أصبحت البصمة الوراثية «DNA» واحدة من التي يمكن أن تستعين بها المحاكم في بعض قضايا النسب، لما توفره من قدرة دقيقة على تحديد العلاقة البيولوجية بين الأشخاص، إلا أن اللجوء إليها لا يتم بصورة تلقائية بمجرد طلب أحد أطراف النزاع، وإنما يخضع لتقدير المحكمة وفقًا لظروف كل دعوى والقرائن والأدلة المقدمة فيها.
وتتعامل المحاكم تحت طائلة نصوص القانون مع تحليل البصمة الوراثية باعتباره وسيلة فنية يمكن أن تساعد في الوصول إلى الحقيقة، خاصة في القضايا التي تتعقد فيها مسألة إثبات النسب أو تتعارض فيها الادعاءات، مع ضرورة الالتزام بالقواعد والضوابط القانونية المنظمة لهذا النوع من الإجراءات.
حالات يمكن فيها اللجوء إلى تحليل الـ«DNA»
ومن بين الحالات التي قد ترى فيها المحكمة ضرورة إجراء تحليل البصمة الوراثية، وفقا لنص قانون الأحوال الشخصية الحالي، وجود علاقة زوجية قائمة أو سابقة وفقًا لما يعتد به القانون، إلى جانب نشوب نزاع بشأن نسب طفل، حيث يمكن أن يمثل التحليل وسيلة فنية للمساعدة في حسم الخلاف حول البنوة.
كما يمكن الاستعانة بهذا الإجراء في بعض الحالات التي يصعب فيها تحديد الوالدين البيولوجيين، ومن بينها وقائع اختلاط المواليد داخل المستشفيات، أو حالات الكوارث التي ينتج عنها صعوبة التعرف على الأشخاص وتحديد صلات القرابة بينهم.
وقد يمتد الأمر كذلك إلى حالات التنازع على مجهول النسب، خاصة عندما يدعي أكثر من شخص وجود علاقة له بالطفل، بينما لا تتوافر أدلة تقليدية كافية تمكن المحكمة من الفصل في النزاع.
هل تجرى البصمة الوراثية بمجرد طلب أحد الأطراف؟
لا يعني تقديم أحد أطراف الدعوى طلبًا بإجراء تحليل البصمة الوراثية أن المحكمة ملزمة بإصداره، إذ تخضع المسألة لتقديرها بعد فحص وقائع الدعوى والأدلة والقرائن الموجودة بها.
وتنظر المحكمة بموجب نصوص القانون إلى مدى جدية الطلب ووجود ما يبرره، سواء من خلال مستندات أو وقائع أو قرائن مرتبطة بموضوع النزاع، قبل اتخاذ قرارها بشأن إجراء التحليل، باعتبار أن الغرض الأساسي هو الوصول إلى الحقيقة دون الإضرار بحقوق الطفل أو الإخلال بمصلحته.
موقف النسب المستقر قانونًا
وفي قضايا النسب، يحظى استقرار النسب بحماية قانونية، ولذلك لا يكون المساس بنسب طفل ثبتت علاقته بأبيه بموجب أوراق رسمية أو استقر التعامل عليه لفترة طويلة أمرًا يسيرًا، وإنما يتم التعامل مع كل حالة وفقًا للضوابط والإجراءات التي يقررها القانون.
وتظل المحكمة صاحبة السلطة في تقدير مدى الحاجة إلى إجراء تحليل البصمة الوراثية، وما إذا كانت ظروف الدعوى والوقائع المعروضة أمامها تستدعي اللجوء إلى هذه الوسيلة من عدمه.
البصمة الوراثية.. قرينة فنية أمام القضاء
ومن الناحية العلمية، يتميز تحليل البصمة الوراثية بدرجة عالية من الدقة في تحديد الروابط البيولوجية، ولذلك يمكن أن يمثل عنصرًا مهمًا ضمن الأدلة التي تستعين بها المحكمة في تكوين عقيدتها والوصول إلى الحقيقة.
وفي المقابل، فإن امتناع أحد أطراف النزاع عن الخضوع للتحليل رغم صدور أمر قضائي بإجرائه، قد يكون له أثر في تقدير المحكمة لموقفه، إلا أن هذا الأمر لا يُفهم بمعزل عن باقي وقائع الدعوى وملابساتها، إذ تظل لكل قضية ظروفها الخاصة التي تحدد كيفية التعامل مع نتائج التحليل أو موقف الأطراف منه.
وبذلك، فإن البصمة الوراثية تمثل وسيلة فنية مهمة في قضايا النسب، لكنها ليست إجراءً تلقائيًا أو منفصلًا عن سلطة المحكمة في تقدير الأدلة والقرائن، وإنما يتم اللجوء إليها عندما ترى المحكمة أن ظروف النزاع تستدعي الاستعانة بها للوصول إلى الحقيقة وحسم الخلاف، مع وضع مصلحة الطفل وحقوقه في الاعتبار.



