قبل أشهر من انطلاق مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP31)، تتجه الأنظار إلى مدينة أنطاليا التركية، التي تستضيف لأول مرة مؤتمرًا للمناخ بقيادة مشتركة بين تركيا وأستراليا، في خطوة غير مسبوقة تعكس تعقيدات المشهد المناخي الدولي.
توفير تمويل المناخ
ويأتي المؤتمر في مرحلة توصف بأنها "مرحلة التنفيذ"، حيث ينتظر المجتمع الدولي ترجمة التعهدات المناخية إلى سياسات وإجراءات عملية، وسط تحديات جيوسياسية واقتصادية متزايدة، وضغوط متصاعدة لتوفير تمويل المناخ، وتعزيز التكيف، وتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة.
في هذا السياق، استعرض مصطفى الشربيني، المراقب باتفاقية باريس لتغير المناخ بالأمم المتحدة ورئيس معهد الاستدامة والبصمة الكربونية، فى تصريحات خاصة لوكالة أنباء الشرق الاوسط، أبرز ملامح المؤتمر والقضايا التي ستتصدر جدول أعماله حيث أكد الشربيني، أن مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP31)، المقرر عقده في نوفمبر المقبل بمركز أنطاليا إكسبو بمدينة أنطاليا التركية، يمثل تحولًا جذريًا وتاريخيًا في مسار تنفيذ اتفاقية باريس، حيث سيناقش أهم القضايا المرتبطة بالعمل المناخي العالمي خلال المؤتمر الحادي والثلاثين لأطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ.
وأوضح الشربيني أن المؤتمر سيعقد خلال الفترة من 9 إلى 20 نوفمبر 2026 لمدة أحد عشر يومًا بمركز أنطاليا إكسبو بمدينة أنطاليا التركية، مشيرًا إلى تعيين مراد قوروم، وزير البيئة والتغير المناخي التركي، رئيسًا للمؤتمر، فيما يتولى كريس بوين، وزير المناخ والطاقة الأسترالي، رئاسة المفاوضات.
وأشار إلى أن مؤتمر COP31 يشهد ترتيبًا غير مسبوق في تاريخ مؤتمرات المناخ، حيث تتولى تركيا وأستراليا قيادة المؤتمر بصورة مشتركة، ليصبح أول مؤتمر مناخي تستضيفه دولتان من قارتين مختلفتين، موضحًا أن هذا الترتيب جاء في ختام مؤتمر COP30 بمدينة بيليم البرازيلية في نوفمبر 2025، عقب مفاوضات استمرت أسبوعًا، بعد تمسك كل من تركيا وأستراليا بحق استضافة المؤتمر ورفض أي منهما الانسحاب من المنافسة.
وأضاف أن توزيع الأدوار بين الدولتين جاء بصورة رسمية، حيث تتولى تركيا بصفتها الدولة المضيفة المسؤولية الكاملة عن الجوانب اللوجستية والعمليات التنظيمية للمؤتمر، إلى جانب رئاسة المؤتمر رسميًا واستضافة قمة القادة العالميين، بينما تتولى أستراليا رئاسة المفاوضات بصلاحيات حصرية تشمل إدارة جدول الأعمال، والإشراف على النصوص التفاوضية، وتعيين الميسرين المشاركين، فيما تستضيف إحدى دول المحيط الهادئ اجتماعات ما قبل المؤتمر (Pre-COP)، والتي ستعقد في كل من فيجي وتوفالو.
وأوضح الشربيني أن مؤتمر COP31 سيبحث عددًا من الملفات الرئيسية التي تمثل أولوية للعمل المناخي العالمي، وفي مقدمتها ملف تمويل المناخ، من خلال تشغيل الهدف الكمي الجماعي الجديد (NCQG)، وذلك بعد اعتماد مؤتمر COP30 لهذا الهدف كأرضية أساسية بقيمة 100 مليار دولار سنويًا، حيث تتجه المفاوضات خلال المؤتمر إلى تحديد مصادر التمويل المستدامة، وتوسيع قاعدة المساهمين لتشمل الاقتصادات الناشئة والقطاع الخاص، بما يضمن توفير التمويل اللازم للدول النامية لتنفيذ التزاماتها المناخية.
