة -١٧٠، وهو رقم اعتبره الخبراء ضئيلًا جدًا بالنسبة لمباراة إقصائية، لكن الشركات كانت شبه متأكدة من تسجيله لضمان استمرار زخمه.

وانطلقت المباراة، وحدث ما لم تتوقعه حواسيب المراهنات ولا خوارزميات شركات الإحصاء، فطوال ٨٠ دقيقة تقريبًا كان أبطال العالم يتجهون لحزم حقائبهم.

وصدم مصر الأرجنتين مبكرًا عندما ارتقى المدافع ياسر إبراهيم ليسجل هدفًا رأسيًا رائعًا فى الدقيقة ١٥، ليتأخر الأرجنتين لأول مرة فى المونديال منذ خسارته أمام السعودية فى نسخة قطر.

زادت الإثارة عندما أهدر ليونيل ميسى ركلة جزاء قبل نهاية الشوط الأول، لينهى «الفراعنة» الشوط متقدمًا. وفى الدقيقة ٦٧، ضاعف «زيكو» النتيجة من هجمة مرتدة نموذجية، ليضع حامل اللقب على حافة الهاوية.

ومع تبقى أقل من ١٥ دقيقة على النهاية، وفى ظل تقدم مصر بهدفين، انهارت أسواق المراهنات الحية تمامًا. ووفقًا لبيانات شبكة «فوكس سبورتس»، انقلبت الاحتمالات رأسًا على عقب فى الدقيقة ٧٨، حيث وصلت احتمالات فوز الأرجنتين فى الوقت الأصلى على منصة «سيزرز» إلى رقم جنونى بلغ +٢٥٠٠، بينما وصلت احتمالات تأهله بأى طريقة إلى +٥٧٥.

وحسب شبكة «أوبتا» للإحصائيات، كان لدى الأرجنتين فرصة ضئيلة لا تتجاوز جزءًا من ١٪ للفوز فى غضون ٩٠ دقيقة. وفى تلك الدقائق كانت مكاتب المراهنات العالمية تواجه كابوسًا، فخسارة الأرجنتين كانت تعنى ضربة قاصمة لأسواق الرهانات المستقبلية التى راهنت بملايين الدولارات على تتويج الأرجنتين.

وفى غضون ١٣ دقيقة فقط تبدل كل شىء. سجّل كريستيان روميرو هدف تقليص الفارق فى الدقيقة ٧٩، وبعد ٤ دقائق تولى «ميسى» بنفسه تسجيل هدف التعادل فى الدقيقة ٨٣، قبل أن يكمل إنزو فرنانديز «المعجزة» بهدف قاتل فى الدقيقة ٩٢، ليفوز الأرجنتين بثلاثة أهداف مقابل هدفين.

هذه العودة تحمل أرقامًا تاريخية، فهى المرة الأولى التى يقلب فيها الأرجنتين تأخره بهدفين ليفوز فى مباراة بكأس العالم، وأول مرة يفوز فيها أى فريق فى الوقت الأصلى بعد أن كان متأخرًا بفارق هدفين حتى الدقيقة الـ٧٨.

على صعيد المراهنات، كان هذا التحول من أضخم الانقلابات فى التاريخ. وذكرت التقارير أن أحد المراهنين فى نيويورك استغل اللحظة ووضع ٢٠٠ دولار على فوز الأرجنتين باحتمال +٢٥٠٠ عندما كانت النتيجة هدفين لصفر لمصر، ليحصد ٥ آلاف دولار كربح صافٍ.

تُقارن هذه العودة بعودات تاريخية أخرى فى عالم الرياضة، مثل عودة برشلونة الملحمية أمام باريس سان جيرمان التى وصلت احتمالاتها الحية إلى +٥٠٠٠، وعودة ليفربول فى نهائى إسطنبول باحتمالات بلغت +١٠٠٠٠.

