رياضة جريدة الدستور

وزير ثقافة مصر القادم

لا تحتاج مصر إلى وزير ثقافة جديد بقدر ما تحتاج إلى فكرة جديدة للثقافة. فالوزراء يأتون ويذهبون، أما الثقافة فتبقى، لأنها الذاكرة التي تحفظ الأمة من النسيان، والروح التي تمنعها من الشيخوخة، والجسر الذي يصل الماضي بالمستقبل. ذات مساء، تخيلت أنني أجلس في بهو مكتبة قديمة، تحيط بي تماثيل الحكماء المصريين.

وزير ثقافة مصر القادم
4 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الدستور

زيارة المصدر

لا تحتاج مصر إلى وزير ثقافة جديد بقدر ما تحتاج إلى فكرة جديدة للثقافة. فالوزراء يأتون ويذهبون، أما الثقافة فتبقى، لأنها الذاكرة التي تحفظ الأمة من النسيان، والروح التي تمنعها من الشيخوخة، والجسر الذي يصل الماضي بالمستقبل.

ذات مساء، تخيلت أنني أجلس في بهو مكتبة قديمة، تحيط بي تماثيل الحكماء المصريين. كان بتاح حتب يبتسم في هدوء، وكاجمني يتأمل العالم بعين الحكمة، بينما يقف تحتمس الثالث كقائد يعرف أن بناء الإنسان أعظم من بناء الإمبراطوريات. سألتهم: من يصلح ليكون وزيرًا للثقافة في مصر؟ لم يجب أحد بالكلمات، لكن المكان كله تحول إلى درس عميق في معنى القيادة.

الوزير القادم لا ينبغي أن يكون موظفًا ينتظر توقيع الملفات، ولا إداريًا يكتفي بحضور الافتتاحات والتقاط الصور. الثقافة ليست بروتوكولًا، وليست مهرجانًا موسميًا، وليست مجموعة بيانات صحفية. الثقافة مشروع حضاري طويل، يبدأ من عقل الطفل ولا ينتهي إلا عند ذاكرة الوطن.

نحتاج إلى وزير يؤمن بأن الثقافة استثمار اقتصادي قبل أن تكون نشاطًا ترفيهيًا. ففي العالم كله أصبحت الصناعات الثقافية من أهم مصادر الدخل القومي. السينما، والمتاحف، والتراث، والفنون، والنشر، والألعاب الرقمية، والذكاء الاصطناعي، كلها تصنع اقتصادًا كاملًا. أما إذا بقيت الثقافة أسيرة الدعم الحكومي وحده، فإنها ستظل تدور في الحلقة نفسها.

الوزير القادم يجب أن يفكر بعقل عالمي وقلب مصري. يعرف كيف يقدم الحضارة المصرية للعالم بلغته، وكيف يجعل العالم يأتي إلى مصر لا ليرى الآثار فقط، بل ليعيش التجربة الثقافية المصرية بكل تفاصيلها. فالمتاحف ليست مخازن للتماثيل، وإنما مسارح للحكايات، والآثار ليست حجارة صامتة، وإنما شخصيات ما زالت تتحدث بعد آلاف السنين.

نحتاج إلى وزير يعرف أن الطفل أهم من النجم، وأن الكتاب أهم من الاحتفال، وأن بناء القارئ أهم من صناعة الضجيج. فكل أمة عظيمة بدأت من طفل أحب القراءة، ومن معلم آمن بالمعرفة، ومن مكتبة فتحت أبوابها للجميع.

ويجب أن يكون الوزير قادرًا على اكتشاف المواهب لا احتكارها، وعلى دعم الشباب لا منافستهم، وعلى صناعة جيل جديد من المبدعين في المحافظات والقرى قبل العاصمة. فالثقافة المصرية لا تعيش في القاهرة وحدها؛ إنها تمتد من سيوة إلى حلايب، ومن سيناء إلى الوادي الجديد، ومن الإسكندرية إلى أسوان.

كما ينبغي أن يمتلك شجاعة اتخاذ القرار. فالثقافة لا تزدهر بالخوف، ولا تتقدم بالمجاملة، ولا تنمو بالروتين. الوزير الحقيقي هو الذي يفتح الأبواب المغلقة، ويمنح المؤسسات استقلالًا في الإبداع، ويحاسب على النتائج لا على عدد الاجتماعات.

ولعل أهم ما يحتاجه وزير الثقافة القادم هو أن يكون قارئًا حقيقيًا. فالذي لا يقرأ لا يستطيع أن يقود مشروعًا للمعرفة. وأن يكون مستمعًا جيدًا؛ فالمثقف لا يحتكر الحقيقة، وإنما يصنع الحوار. وأن يكون مؤمنًا بأن الاختلاف مصدر قوة، وأن التنوع هو سر الحضارة المصرية منذ آلاف السنين.

أتخيل الوزير الجديد وهو يدخل مكتبه في أول يوم. لا ينظر إلى الكرسي، بل إلى الخريطة. يرى مصر كلها متحفًا مفتوحًا، ومسرحًا كبيرًا، ومكتبة لا تنتهي، وورشة إبداع دائمة. يدرك أن مهمته ليست إدارة مؤسسة، وإنما إطلاق طاقة أمة كاملة.

وحين يغادر منصبه بعد سنوات، لا يسأل الناس: كم مؤتمرًا عقد؟ وكم مهرجانًا افتتح؟ بل يسألون: كم طفلًا أصبح قارئًا؟ كم فنانًا شابًا وجد فرصته؟ كم كتابًا وصل إلى الناس؟ كم قرية عادت إليها الحياة الثقافية؟ وكم صورة مشرقة رسمها لمصر في العالم؟

هذه هي المعايير الحقيقية التي تصنع وزيرًا يبقى أثره بعد أن يغادر مكتبه.

ففي النهاية، لا تبحث الأمم العظيمة عن وزير يدير الثقافة، بل عن قائد يجعل الثقافة تدير مستقبل الأمة. وعندما يتحقق ذلك، تصبح مصر، كما كانت دائمًا، وطنًا يعلّم العالم أن الحضارة لا تُقاس بعمر الآثار وحدها، بل بقدرة الإنسان على أن يبدع كل يوم حضارة جديدة، مستندًا إلى جذوره، ومنفتحًا على المستقبل، ومؤمنًا بأن الثقافة هي القوة الناعمة التي لا تهزمها الأيام.

مقالات ذات صلة