وأضاف أن المؤتمر سيمثل أيضًا المحطة الأولى لمراجعة الجيل الجديد من المساهمات المحددة وطنيًا (NDCs 3.0)، والتي قدمتها الدول خلال عام 2025، بهدف التأكد من توافقها مع هدف الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية، مع التركيز على ضمان أن تكون تلك التعهدات شاملة لكافة قطاعات الاقتصاد، ومدعومة بتمويل كامل يضمن تنفيذها على أرض الواقع.
وأشار إلى أن ملف التكيف مع التغيرات المناخية سيحظى بأولوية كبيرة خلال أعمال المؤتمر، حيث سينتقل الهدف العالمي للتكيف (GGA) من مرحلة الإعداد إلى مرحلة التنفيذ، من خلال وضع مؤشرات قابلة للقياس لتقييم مدى التقدم في تحقيق الأهداف السبعة للهدف العالمي للتكيف، والتي تشمل الأمن المائي، وإنتاج الغذاء، والأنظمة الصحية، ومرونة النظم البيئية، وحماية البنية التحتية، والقضاء على الفقر، ودورات التخطيط للتكيف.
وأضاف أن مؤتمر COP31 سيبحث كذلك استكمال تفعيل صندوق الخسائر والأضرار، من خلال اعتماد هيكله التنظيمي، وتحديد آليات الصرف، والانتقال من استضافة البنك الدولي للصندوق بصفة مؤقتة إلى إنشاء سكرتارية مستقلة تتولى إدارة أعماله.
وقال الشربينى إن ملف أسواق الكربون، في إطار المادة السادسة من اتفاق باريس، سيكون من بين أبرز القضايا المطروحة، حيث تستهدف المفاوضات الانتهاء من التفاصيل الفنية المتبقية الخاصة بآلية المادة (6.4)، بما في ذلك قواعد "حصة العائدات" المخصصة لصناديق التكيف، وضمان تطبيق "التعديلات المقابلة" لمنع الازدواج في احتساب الانبعاثات..مشيرا الى أن المؤتمر سيناقش أيضًا إطار الشفافية المعزز (ETF)، من خلال إجراء مراجعة منتصف المدة لمدى جاهزية الدول لتنفيذ هذا الإطار، في ظل التزام جميع الأطراف بتقديم أول تقارير الشفافية الثنائية (BTR1) بحلول نهاية عام 2024.
وأوضح أن جدول التحضيرات لمؤتمر COP31 يتضمن عقد اجتماعات بون المناخية (SB64) بمدينة بون الألمانية خلال شهر يونيو 2026، يعقبها اجتماع ما قبل المؤتمر (Pre-COP) خلال الفترة من 5 إلى 8 أكتوبر 2026 في فيجي، إلى جانب تنظيم حدث لقادة الدول في توفالو، قبل انطلاق المؤتمر الرئيسي بمدينة أنطاليا التركية خلال الفترة من 9 إلى 20 نوفمبر 2026، فيما تعقد قمة القادة العالميين يومي 11 و12 نوفمبر 2026..لافتا الى أن الجهات المنظمة للمؤتمر أعلنت توفير خدمات نقل مجانية لجميع المشاركين بين أماكن الإقامة ومركز المؤتمر، إلى جانب توفير ترتيبات خاصة لنقل المشاركين من وإلى مطار أنطاليا، بما يضمن سهولة الحركة والتنقل طوال فترة انعقاد المؤتمر.
وتناول الشربيني السياق الجيوسياسي الذي ينعقد في ظله المؤتمر، مشيرًا إلى تحذير سيمون ستيل، الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، من أن التوترات الجيوسياسية، ومخاوف أمن الطاقة، والحرب في إيران، قد تطغى على أولويات العمل المناخي، داعيًا الحكومات إلى التركيز على تنفيذ الالتزامات المناخية بدلًا من إعادة فتح الخلافات والانقسامات القديمة.
