اقتصاد جريدة الدستور

شهوة الـ"Like".. عندما يصبح الهاتف الذكي سلاحًا لتدمير الوعي

«كشفت الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية ملابسات مقطع فيديو جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن....»، «وكشفت التحقيقات أن ذلك بهدف زيادة نسب المشاهدة وتحقيق أرباح مالية من التفاعل على المحتوى». بين مقدمة وخاتمة بيانات الداخلية، تنحصر أغلب الوقائع التي تكشف عنها الوزارة أن الهاتف الذكي هو سلاح

شهوة الـ"Like".. عندما يصبح الهاتف الذكي سلاحًا لتدمير الوعي
4 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الدستور

زيارة المصدر

«كشفت الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية ملابسات مقطع فيديو جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعى يتضمن....»، «وكشفت التحقيقات أن ذلك بهدف زيادة نسب المشاهدة وتحقيق أرباح مالية من التفاعل على المحتوى».

بين مقدمة وخاتمة بيانات الداخلية، تنحصر أغلب الوقائع التى تكشف عنها الوزارة فى أن الهاتف الذكى هو سلاح العصر الأخطر، فخلف كل ضغطة على زر «لايك» أو مشاركة، تختبئ أزمة وعى تتسع يومًا بعد يوم.

لم يعد الخطر الحقيقى فى عصرنا يقتصر على ما يهدد الحدود أو يدمر المنشآت، بل أصبح فيما يستهدف به العقل الإنسانى نفسه. هناك معركة صامتة لا تسمع فيها طلقات الرصاص ولا هدير الطائرات، لكنها تترك آثارًا عميقة فى العقول والوعى والقيم، معركة تُخاض عبر الشاشات الصغيرة التى ترافقنا فى كل مكان.

ومن خلال الهاتف الذكى، أصبحت الأفكار تنتشر أسرع من أى وقت مضى، وتتغير القناعات فى لحظات، ويُصنع الرأى العام أو يُوجَّه بضغطة زر.

لذلك لم يعد هذا الجهاز مجرد وسيلة للتواصل، بل تحول إلى قوة مؤثرة قادرة على بناء الوعى أو هدمه، وترسيخ الحقيقة أو صناعة الوهم.

وفى ظل هذا الانفتاح الرقمى غير المسبوق، أصبحت المنصات الإلكترونية متاحة للجميع، وهو أمر يحمل جوانب إيجابية لا يمكن إنكارها، إذ أتاح فرصًا واسعة للتعلم وتبادل المعرفة والخبرات.

غير أن الوجه الآخر لهذه الظاهرة كشف عن أزمة متنامية، حيث أصبح من السهل أن يتصدر المشهد أشخاص لا يمتلكون الخبرة أو التخصص، يتحدثون فى السياسة والطب والاقتصاد والفن والتجارة وغيرها من المجالات الدقيقة، وكأن المعرفة لم تعد بحاجة إلى دراسة أو تأهيل أو مسئولية.

نعيش اليوم عصر «الريفيوهات» والتقييمات والآراء السريعة، حيث بات الجميع يملك منصة ورأيًا وجمهورًا، وأصبح هذا المحتوى فى كثير من الأحيان وسيلة للتأثير على العقول وتوجيهها.

فى الأصل، كانت هذه المساحات الرقمية تهدف إلى تبادل التجارب وتقديم النصح والمساعدة، لكن الواقع كشف أن جزءًا منها تجاوز هذا الدور، ليتحول إلى أدوات للتأثير الموجه، وتصفية الحسابات، وتشويه السمعة، وضرب المنافسين تحت غطاء النقد أو حرية التعبير. وهنا تتحول المنصات من فضاءات للتوعية والمعرفة إلى ساحات للصراع والتلاعب بالرأى العام.

والأخطر من ذلك أن المتلقى يجد نفسه يوميًا أمام سيل متدفق من المعلومات والآراء المتناقضة، فيصبح عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين الخبير الحقيقى الذى يتحدث بالعلم والمنطق، وصانع المحتوى الباحث عن الشهرة أو المكاسب.

