سياسة جريدة الجمهورية

مشرط طبيب جرّاح

بقلم: د. جمال مصطفى سعيد المجتمعات، من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، تتدرج عادةً بين طبقات تختلف فى مستوى الدخل والقدرة على الإنفاق والادخار، وفى التعليم والمهنة ونمط الحياة والأمان الاقتصادى. وبين الطبقة الأكثر احتياجًا والطبقات الأكثر ثراءً، ظلت الطبقة الوسطى تمثل فى معظم المجتمعات القوة الأوسع ...

مشرط طبيب جرّاح
18 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

بقلم: د. جمال مصطفى سعيد

المجتمعات، من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، تتدرج عادةً بين طبقات تختلف فى مستوى الدخل والقدرة على الإنفاق والادخار، وفى التعليم والمهنة ونمط الحياة والأمان الاقتصادى. 

وبين الطبقة الأكثر احتياجًا والطبقات الأكثر ثراءً، ظلت الطبقة الوسطى تمثل فى معظم المجتمعات القوة الأوسع فى بناء الحياة اليومية وصناعة الاستقرار؛ فهى الطبقة التى حملت عبر التاريخ جانبًا كبيرًا من أعباء التعليم والعمل والإنتاج، واهتمت بتنشئة أبنائها وتعليمهم، وحرصت على بناء أسرة مستقرة، وعلى القيم الدينية والأخلاقية المعتدلة، وعلى أن يحصل أبناؤها على فرصة فى الحياة أفضل مما حصل عليه الآباء. ولذلك لم تكن أهمية الطبقة الوسطى فى حجم ما تملكه فقط، وإنما فى قدرتها على تحويل ما تملكه من علم وعمل وقيم إلى أجيال جديدة، وهو ما يجعل ازدهارها أحد المؤشرات المهمة على صحة المجتمع واستقراره. 

والطبقة الوسطى ليست فقط أصحاب الماهيات المحددة أو الموظفين الحكوميين؛ لكنها تضم أيضا قطاعات كبيرة من المهنيين وأصحاب الأعمال الصغيرة، والعاملين فى مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، وأصحاب المهن والحرف الذين يعتمدون على عملهم وإنتاجهم فى بناء حياتهم. ولعل أهم ما يميز هذه الطبقة أنها الأكثر ارتباطًا بفكرة العمل والالتزام والمسئولية تجاه الأسرة والمجتمع، وهى التى حملت عبر أجيال جانبًا كبيرًا من بناء الحضارة المصرية الحديثة؛ ففيها الطبيب والمهندس والمعلم والموظف، وفيها الكاتب والفنان والأديب والمثقف، ومنها خرج جانب كبير من القوة الناعمة المصرية التى صنعت لمصر حضورها وتأثيرها فى محيطها العربى والإقليمي.. ولذلك فإن قوة الطبقة الوسطى الحقيقية تُقاس بما تنتجه من علم وعمل وثقافة وفن وقيم.

كان من الطبيعي، إلى وقت قريب، أن يعيش الإنسان منا نحن اعضاء الطبقة الوسطى من غير أن نشعر أننا نخوض معركة يومية للحفاظ عليها؛ يكفينا بيتٌ مناسب، وتعليم مقبول للأبناء، وطعام جيد، وعلاج يمكن تدبير نفقاته، وسيارة صغيرة على القد، وإجازة صيفية ولو لأيام قليلة. هذه الأشياء ليست من علامات الثراء، لكنها ببساطة جزء من الصورة التى عرفها المصريون للحياة الطبيعية. 

لكن شيئًا ما تغير!.. فأصبح ما كان عاديًا يحتاج إلى مراجعة، وما كان ممكنًا يحتاج إلى تخطيط، وما كان مؤجلًا يمكن أن يلغي.. وهنا تظهر حكاية الطبقة الوسطى المصرية اليوم؛ طبقة لا تريد رفاهية الأغنياء رغم أن هذا هو هدفها المستحق، وإنما تريد فقط أن تحتفظ بما كان بالأمس عاديًا. 

وأخطر ما يمكن ان يحدث لأفراد الطبقة الوسطى أن يقل دخلها، او تزداد أسعار الأشياء التى كانت تعتبرها من بديهيات الحياة، فيجد رب الاسرة نفسه مضطرًا إلى إعادة ترتيب أولوياته كل سنة. مثلا: اختيار مدرسة أفضل للأبناء قد تعنى تأجيل شراء سيارة، والعلاج الخاص قد يعنى الاستغناء عن مشوار المصيف الذى ينتظره كل أعضاء الأسرة بشغف، وهكذا. وهنا تبدأ الطبقة الوسطى فى شد الحزام لا مرة واحدة بل ربما مرات عديدة.