لكن هل كانت عودة الأرجنتين مجرد إنجاز رياضى ملحمى؟

الإجابة تأتى من قرارات الحكم الفرنسى فرانسوا ليتكسييه، إذ شهدت المباراة أحداثًا تحكيمية فجّة، تمثلت فى إلغاء هدف مصرى صحيح بداعى وجود مخالفة وهمية بعيدة عن الكرة. وفى المقابل، تم تجاهل العودة لتقنية الفيديو للنظر فى لعبتين محتملتين كانتا تستوجبان احتساب ركلة جزاء لصالح مصر، وتحديدًا فى نفس الهجمة التى جاء منها الهدف الأرجنتينى الثالث. وتزامنت هذه القرارات الموجهة بدقة مع اللحظات التى وصلت فيها رهانات خسارة الأرجنتين إلى ذروتها القصوى.

عقب المباراة، أطلق المدير الفنى لمنتخب مصر، حسام حسن، تصريحات نارية، كشفت الوجه القبيح لكرة القدم الحديثة، بعد أن أكد صراحة أن هزيمة مصر لم تكن لأسباب فنية داخل الملعب، بل لأسباب خارجية بحتة تتعلق بالجانب التسويقى.

وأشار مدرب المنتخب بوضوح إلى أن الاتحاد الدولى لكرة القدم لديه مصلحة عليا ومباشرة فى الإبقاء على الأرجنتين ونجمه الأول ليونيل ميسى فى البطولة لأطول فترة ممكنة.

خروج «ميسى» من دور الـ١٦ كان سيعنى ضربة قاصمة لعائدات البث التليفزيونى، ومبيعات التذاكر، والشركات الراعية التى تضخ مليارات الدولارات، وتضع صورة النجم الأرجنتينى كواجهة دعائية لها.

وفى عالم كرة القدم الذى تحكمه لغة المال، لا يُسمح لفريق من خارج الحسابات التسويقية مثل مصر بإفساد الحفلة على «فيفا» والرعاة. فبقاء «ميسى» هو ضرورة اقتصادية قبل أن يكون استحقاقًا رياضيًا، وهو ما يفسر التدخل الفج للحكم لحماية هذا المشروع الاستثمارى من الانهيار أمام المجهود الجبار الذى قدمه لاعبو مصر.

حجم الأموال التى تضخ فى سوق المراهنات الرياضية يتجاوز ميزانيات دول بأكملها. فعندما تتراكم مئات الملايين من الدولارات على خيار واحد مثل فوز الأرجنتين، فإن حدوث مفاجأة يخلق أزمة سيولة ضخمة واحتمالية خسائر كارثية لكبار صنّاع السوق، مع العلم أن تدخل المراهنات لا يعنى بالضرورة قيام مسئول برشوة حَكم بشكل علنى، بل يتم الأمر بطرق خبيثة تعتمد على التدخلات النقطية والتوجيه الضمنى.

يتم ذلك من خلال قرارات تبدو فى ظاهرها تقديرية لكنها فى جوهرها حاسمة ومؤثرة، مثل التغاضى عن أخطاء الفريق المدعوم ماليًا، وإطلاق الصافرة على أقل احتكاك لصالحه لتكثيف الضغط، وإشهار بطاقات صفراء لترهيب الخصم، والأخطر من ذلك هو التلاعب بتقنية الفيديو، إذ يمكن تعطيل تدخلها فى لقطة تستدعى ركلة جزاء للمستضعف، وتفعيلها بصرامة فائقة لإلغاء هدف صحيح له بدعوى وجود خطأ طفيف حدث فى وقت مبكر من الهجمة.

وتخلق الضغوط الناجمة عن أرقام المراهنات الحية مناخًا لا يسمح بسقوط الكبار، فالحكام، بوعى أو بغير وعى، يتأثرون بهذه الهالة التسويقية والمالية التى تفرض عليهم حماية الاستثمارات الكبرى.

وفى النهاية، قدّم لاعبو منتخب مصر أداءً بطوليًا سيذكره التاريخ، لكنهم اصطدموا بواقع مرير يؤكد أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة تلعب بين ٢٢ لاعبًا، بل باتت صناعة ترفيهية توجهها أسواق المال وبورصات المراهنات.

مقالات ذات صلة