ومع هذا التدفق المستمر، تتراجع قدرة الفرد على التحقق والتدقيق، ويصبح الوعى ذاته عرضة للتوجيه والتأثير وفق مصالح وأجندات مختلفة.

لقد أصبحنا نعيش زمنًا تختلط فيه الحقائق بالانطباعات، والخبرة بالادعاء، والمعلومة بالشائعة. وأصبح الرأى الشخصى لدى البعض يتقدم على الحقائق والوقائع، بينما تُقاس المصداقية بعدد المشاهدات والتفاعلات لا بعمق المعرفة ودقتها.

وهنا تكمن الأزمة الحقيقية، أزمة وعى تتسع يومًا بعد آخر، فى ظل غياب الضوابط المهنية والأخلاقية التى تحكم صناعة المحتوى.

ورغم كل ذلك، لا يمكن تحميل التكنولوجيا وحدها مسئولية ما يحدث، فقد قدمت للبشرية إنجازات عظيمة وفتحت آفاقًا غير مسبوقة للتعلم والتواصل والوصول إلى المعرفة.

لكن المشكلة الحقيقية تكمن فى طريقة الاستخدام، وفى غياب ثقافة المسئولية والمحاسبة، وفى استغلال بعض المساحات الرقمية لنشر الجهل والشائعات والمعلومات المضللة تحت شعارات براقة يصعب على الكثيرين التحقق من حقيقتها.

وفى ظل هذا المشهد المعقد، لا يمكن أن تُلقى المسئولية على الفرد وحده، كما لا يمكن للدولة وحدها أن تتحمل العبء كاملًا، بل هى مسئولية مشتركة تتوزع بين الفرد والمجتمع والدولة.

الفرد مطالب بقدر أكبر من الوعى النقدى، والتحقق من المعلومات قبل تداولها، وعدم الانسياق وراء المحتوى المضلل أو العاطفى دون وعى أو تمحيص.

أما المجتمع، بمؤسساته الإعلامية والتعليمية والثقافية، فعليه دور محورى فى إعادة تشكيل الوعى العام، من خلال نشر ثقافة التخصص، وتعزيز احترام الخبرة، والتصدى لظاهرة تسطيح المعرفة وتحويل الرأى إلى بديل عن العلم. كما أن دعم المحتوى المسئول والهادف أصبح ضرورة لحماية الفضاء الرقمى من الفوضى.

وفى المقابل، تتحمل الدولة مسئولية وضع الأطر التنظيمية والتشريعية التى تضبط المحتوى المؤثر فى الرأى العام، وتحد من نشر الشائعات والمعلومات المضللة، مع ضمان عدم إساءة استخدام حرية التعبير.

إن تكامل هذه الأدوار هو ما يصنع وعيًا حقيقيًا قادرًا على الصمود أمام سيل المعلومات المتضاربة، ويعيد للمعرفة قيمتها، وللحقيقة مكانتها فى المجتمع.

لقد هرمنا من كثرة الضجيج وقلة المسئولية، ومن مشهد تتساوى فيه الخبرة مع الادعاء، والحقيقة مع الشائعة، والمتخصص مع غير المتخصص، لذا فالتوازن بين الحرية والمسئولية هو الأساس الحقيقى لأى فضاء رقمى صحى ومستقر.

وما أحوجنا اليوم إلى استعادة قيمة الكلمة، وإلى وعى يدرك أن ما يُنشر فى ثوانٍ قد يترك أثرًا يمتد لسنوات، وأن الهاتف الذكى يمكن أن يكون وسيلة لبناء الإنسان والمجتمع كما يمكن أن يكون أداة لإضعافهما.

ويبقى السؤال: هل نتحرك اليوم لحماية الوعى واستعادة قيمة الحقيقة، أم ننتظر حتى نجد أنفسنا أمام أجيال تشكل عقولها بالأوهام أكثر مما تُبنى بالمعرفة؟.
 

مقالات ذات صلة