وربما كان أكثر ما يستحق التوقف عنده أن الطبقة الوسطى نفسها لم تعد كتلة واحدة؛ فداخلها اليوم درجات وفروق واسعة، وبين أعلاها وأسفلها مسافة قد تبدو صغيرة فى الحسابات، لكنها كبيرة جدًا فى أسلوب الحياة. أما الجزء الأدنى منها، فقد أصبح فى رأيى أشبه بمن يتشبث بحافة مرتفعة خوفًا من السقوط إلى الطبقة الفقيرة؛ لا يبحث عن رفاهية ولا يطمع فى حياة الأغنياء، وإنما يحاول بكل ما يستطيع أن يحافظ على الحد الأدنى للحياة الكريمة، أى انهم «متشعلّقين» فى طبقتهم الوسطى حتى لا يسقطوا منها الى طبقة محدودى الدخل. ومع كل زيادة فى تكلفة المعيشة، يصبح هذا التشبث أصعب، ويصبح الانتقال إلى أسفل ليس مجرد انخفاض فى مستوى الدخل، وإنما تغيرًا الى الاصعب فى نمط الحياة كلها.. وتظهر هذه الضغوط بوضوح شديد عندما يتعلق الأمر بالمرض؛ فالمرض لا يختار طبقته الاجتماعية، لكنه يكشف أحيانًا قدرة كل طبقة على مواجهته. وقد تستطيع الأسرة الميسورة أن تتحمل تكلفة علاج طويل أو عملية كبيرة من دون أن تهتز حياتها كثيرًا، بينما يجد الفقير نفسه محتاجًا إلى منظومة الدعم والعلاج التى توفرها له الدولة والحمد لله، أما الأسرة المتوسطة فقد تقف فى منطقة مٌحيرة فعلا؛ لديها دخل، لكنها لا تملك احتياطيًا ماليًا يكفى لمواجهة مرض كبير أو علاج طويل. ولذلك قد يصبح مرض أحد أفرادها حدثًا لا يخص صحته وحدها، وإنما يعيد ترتيب ميزانية الأسرة كلها: وربما يستهلك جزءاً كبيراً من مدخرات سنوات العمر فى بضعة أشهر. ومن هنا فإن الحديث عن الطبقة الوسطى لا ينبغى أن يقتصر على الدخل والأسعار، بل يجب أن ينظر أيضًا إلى قدرة أفرادها على أن يحافظوا على صحتها وحياة أسرتها عندما تأتيها المصاعب التى لا تستأذن أحدًا. 

ولأن الصحة ليست مجرد غياب المرض، فإن الطبقة الوسطى تدفع ثمنًا آخر قد لا يظهر فى دفاتر الحسابات بسهولة: القلق من المرض نفسه. فبعض الناس قد يؤجلون زيارة الطبيب لأنهم يعرفون أن الكشف قد يتبعه تحليل، والتحليل قد يتبعه استشارة، ثم علاج وربما متابعة طويلة؛ فيصبح السؤال أحيانًا ليس: «ما الذى أعانى منه؟» وإنما: «كم ستكلفنى معرفة ما أعانى منه؟». وهذه نقطة خطيرة، لأن تأجيل التشخيص قد يجعل المرض البسيط أكثر تعقيدًا، ويجعل تكلفة علاجه فى النهاية أكبر بكثير. ولا تتوقف المسألة عند تكلفة العلاج وحدها؛ فالإنسان الذى يعيش فى هذه المنطقة من المجتمع – سواء مستقرا أو متشعلقا – أصبح مطالبًا بأن يحسب تكلفة كل قرار صحى قبل أن يتخذه. هل أذهب إلى الطبيب الآن أم أؤجل ذلك الى أول الشهر؟ هل أعمل الفحص الذى طلبه الطبيب كاملًا أم أكتفى بما أراه ضروريًا؟ هل أشترى الدواء كما هو مكتوب فى الروشتة أم أسأل الصيدلى عن بديل أقل تكلفة؟ وهذه الحسابات، قد تتحول مع الوقت إلى مشكلة صحية حقيقية، لأن الوقاية والتشخيص المبكر أقل تكلفة بكثير من علاج المرض بعد أن يستفحل. ومن هنا فإن الحفاظ على الطبقة الوسطى لا يتعلق فقط بأن يكون لديها ما يكفى للطعام والسكن والتعليم، وإنما أيضًا أن يكون لديها قدر من الأمان الصحى يحميها من أن يتحول المرض المفاجئ إلى بداية لانهيار اقتصادى للأسرة. 