وأوضح أن مؤتمر COP31 سيركز على ست أولويات رئيسية، تتمثل في أمن الطاقة، والأنظمة الغذائية، وخفض انبعاثات غاز الميثان، وتعزيز المرونة الحضرية، وتوفير تمويل المناخ للدول الجزرية الصغيرة النامية، إلى جانب دعم صندوق مرونة المحيط الهادئ.
وتطرق الشربيني إلى الأبعاد السياسية والاقتصادية للدولتين المشاركتين في قيادة المؤتمر، موضحًا أن تركيا أعلنت التزامها بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 41% مقارنة بمسار "الأعمال كالمعتاد"، وتسعى إلى تعزيز دورها بوصفها جسرًا بين الشرق والغرب في مجال التحول في قطاع الطاقة، مستفيدة من مواردها الوفيرة في مجال الطاقة المتجددة، إلى جانب ما تمتلكه من قدرات مؤسسية واعدة.
وأضاف أن أستراليا تستهدف خفض انبعاثاتها بنسبة 43% مقارنة بمستويات عام 2005، وتعمل على توظيف دورها في رئاسة المفاوضات لتسليط الضوء على التهديدات الوجودية التي تواجه دول المحيط الهادئ نتيجة تغير المناخ، إلى جانب تعزيز التجارة والاستثمار في صناعات الطاقة النظيفة.
وأشار إلى أن المؤتمر يواجه عددًا من التحديات والانتقادات، حيث أعربت منظمات المجتمع المدني، وفي مقدمتها منظمة "جرينبيس"، عن قلقها إزاء استمرار دعم الفحم في تركيا، مطالبة بتحقيق انتقال عادل في قطاع الطاقة يضمن وقف الاعتماد على الفحم وتعزيز مشاركة المجتمع المدني في صنع القرار.
ولفت إلى أن سكرتارية اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ أشارت إلى أن إجراءات اعتماد وقبول المنظمات المراقبة قد تستغرق وقتًا أطول من المعتاد نتيجة نقص الموارد البشرية، كما حذرت من تصاعد محاولات التصيد الإلكتروني والرسائل الاحتيالية التي تستهدف المشاركين في المؤتمر، داعية جميع المشاركين إلى توخي الحذر واتخاذ التدابير اللازمة لحماية بياناتهم.
وأكد الشربيني أن وفدًا كبيرًا من سفراء المناخ سيشارك في أعمال مؤتمر COP31 بصفة مراقبين، بهدف تمثيل صوت المجتمع المدني، والمساهمة في طرح حلول عملية في مجالي التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معها، بما يعزز دور المجتمع المدني في دعم العمل المناخي الدولي..قائلا " إن مؤتمر COP31 في مدينة أنطاليا يمثل نقطة تحول حاسمة في مسار العمل المناخي العالمي، في ظل القيادة المشتركة غير المسبوقة بين تركيا وأستراليا، ومن المتوقع أن يركز على الانتقال إلى "عصر التنفيذ" من خلال ترجمة الالتزامات المناخية إلى سياسات وطنية وإجراءات عملية قابلة للتطبيق، إلى جانب العمل على إغلاق فجوة الطموح، لا سيما في مجالي الطاقة المتجددة والتكيف مع تغير المناخ.
وأضاف أن المؤتمر سيولي اهتمامًا كبيرًا بملف تمويل المناخ، من خلال العمل على تأمين مصادر تمويل مستدامة للدول النامية والدول الجزرية الصغيرة، فضلًا عن تعزيز مبادئ العدالة المناخية، عبر دمج مصالح دول المحيط الهادئ والمجتمعات الأصلية في مسار المفاوضات والقرارات الدولية.
واختتم الشربيني تصريحاته بالتأكيد على أن مؤتمر COP31 يأتي في ظل ظروف جيوسياسية معقدة، الأمر الذي يجعل نجاحه مرهونًا بقدرة القيادة المشتركة بين تركيا وأستراليا على تجاوز الانقسامات الدولية، والتوصل إلى حلول عملية تسهم في تسريع تنفيذ الالتزامات المناخية العالمية قبل حلول عام 2030.