ومع ذلك، فإن الحديث عن قلق الطبقة الوسطى من المرض لا يكتمل من دون الإشارة إلى الدور الذى تستطيع الدولة أن تقوم به، فى تخفيف هذا العبء. فقد شهدت السنوات الأخيرة عددًا من المبادرات الصحية واسعة النطاق، من حملة «100 مليون صحة» وما صاحبها من فحص واكتشاف مبكر، إلى المبادرات المختلفة للقضاء على قوائم الانتظار والتعامل مع الحالات التى تحتاج إلى تدخلات طبية وجراحية عاجلة، وصولًا إلى مشروع التأمين الصحى الشامل، وهذه الجهود لا تعنى أن الأسرة لن تدفع شيئًا أو أن المشكلات الصحية قد انتهت، لكنها تعنى شيئًا بالغ الأهمية للطبقة الوسطى تحديدًا: أن المرض المفاجئ لا ينبغى أن يكون وحده قادرًا على إسقاط الأسرة من مكانها الاجتماعي. وعندما تنجح الدولة فى توفير مظلة صحية حقيقية، فإنها لا تعالج المرضى فقط، وإنما تحمى أيضًا ما يمكن تسميته «الأمان الاجتماعي» للأسرة المصرية. 

ولعل الأهم فى كل ما سبق ألا ننظر إلى الطبقة الوسطى باعتبارها طبقة فى ورطة تنتظر من ينقذها، وإنما باعتبارها واحدة من أهم قوى المجتمع وأكثرها قدرة على الصمود والعمل والإنتاج. فهذه الطبقة هى التى ترسل أبناءها إلى المدارس والجامعات وتختار أحسنها، وتدفع الضرائب، وتشارك فى بناء الاقتصاد، وتربى أجيالًا جديدة تتطلع إلى مستقبل أفضل. ولذلك فإن دعمها وحمايتها ليس ترفًا ولا مجاملة اجتماعية، وإنما هو حفاظ على توازن المجتمع نفسه. وكل خطوة تزيد من قدرة المواطن على الحصول على تعليم جيد، ورعاية صحية آمنة، وسكن مناسب، وفرصة عمل مستقرة، هى فى الحقيقة خطوة فى اتجاه تقوية هذه الطبقة وإعادة الثقة إليها. والدعم هنا يوجه معظمه للطبقة الاكثر احتياجا فقط كواحدة من أدوات الدولة فى مواجهة الفقر، سواء فى صورة مباشرة أو غير مباشرة. وهذا رائع..! فالدعم فى جوهره شبكة أمان لمن يحتاج إليها، لكنه لا ينبغى أن يتحول إلى بديل دائم عن العمل لهذه الطبقة التى يخشى أفراد الطبقة الوسطى من السقوط فيها، متى كان الإنسان قادرًا عليه. وربما كان من المفيد أن تتجه سياسات الحماية الاجتماعية بصورة أكبر إلى التأهيل والتدريب وإعادة دمج القادرين على العمل فى منظومة الإنتاج، خصوصًا مع التراجع الملحوظ فى بعض المهن الحرفية التى كانت تمثل طريقًا محترمًا ومستقرًا لكسب الرزق، مثل الميكانيكى والسمكرى وغيرهما. إن إعادة الاعتبار إلى العمل المهنى والحرفي، وتوفير التدريب والفرصة، قد تكون فى بعض الحالات أكثر فائدة للإنسان من استمرار إعانته على حساب الطبقة الوسطى الملتزمة؛ فالمساعدة الحقيقية ليست فقط أن نعطى الإنسان ما يعيش به اليوم، وإنما أن نساعده على أن يمتلك غدًا القدرة على أن يعيش بعمله 

والطبقة الوسطى المصرية، رغم كل ما تواجهه، ليست طبقة فقدت الأمل؛ أو طبقة فى ورطة لأن الظروف تتغير، وأن ما يبدو صعبًا اليوم يمكن أن يصبح أيسر غدًا إذا تضافرت جهود الدولة والمجتمع والأسرة والفرد. ويجب علينا الا نقلق على الطبقة الوسطي، وإنما أن نحافظ عليها، وأن نساعدها على أن تبقى واقفة على قدميها، لا «متشعلقة» بحافة طبقتها خائفة من السقوط. فالمجتمع القوى ليس هو الذى يخلو من المشكلات، وإنما هو الذى يمنح أبناءه القدرة على تجاوزها.. ويترك لهم دائمًا مساحة للحلم.

العلامات

مقالات ذات صلة